
❗️خاص صدى الولاية | بقلم: فتحي الذاري❗️
26 سبتمبر 2026 بين فتوى المرابطة ودماء المستضعفين.. حين يُزج بالصحابة في مقصلة السياسة
في لحظة سياسية ليست عابرة ، ومع تصاعد دخان المواجهات على الحدود اليمنية السعودية، خرج مفتي السعودية، الشيخ صالح الفورزان، ببيان لم يكن مجرد توجيه ديني عابر، بل كان بمثابة تعبئة عقائديةمن نوعأ آخر أعادت للأذهان أدبيات الحروب الدينية التي ظن الكثيرون أنها توارت خلف عباءة الانفتاح الجديدفي المملكة. ولكن، حين يوضع هذا البيان في ميزان الإنسانية والقوانين السماوية والواقع المعاش على الأرض في اليمن منذ اثني عشر عاما، نجد أنفسنا أمام هوة سحيقة بين قدسية النص ودنس الممارسة.
إقحام النبي صلى الله عليه و آله وسلم والصحابة في محرقة اليمن
إن أخطر ما ورد في بيان الفورزان هو محاولته إسباغ القداسة على العمليات العسكرية بوصف الجنود المرابطين بأنهم على خطى صحابة النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وهنا يتوقف العقل والضميرأي صحابة هؤلاء الذين يُستحضر ذكرهم؟
هل هم الصحابة الذين أقاموا العدل وحموا الضعيف ونصروا المظلوم؟
أم أن البيان يحاول اليّ أعناق التاريخ ليبرر قصف جوياً لم يفرق طوال عقد من الزمن بين ثكنة عسكرية وبين مدرسة أو مشفى أو مجلس عزاءوحفل زفاف ؟
إن استحضار سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) وصحابته لتبرير عدوان استمر 12 عاماً على شعب هو أرق قلوباً وألين أفئدة بشهادة النبي نفسه، هو استغلال سياسي رخيص للدين. النبي بريء من دماء الأطفال الذين مُزقت أشلاؤهم في ضحيان،ويريم وصنعاء، ومن أنين الأمهات اللواتي فقدن ذويهن تحت أنقاض البيوت في صنعاء وصعدة والجوف وعمران والحديدة وتعز وإب. إن الاستقامة التي يدعيها فقهاء السلطة لا تستقيم مع حصار شعب بأكمله ومنع الدواء والغذاء عنه.
عقم المنهج وتسييس الفتوى
خاطب المفتي القوات المسلحة مطالباً إياهم بـالسمع والطاعة لولاة الأمر باعتبار ذلك من أمر الله. وهنا تكمن إشكالية علماء السلاطين الذين يحولون المنبر إلى منصة لتمرير أجندات الحرب. يصف الفوزران الشعب اليمني (أنصار الله) بـالفرقة الضالة وعصابة الشر، في لغة تكفيرية واضحة تعيد إنتاج الكراهية وتؤصل للفتنة بين المسلمين.
أين كانت هذه الفتاوى من قول الله تعالى ( وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا من سورة النساء- آية (93)
)؟ أليس أهل اليمن مسلمين يشهدون أن لا إله إلا الله؟ كيف يستحل مفتي السلطة دماءهم ويحرض على قطع دابرهم بينما يتشدق بالدفاع عن المقدسات؟
إن مكة والمدينة لا تُحمى بالعدوان على الجيران، بل تُحمى بإقامة العدل ووقف الظلم.
اتفاقية مكة والغطاء الديني المزدوج
يتزامن بيان الفوزان مع تحركات عسكرية مريبة تحت مسمى اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي تضم تركيا وباكستان. يبدو أن النظام السعودي قرر استنفار كل أوراقه السلاح التركي، الجيش الباكستاني، والفتوى الوهابية. هذا الثالوث يهدف إلى شرعنة مرحلة جديدة من التصعيد، متجاهلين أن الصواريخ والمسيّرات التي تنطلق من اليمن لم تكن إلا رد فعل على عدوان لم يبقِ ولم يذر.
إن استقبال الجمهور السعودي لهذا البيان بـالتهليل يؤكد نجاح الآلة الإعلامية في تغييب الوعي عن المأساة الإنسانية في الجانب الآخر. أما في اليمن، فقد قُرئ البيان على حقيقته صك غفران جديد يُمنح للقتلة، ومحاولة بائسة لرفع المعنويات المنهارة للجيش السعودي الذي فشل طوال 9 سنوات في تحقيق نصر عسكري رغم فارق الإمكانيات.
المفارقة الحقوقيةبين المنشآت والأرواح
يتحدث الفورزان عن عظمة الحفاظ على شبر من الأراضي السعودية، لكنه لا ينبس ببنت شفة عن تدمير مدن يمنية كاملة. في منطق المفتي استهداف منشأة نفطية هو عدوان آثم.
في واقع اليمن قتل آلاف الأطفال والنساء هو خطأ غير مقصود أو دفاع عن الشرعية.
إن هذا الاختلال في المعايير هو ما يجعل المؤسسة الدينية في السعودية تفقد مصداقيتها أمام الشعوب الإسلامية. إن العالم اليوم يرى في اليمن شعباً يُذبح بصمت تحت غطاء فتاوى تُفصل على مقاس الحاكم.
رسالة إلى دعاة الفتنة
يا من تدعون السير على خطى الصحابة الصحابة لم يحاصروا شعباً مسلماً حتى الموت جوعاً، ولم يقصفوا المكفوفين في مراكزهم، ولم يدمروا الجسور لمنع وصول الإغاثة. إن إسلامكم الذي تقدمونه اليوم هو إسلام البلاط الذي يقدس الحاكم ويستبيح دماء الرعية.
الشعب اليمني، الذي واجه الحصار والدمار بكرامة، يدرك أن هذه الفتاوى ليست إلا صدىً لأصوات الطائرات، وأن مفتي السلطة الذي يبارك القتل لن يجد له مكاناً في تاريخ الأمة إلا في صفحات علماء السوء الذين باعوا دينهم بدنيّا غيرهم.
إن المشهد اليوم يتجاوز حدود المعركة العسكرية؛ إنه صراع بين دين السلطة الذي يمثله الفوزان، وبين دين المظلومين الذي يتمسك به شعب اليمن. ومهما بلغت قوة التحشيد العسكري تحت اتفاقية مكة أو غطاء الفتاوى التكفيرية، فإن الدماء التي سُفكت ظلماً ستظل هي اللعنة التي تلاحق الطغاة وفقهاءهم حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.