
❗️خاص صدى الولاية❗️
إعداد وتحرير: محمد الباقر ترشيشي – مدير موقع صدى الولاية الإخباري
السيد حسن نصر الله بعيون المفكرين.. قراءة في الفكر والقيادة والأثر
الحلقة الثالثة | أورلي داهر و«ظاهرة حسن نصر الله»
صدى الولاية | ماذا يجعل قائدًا سياسيًا يتحول من أمين عام لحزب إلى «ظاهرة» تستحق أن يُخصص لها فصل أكاديمي كامل؟
هذا هو المدخل الذي تقودنا إليه الباحثة الفرنسية أورلي داهر في قراءتها للسيد حسن نصر الله، بعدما اختارت لفصل كامل من كتابها «حزب الله: التعبئة والقوة» عنوانًا لافتًا: «ظاهرة حسن نصر الله: القيادة والتعبئة».
لم تنطلق داهر في دراستها من الخطاب السياسي وحده، بل عادت إلى سيرة نصر الله منذ طفولته ومسيرته وصولًا إلى انتخابه أمينًا عامًا لحزب الله عام 1992، ثم درست كيفية تشكّل ما وصفته بكاريزمته القيادية، والعلاقة بين هذه الشخصية وبين قدرة الحزب على جذب المقاتلين والمؤيدين والمحافظة على التعبئة.
من قائد حزبي إلى ظاهرة
تضع داهر شخصية نصر الله ومسيرته في صلب العناصر التي أسهمت في جاذبية حزب الله لدى جمهوره.
وتذهب في توصيف أهمية الرجل إلى القول إن مسيرته أصبحت جزءًا من تاريخ الشرق الأوسط، سواء أثارت شخصيته الإعجاب والحماسة أو الرفض والخصومة.
وهذه النقطة أساسية لفهم دراستها.
فهي لا تبحث في سؤال: هل يتفق الناس مع نصر الله؟
بل في سؤال آخر أكثر تعقيدًا: كيف استطاع قائد أن يترك هذا الحجم من التأثير لدى المؤيدين والخصوم في الوقت نفسه؟
1992 – 2000.. سنوات صناعة التحول
تولي داهر أهمية خاصة للمرحلة الممتدة من انتخاب نصر الله أمينًا عامًا عام 1992 إلى انسحاب جيش الاحتلال من معظم جنوب لبنان عام 2000.
وتدرس التحول الذي طرأ خلال تلك السنوات على نظرة جزء من الجمهور إليه.
فالرجل الذي تسلّم قيادة حزب الله في سن مبكرة نسبيًا انتقل، خلال أقل من عقد، إلى موقع مختلف في المشهد اللبناني والعربي.
ومن هنا تربط داهر بين القيادة والتعبئة.
فشخصية القائد بالنسبة إليها ليست عنصرًا منفصلًا عن قوة التنظيم، بل يمكن أن تصبح جزءًا من آليات حشد الجمهور والمحافظة على ارتباطه بالمشروع السياسي والعسكري الذي يمثله الحزب.
الكاريزما وحدها لا تكفي
لكن أحد أهم جوانب قراءة أورلي داهر أنها لا تختزل «ظاهرة نصر الله» في شخصيته.
كتابها نفسه قائم على محاولة تفسير حزب الله من الداخل: بنيته، تاريخه، مؤسساته، نشاطه الاجتماعي والسياسي، وكيف استطاع الحفاظ على التعبئة في بيئة لبنانية وإقليمية شديدة التعقيد.
واعتمدت في هذا العمل على مصادر أولية ومئات المقابلات مع أعضاء وكوادر ومسؤولين ومؤيدين للحزب.
وهكذا يصبح نصر الله في قراءتها جزءًا من بنية أوسع.
القائد مهم.
لكن المؤسسة مهمة أيضًا.
والبيئة والهوية والذاكرة السياسية والاجتماعية عناصر تدخل جميعها في تفسير استمرار التعبئة.
