
❗️صدى الولاية | خاص بقلم: د. محمد هزيمة❗️
كاتب سياسي واستراتيجي ومستشار في العلاقات الدولية
لم يكن رفض الرئيس الأميركي دونالد ترامب للمقترح الإيراني في نيويورك، في تقديري، إغلاقاً حاسماً لباب التفاوض، بقدر ما يمكن قراءته كمناورة سياسية تفاوضية، خصوصاً أن التصريحات العلنية الأميركية ترافقت مع استمرار قنوات الاتصال والحديث عن استئناف المفاوضات.
المشهد يعيد إلى الأذهان المسار الذي سبق تفاهم إسلام آباد. فخطاب ترامب العلني غالباً ما يقوم على إظهار التشدد ورفع سقف المطالب، فيما تستمر الاتصالات خلف الأبواب المغلقة بحثاً عن تسوية تحقق له مكاسب قابلة للتسويق داخلياً.
المقترح الإيراني الأخير يرتكز، في جوهره، على مجموعة مطالب مترابطة: رفع القيود والحصار عن الصادرات والموانئ الإيرانية، الإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، ووقف الأعمال القتالية على الجبهات الإقليمية، بما فيها لبنان، مقابل إعادة فتح مضيق هرمز والانخراط في مسار تفاوضي حول الملف النووي والتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وهنا تظهر المفارقة.
ترامب أعلن رفضه للمقترح، لكن الاتصالات لم تتوقف. وهذا يفتح الباب أمام قراءة مختلفة: واشنطن قد تكون رفضت الصيغة المعروضة لا مبدأ التفاوض نفسه، وتحاول تحسين شروطها قبل الدخول في مرحلة جديدة من المساومة.
من هذه الزاوية، يمكن فهم الانتقال المحتمل من نيويورك إلى إسلام آباد، بحيث تستعيد باكستان دور الوسيط والضامن، خصوصاً بعدما تحولت سابقاً إلى محطة أساسية في مسار وقف النار والتفاهم الأميركي الإيراني.
الحصار البحري بدوره لم يلغِ الدبلوماسية، بل تحوّل إلى إحدى أدواتها. فالضغط على الاقتصاد الإيراني يهدف، وفق هذه القراءة، إلى رفع كلفة استمرار المواجهة ودفع طهران إلى تقديم تنازلات في ملف هرمز والملف النووي، فيما تستخدم إيران المضيق والجبهات الإقليمية أوراقاً مضادة في عملية التفاوض.
وهنا تكمن أهمية المقترح الإيراني.
فهو يمنح ترامب فرصة للقول أمام الداخل الأميركي إنه حقق تقدماً في الملف النووي وأمّن الملاحة في مضيق هرمز، فيما تحصل طهران في المقابل على تخفيف الحصار والإفراج عن أموالها والدفع باتجاه وقف الحرب على الجبهات المرتبطة بالصراع الإقليمي.
لذلك، قد تكون الهوة بين الطرفين أقل اتساعاً مما يوحي به الخطاب السياسي والإعلامي. في العلن هناك تهديدات ورفض متبادل، أما خلف الأبواب المغلقة فهناك تفاوض على الثمن والضمانات وآليات التنفيذ.
أمام هذا المشهد يمكن تصور ثلاثة مسارات.
الأول هو العودة إلى صفقة واسعة برعاية إسلام آباد، تقوم على وقف شامل أو طويل للنار، ورفع تدريجي للحصار، والإفراج عن الأموال، وإعادة فتح هرمز، مقابل ترتيبات أمنية ونووية وإقليمية.
الثاني هو ضربة عسكرية محدودة يستخدمها ترامب لإظهار القوة ورفع سقف التفاوض، على أن يأتي الرد الإيراني محسوباً بما يمنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ثم تعود الأطراف إلى الطاولة.
أما الثالث فهو توسع الحرب إلى مواجهة شاملة، وهو السيناريو الأعلى كلفة على الجميع، لما يحمله من مخاطر على مضيق هرمز وباب المندب وأسواق الطاقة والقواعد الأميركية والجبهات الممتدة من اليمن والعراق إلى لبنان.
وهذه الكلفة نفسها قد تشكل أحد أهم دوافع العودة إلى التسوية.
من هنا، لا يبدو أن واشنطن أغلقت باب التفاوض نهائياً. الأدق أنها ما زالت تفاوض على شروطه ومكانه وتوقيته، فيما تحاول طهران تثبيت معادلة تربط هرمز والملف النووي والحصار والجبهات الإقليمية ضمن سلة واحدة.
الحرب قائمة، لكن التفاوض قائم أيضاً.
والسؤال لم يعد فقط: هل تقع الحرب؟
بل أصبح: بأي ثمن ستتوقف، وأي صفقة ستولد من قلبها؟