❗
من حرب إيران إلى اختبار الهيمنة الأميركية
الحلقة الثالثة عشرة | حرب المخازن: حين تستهلك حرب إيران جزءاً من سلاح أميركا المعدّ لمواجهة الصين
♦️صدى الولاية | الاثنين 28 أيلول/سبتمبر 2026
إعداد وتحرير: ماجدة عباس الموسوي – رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري
في الحلقة الثانية عشرة، وصل التحقيق إلى سؤال الكلفة: الولايات المتحدة رفضت العرض الإيراني لإعادة فتح مضيق هرمز خلال سبعة أيام، فيما بقي الرهان الأميركي قائماً على أن استمرار الضغط سيجبر طهران على تقديم شروط أفضل.
لكن ماذا لو لم يكن الزمن يستهلك إيران وحدها؟
ماذا لو كانت الحرب تستهلك، في الجهة المقابلة، شيئاً لا تستطيع الولايات المتحدة تعويضه بمجرد فتح الخزانة؟
الصواريخ.
هذا هو الجانب الذي تكشفه وثائق أميركية رسمية، ودراسات عسكرية، وبيانات حديثة عن تحرك البنتاغون نفسه لتسريع إنتاج الذخائر.
ففي أول تقرير رقابي شامل عن عملية «Epic Fury»، أقر مكتب المفتش العام في وزارة الحرب الأميركية بأن الإنفاق على الذخائر في حرب إيران تسبب في «نقص استراتيجي في المخزونات» وكشف اختناقات في قدرة القاعدة الصناعية الأميركية على إعادة الإمداد.
والأهم أن بعض الأسلحة التي تُستهلك في مواجهة إيران هي نفسها التي تحتاج إليها الخطط الأميركية في حال اندلاع مواجهة عالية الكثافة في غرب المحيط الهادئ.
أي أن السؤال لم يعد فقط: كم تكلف حرب إيران؟
بل:
هل بدأت حرب إيران تستهلك جزءاً من القوة التي تحتاج إليها واشنطن لمنافسها الأكبر: الصين؟
أولاً | الوثيقة الرسمية: «نقص استراتيجي» في الذخائر
في 14 أيلول/سبتمبر 2026 نشر مكتب المفتش العام في وزارة الحرب الأميركية أول تقرير رقابي إلى الكونغرس عن عملية «Epic Fury»، يغطي العمليات حتى 30 حزيران/يونيو.
وهو أول تقرير ربع سنوي للمفتش العام عن العملية، ويغطي نشاط وزارة الحرب والخارجية والوكالات الأميركية الأخرى المرتبط بالحرب.
التقرير الرسمي لمكتب المفتش العام في وزارة الحرب الأميركية – Operation Epic Fury، 14 أيلول 2026
ووفق التقرير، بلغت كلفة العملية حتى 30 حزيران نحو 33.4 مليار دولار، بينها نحو 22.3 مليار دولار للذخائر المستخدمة وحدها. كما خلص التقرير إلى أن الإنفاق على الذخائر تسبب في نقص استراتيجي في بعض المخزونات وكشف اختناقات في إعادة الإمداد الصناعي. هذه ليست رواية إيرانية عن استنزاف الجيش الأميركي، وليست استنتاجاً بحثيا لـ«صدى الولاية»، إنها خلاصة جهاز رقابي رسمي أميركي، لكن المهنية تقتضي تثبيت الموقف الآخر أيضاً.
وزارة الحرب الأميركية اعترضت على تقييم المفتش العام، وقالت إن مكتبه لم يمتلك كل المعلومات ذات الصلة، مؤكدة أن القوات الأميركية ما زالت تملك القدرات اللازمة لتنفيذ المهام التي يطلبها الرئيس، وقال البيت الأبيض بدوره إن الجيش يمتلك من الذخائر والمخزونات ما يكفي لتحقيق أهداف الرئيس الاستراتيجية، إذن نحن أمام خلاف أميركي داخلي معلن حول مدى خطورة النقص، لا أمام إجماع على أن القوات الأميركية أصبحت عاجزة عن القتال، وهذا التفريق أساسي وربما استثنائي في الطرح العلني.