ثم جاء السؤال الأصعب: ماذا يحدث عندما يغيب القائد؟
من «ظاهرة نصر الله» إلى «ما بعد نصر الله»
بعد استشهاد السيد حسن نصر الله في 27 أيلول 2024، عادت أورلي داهر إلى دراسة الرجل، لكن هذه المرة من زاوية مختلفة تمامًا.
لم يعد السؤال كيف تكوّنت قيادته، بل ماذا تركت هذه القيادة خلفها؟
وفي دراسة أكاديمية نشرتها عام 2025 بعنوان «حسن نصر الله: أثر قيادة في الثقافتين السياسيتين الشيعية والوطنية»، بحثت داهر في الأثر الذي أحدثته عقود قيادته على المجتمع الشيعي وموقعه داخل الحياة السياسية اللبنانية.
وتطرح داهر هنا فكرة تتجاوز البعد العسكري.
فهي ترى أن نصر الله لم يرتبط في وجدان مؤيديه بتحرير الأرض من الاحتلال فقط، بل رافق أيضًا تحولًا في نظرة شريحة واسعة من الشيعة اللبنانيين إلى أنفسهم وموقعهم ودورهم السياسي داخل لبنان.
وبحسب قراءتها، ساهم ذلك في إعادة تعريف مشاركتهم في السياسة وعلاقتهم بالدولة ومكانتهم ضمن الأمة اللبنانية.
وهذه ربما واحدة من أعمق النقاط في قراءة داهر لإرث نصر الله.
لأنها تنقل البحث من السؤال عن الصواريخ والحروب وموازين القوى إلى سؤال الهوية السياسية نفسها.
ثلاثة عقود صنعت علاقة مختلفة
وفي دراسة أخرى نشرتها في آب 2025 تحت عنوان «التفكير في ما بعد نصر الله»، عادت داهر إلى العلاقة التي تشكلت خلال أكثر من ثلاثين عامًا بين نصر الله وبيئته.
ووصفتها بأنها علاقة معقدة ومتينة وقادرة على الصمود.
وترى أن رؤيته للهوية الوطنية ولموقع الشيعة داخل اللعبة السياسية اللبنانية عملت، على مدى ثلاثة عقود، كإطار فكري يحدد لدى شرائح من جمهوره علاقتها بالآخرين وبالدولة ومؤسساتها.
وهنا تظهر المفارقة الكبرى.
الرجل غاب.
لكن الأسئلة التي ساهم في تشكيلها بقيت.
ما موقع المقاومة؟
ما علاقة الشيعة بالدولة؟
كيف تُقرأ الهوية الوطنية؟
وأين تنتهي شخصية القائد وتبدأ المؤسسة؟
الإرث بعد القائد
في دراستها المنشورة بعد استشهاده، لا تفترض داهر أن غياب نصر الله يعني تلقائيًا نهاية حزب الله أو انتهاء قدرته على التأثير.
بل تشير إلى أن الخيارات السياسية والإقليمية التي ترسخت خلال المرحلة السابقة قد تكون أكثر ديمومة من حياة القائد نفسه.
وهنا تلتقي بداية القصة مع نهايتها.
عام 2019، كتبت أورلي داهر عن «ظاهرة حسن نصر الله» محاولةً تفسير كيفية تشكل القيادة والكاريزما والتعبئة.
وبعد استشهاده عادت لتبحث في «أثر القيادة».
أي أنها درست نصر الله في الحضور، ثم درست أثره في الغياب.
ومن بين الدراستين تبرز خلاصة مهمة:
قوة القائد لا تُقاس فقط بما يستطيع فعله وهو موجود، بل بما يبقى من أفكاره وعلاقاته ومؤسساته بعد غيابه.
وهذا تحديدًا هو السؤال الذي تتركه أورلي داهر مفتوحًا أمام الباحثين ولبنان والمنطقة:
هل كان حسن نصر الله قائد مرحلة انتهت باستشهاده، أم أن ثلاثة عقود من قيادته صنعت تحولات سياسية واجتماعية ستستمر في التأثير بعده؟
الإجابة لم تكتمل بعد.
فـ«ما بعد نصر الله» لا يزال يُكتب.