❗️خاص صدى الولاية بقلم حسن علي طه❗️
صدى الولاية الاخباري | لا تتوقف أطماع تركيا في سوريا عند لواء إسكندرون الذي ضُمّ إلى تركيا عام ١٩٣٩، كما لا تتوقف الأطماع الإسرائيلية عند الجولان الذي احتلته إسرائيل عام ١٩٦٧.
بين الأطماع التركية شمالًا وإسرائيل جنوبًا، تتعاظم المعضلة على امتداد الجغرافيا السورية، وتأخذ أبعادًا تتجاوز المصالح الاقتصادية والثروات إلى الأمن القومي والعقائد والأحلام التاريخية باستعادة أمجاد غابرة.
من هنا، تحولت سوريا إلى ما يشبه حلبة مصارعة بين قوتين، لكل منهما حساباتها ومصالحها وأطماعها في الجغرافيا السورية، وليست ثروات سوريا آخر هذه الحسابات.
لكن المفارقة أن توسع أي من الطرفين داخل سوريا قد يتحول إلى مشكلة أمن قومي للطرف الآخر.
بمعنى آخر، فإن أي تمدد إسرائيلي واسع في الجغرافيا السورية سيقرّب إسرائيل من الحدود والمجال الحيوي التركي، وسيصطدم بجزء من طموحات أردوغان الإقليمية وحلمه باستعادة نفوذ تركيا التاريخي.
وفي المقابل، فإن سيطرة تركية واسعة على سوريا ستضع تركيا مباشرة أمام إسرائيل، وتمنح أنقرة نفوذًا هائلًا على حدودها الشمالية، بما يمكن أن تعتبره إسرائيل تهديدًا لأمنها القومي ولمشاريعها الإقليمية.
وحتى لو تقاسم الطرفان مناطق النفوذ، فإن مجرد اقترابهما من حدود تماس مباشرة قد يكون كفيلًا بخلق أزمات واضطرابات بينهما.
فتركيا وإسرائيل قد ينجح حبهما عن بُعد، أما الاقتراب أكثر فقد يحوّل هذا الحب إلى جحيم.
وهنا تبرز، بعيدًا عن الموقف من نظام الأسد نفسه، الوظيفة الجيوسياسية التي أدتها سوريا في العقود الماضية. فقد شكّلت الدولة السورية القوية مساحة فاصلة بين تركيا وإسرائيل، وحالت بمجرد وجودها دون تماس مباشر أو تمدد واسع لأي منهما على حساب كامل الجغرافيا السورية.
أما النظام الحالي، الذي وُلد من تناقضات إقليمية ودولية وتسويات معقدة، فهو يقف أمام استحقاقات كبيرة قد تطرح أسئلة جدية حول قدرته على الاستمرار بالشكل الحالي.
فالعلاقة مع الولايات المتحدة والغرب، والانفتاح على قوى كانت تُقدَّم يومًا بوصفها خصومًا، تضع الجولاني أمام تناقض صعب مع جزء من الجمهور الذي حمل شعارات دينية وعقائدية طوال سنوات الحرب.
وأي انخراط سوري في مواجهة المقاومة في لبنان قد يحمل مخاطر أكبر، إذ إن أي هزيمة خارج الحدود لن تبقى نتائجها في الخارج، بل قد تنعكس على الداخل السوري نفسه، حيث تنتظر قوى كثيرة لحظة ضعف السلطة الجديدة للانقضاض عليها.
كما أن الابتعاد عن الشعارات التي قامت عليها الفصائل، من الحكم بشرع الله إلى نصرة القدس ومسلمي غزة، قد يفتح مواجهة أخرى بين السلطة وقاعدتها السابقة، خصوصًا إذا تحولت تلك الشعارات، في نظر جمهورها، إلى مجرد عناوين من مرحلة انتهت.
وإلى جانب كل ذلك، بدأت أصوات السوريين ترتفع أكثر أمام حجم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وبدأ الخوف يتراجع لدى البعض، لتظهر معه المقارنة التي كانت حتى الأمس القريب من المحرّمات: سوريا اليوم أم سوريا ما قبل الثورة؟
مقارنة تبدأ من الدين العام والبطالة والوضع الاقتصادي، ولا تنتهي عند الأمن والسيادة وقدرة الدولة على ضبط أراضيها وحدودها.
ويستعيد السوري في ذاكرته قطاعًا صحيًا كان، رغم مشكلاته، يقدم الطبابة والاستشفاء والدواء والعلاج للسوريين، بل وكان مقصدًا للكثير من العرب.
كما يستعيد التعليم المجاني حتى المرحلة الجامعية، وتشهد جامعات سوريا على آلاف الخريجين من لبنان والعراق والأردن وغيرهم من الدول العربية.
ومع اقتراب مرور عامين على صعود السلطة الجديدة، يصبح السؤال أكثر حضورًا: ماذا ربح السوري، وماذا خسر؟
وهنا تكمن المفارقة.
أن السوريين يترحمون على الماضي مع لازمة وصف الأسد بـ«النظام البائد» لإنهاء أي نقاش حول المرحلة السابقة، بدأ بعض السوريين يقارنون بين ما كان وما أصبح، بل ويترحم بعضهم على أيام خلت، ليس بالضرورة حبًا بالأسد، وإنما رفضًا لواقع لم يمنحهم حتى الآن الدولة التي انتظروها بعد كل تلك الدماء.
وبين سوريا الأسد وسوريا الجولاني، قد تتغير الشعارات والرايات والتحالفات، لكن يبقى هناك شبه مؤلم لا يحتاج السوري إلى كثير من البحث لاكتشافه:
فساد طبقة الحكم والحاشية المحيطة بها.