الخبر المتداول عن منع قادة الأجهزة العسكرية والأمنية من المشاركة في ذكرى السيد حسن نصرالله، أو من إرسال ممثلين عنهم، لا يمكن التعامل معه كتفصيل بروتوكولي عابر. وإذا صحّ هذا التوجه، فإن خطورته لا تكمن في غياب مسؤول أو ضابط، بل في المنطق الذي قد يؤسس له: أن تبدأ الدولة بفرز مواطنيها وموظفيها بحسب البيئة السياسية والاجتماعية التي ينتمون إليها.
اليوم، منع حضور. غداً، منع تمثيل. وبعد غد، قد يصبح الأمر تدقيقاً في التعيينات والترقيات والتكليفات. هكذا تبدأ سياسة القضم: خطوة صغيرة تبدو قابلة للتبرير، ثم تتحول إلى سابقة، ثم إلى عرف، ثم إلى قاعدة غير مكتوبة.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان الانتماء إلى بيئة المقاومة يثير التحفظ داخل مؤسسات الدولة، فما الذي يمنع مستقبلاً من أن يتحول إلى عائق أمام التوظيف أو الترقية أو الوصول إلى موقع رسمي؟ وما الذي يمنع أن يمتد هذا المنطق من الوظيفة العامة إلى الحياة الاجتماعية، فيصبح حضور مجلس عزاء أو زفاف أو مناسبة دينية سبباً للمساءلة أو الشبهة؟
عندها لا نكون أمام تنظيم للعمل الرسمي، بل أمام بداية فرز داخلي يتسلل من السياسة إلى الإدارة والمجتمع.
وبيئة المقاومة ليست حزباً فقط، بل شريحة واسعة من اللبنانيين موجودة في الجيش والأجهزة الأمنية والإدارات والجامعات والمستشفيات والنقابات والقضاء والقطاع الخاص. وأي محاولة لعزل هذه البيئة عن مؤسسات الدولة لا تعني إبعاد حزب وحده، بل دفع مجتمع كامل إلى الشعور بأنه موضوع تحت الاختبار.
وهنا يبدأ التقسيم الحقيقي. فالتقسيم لا يبدأ دائماً بحدود جغرافية أو حواجز، بل عندما يشعر المواطن أن الدولة لم تعد تقف على المسافة نفسها من الجميع، وأن رأيه أو بيئته قد يؤثران في موقعه داخلها.
من حق الدولة أن تنظم التمثيل الرسمي وأن تمنع استخدام المواقع العامة في العمل الحزبي، لكن ذلك يجب أن يتم وفق قواعد مكتوبة وعامة وشفافة تطبق على الجميع بلا استثناء. أما الانتقائية، فهي التي تحول التنظيم إلى تمييز، والتمييز إلى إقصاء.
وإذا كان التشدد يظهر فقط عندما تكون المناسبة مرتبطة ببيئة المقاومة، بينما تبقى المعايير أكثر مرونة في مناسبات أخرى، فإن الحديث عن الحياد يفقد معناه. فالحياد لا يكون انتقائياً، والدولة لا تستطيع أن تطلب ثقة المواطنين إذا كانت تُشعر بعضهم بأنهم أقل قبولاً داخل مؤسساتها.
الأخطر أن يأتي ذلك فيما تعجز السلطة عن طمأنة اللبنانيين إلى قدرتها على حماية البلاد من الاعتداءات الخارجية. وعندما تبدو الدولة ضعيفة أمام الخارج ومتشددة في الداخل، فإنها لا تعزز هيبتها، بل تزيد الاحتقان والانقسام.
لذلك، المطلوب اليوم موقف واضح: إعلان ما إذا كان هذا التوجيه قد صدر فعلاً، ونشر مضمونه وأسبابه إن كان موجوداً، ووضع قواعد موحدة لمشاركة المسؤولين والعسكريين في المناسبات، تطبق على الجميع دون استثناء.
وفي المقابل، يجب تثبيت قاعدة لا تحتمل التأويل: لا يجوز أن تتحول القناعة السياسية أو البيئة الاجتماعية أو الانتماء المناطقي إلى معيار في التوظيف أو الترقية أو التعيين أو النقل أو المحاسبة داخل الدولة.
اليوم قد تكون القضية حضور مناسبة. غداً قد تكون وظيفة، ثم ترقية، ثم تعييناً، ثم حقاً كاملاً في المشاركة داخل الدولة.
الدولة لا تُبنى بعزل شريحة من شعبها، ولا بتصنيف المواطنين، ولا بصناعة مواطنة من درجتين. ومنع الإقصاء اليوم ليس دفاعاً عن امتياز لفئة، بل دفاعاً عن مبدأ واحد للجميع: الدولة لا تفرز أبناءها، ولا تعاقبهم على بيئتهم، ولا تجعل الانتماء السياسي باباً للدخول إلى الوظيفة العامة أو الخروج منها.
فهذه هي اللحظة التي يجب فيها وقف المسار قبل أن يتحول الاستثناء إلى عرف، والعرف إلى سياسة، والسياسة إلى انقسام يصعب إصلاحه.