ثانياً | ماذا استهلكت الحرب؟ هنا تصبح الأرقام أكثر دلالة، استخدمت القوات الأميركية خلال الحرب كميات ضخمة من ذخائر الدفاع الجوي والأسلحة الهجومية بعيدة المدى وفي تقرير سابق موثق، كشفت رويترز استناداً إلى ثلاثة أشخاص مطلعين على البيانات أن الجيش الأميركي استخدم معظم مخزونه العالمي من بعض الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى خلال الأشهر الخمسة الأولى من الحرب، ما أثار مخاوف بشأن الجاهزية لصراعات مستقبلية.
رويترز – استنزاف الصواريخ الأميركية بعيدة المدى خلال حرب إيران، 4 آب/أغسطس 2026
أما دراسات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، فتشير إلى انخفاض حاد في عدد من المخزونات الأساسية، مع التأكيد أن الأرقام التفصيلية الفعلية للبنتاغون سرية، وبالتالي تبقى أرقام المركز تقديرات بحثية وليست أرقاماً رسمية نهائية، لكن أهميتها تأتي من هوية الأسلحة نفسها.
باتريوت،ثاد توماهوك JASSM. PrSM. وصواريخ Standard Missile.
فهذه ليست ذخائر مخصصة لإيران وحدها.
إنها من الأسلحة التي تحتاج إليها الولايات المتحدة أيضاً في أي مواجهة مع قوة عسكرية كبرى.
وهنا تنتقل القضية من مخزون عسكري إلى استراتيجية عالمية.
ثالثاً | باتريوت وثاد: الأرقام الأحدث أكثر دلالة
هنا أضيف إلى الحلقة أحدث الأرقام المتاحة قبل النشر.
بحسب بيانات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية التي أوردتها ديفنس نيوز في 21 أيلول/سبتمبر، كان لدى الولايات المتحدة نحو 2330 صاروخ باتريوت اعتراضي قبل الحرب، وبحلول نهاية تموز/يوليو، قدّر المركز أن المخزون انخفض إلى ما بين 759 و827 صاروخاً.
أما ثاد ، فيقدّر مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية أن المخزون تراجع من نحو 452 صاروخاً قبل الحرب إلى ما بين 234 و278 صاروخاً بنهاية تموز.
هذه تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية وليست أرقاماً مصادقاً عليها علناً من البنتاغون لكنها تكشف حجم المشكلة التي يدرسها المخططون العسكريون الأميركيون، وفي الحرب الصاروخية لا يكفي امتلاك الصاروخ الأفضل.
السؤال هو:كم صاروخاً لديك؟
كم تستطيع مصانعك إنتاجه؟ وكم صاروخاً يحتاج خصمك إلى إطلاقه كي يجبرك على استهلاك اعتراضاتك؟
رابعاً | الرقم الأخطر ليس المخزون... بل 42 و53 شهراً
بحسب البيانات التي نشرتها ديفنس نيوز استناداً إلى تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية ، يبلغ الزمن المرتبط بإنتاج وتسليم صواريخ PAC-3 MSE نحو 42 شهراً، بينما يصل بالنسبة إلى صواريخ ثاد إلى نحو 53 شهراً، أي أننا نتحدث، في بعض الحالات، عن سنوات لا أشهر، وهنا يظهر القيد الذي لا تستطيع القوة المالية إلغاءه فوراً: يمكن للكونغرس أن يخصص عشرات المليارات من الدولارات، لكنه لا يستطيع أن يجعل صاروخاً يحتاج المصنع إلى سنوات يصل إلى المخزن غداً، ويشير تقرير المفتش العام بدوره إلى أن الاختناقات الأكثر استمراراً تشمل: محركات الصواريخ ذات الوقود الصلب، والمتفجرات والمواد الدافعة عالية الجودة، والعمالة الصناعية المتخصصة، وهنا يصبح الوقت مورداً استراتيجياً مثل المال والسلاح تماماً.
خامساً | المستجد الأهم: البنتاغون نفسه يسأل المصانع «كم تستطيعون أن تنتجوا؟»
لم تعد القضية مجرد نقاش في مراكز الدراسات.
في 21 أيلول/سبتمبر كشفت ديفنس نيوز أن البنتاغون طلب من شركات الصناعات الدفاعية تقديم خطط توضح مدى قدرتها على زيادة إنتاج الأسلحة وتسريع التسليم.
وحدد الطلب 16 برنامجاً عسكرياً حرجاً يجري النظر في تسريع إنتاجها أو زيادة مشترياتها، على أن تساعد ردود الشركات في إعداد موازنة الدفاع للسنة المالية 2028.
ديفنس نيوز: البنتاغون يطلب من الصناعة خططاً عاجلة لزيادة إنتاج الأسلحة، 21 أيلول/سبتمبر 2026
ولم يكشف البنتاغون علناً عدد الشركات التي استجابت ولا الأرقام التي قدمتها بشأن حجم الإنتاج الممكن.
وهذا تفصيل بالغ الأهمية، لأن القضية انتقلت من:
تحذير الباحثين من انخفاض المخزون
إلى:
تحرك فعلي داخل وزارة الدفاع لقياس قدرة الصناعة على رفع الإنتاج.
وهنا تصبح «حرب المخازن» أكثر من استعارة صحافية.
إنها جزء من عملية تخطيط عسكري وصناعي أميركية جارية.
سادساً | المشكلة ليست قرار إدارة واحدة
تعود جذور الأزمة إلى ما بعد الحرب الباردة.
فعلى مدى عقود، أعادت الولايات المتحدة تشكيل جزء كبير من صناعتها الدفاعية على أساس حروب أقصر وإنتاج أكثر كفاءة في زمن السلم، بدلاً من الاحتفاظ بطاقة صناعية فائضة ومكلفة استعداداً لحرب استنزاف طويلة.
وكانت النتيجة قاعدة صناعية تنتج أسلحة شديدة التطور، لكنها لا تستطيع دائماً مضاعفة الإنتاج بسرعة عندما ترتفع معدلات الاستهلاك فجأة.
ثم جاءت: أوكرانيا والبحر الأحمر وحرب إيران.
فعادت الكمية إلى جانب النوعية بوصفها عاملاً حاسماً في القوة العسكرية.
سابعاً | «الردع بالقدرة الإنتاجية»
وهنا يبرز مفهوم مهم في الدراسات الاستراتيجية الأميركية:
الردع بالقدرة الإنتاجية فالدولة لا تردع خصمها فقط بعدد الصواريخ والطائرات التي تملكها اليوم، بل بقدرتها على:إصلاح ما يُدمّر، وتعويض ما يُستهلك، وإنتاج ذخائر جديدة، والاستمرار في القتال بعد الشهر الأول والثاني والثالث وهنا تقدم حرب إيران اختباراً واقعياً لهذا المفهوم.
فالسؤال لم يعد فقط:
هل يستطيع باتريوت اعتراض الصاروخ الإيراني؟
بل:
هل تستطيع الولايات المتحدة إنتاج باتريوت بالسرعة نفسها التي تضطر إلى استهلاكه بها إذا طال أمد الحرب؟ وهذا سؤال مختلف تماماً عن سؤال التفوق التكنولوجي.
ثامناً | الصين تدخل الحرب من دون أن تطلق رصاصة فيها
هذه هي النقطة التي تجعل موضوع المخازن جزءاً أساسياً من سلسلة «من حرب إيران إلى اختبار الهيمنة الأميركية» كانت المخاوف بشأن مخزونات الأسلحة اللازمة لمواجهة محتملة في غرب المحيط الهادئ موجودة أصلاً قبل الحرب، لكن حرب إيران أضافت استهلاكاً واسعاً لأسلحة تتقاطع مباشرة مع الاحتياجات الأميركية في آسيا.
وفي تقرير موسع نشرته الواشنطن بوست في 26 آب/أغسطس، عبّر مسؤولون وحلفاء أميركيون في آسيا عن قلقهم من تأثير الحرب على الجاهزية تجاه الصين، بينما قال مسؤول في وزارة الحرب للصحيفة إن القوات الأميركية ما زالت في وضع يسمح لها بردع أي عدوان في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
وأشارت الصحيفة إلى تحويل موارد عسكرية من المحيط الهادئ إلى الشرق الأوسط، بينها سفن، وإلى مخاوف من تأخير بعض شحنات الأسلحة إلى شركاء آسيويين.
وهنا تظهر المفارقة: واشنطن تعتبر الصين منافسها الاستراتيجي الأكبر طويل الأمد، لكنها تستخدم في الشرق الأوسط جزءاً من الأسلحة والموارد التي تدخل في حسابات الردع تجاه بكين.
تاسعاً | هل أصبحت تايوان تدفع فاتورة حرب إيران؟
يجب التعامل مع هذا السؤال بحذر، لا توجد واقعة تثبت أن الولايات المتحدة أصبحت عاجزة عن الدفاع عن تايوان، ولا يجوز تحويل تقديرات مراكز الدراسات إلى حقيقة عسكرية نهائية، والبنتاغون نفسه يؤكد أن قواته ما زالت قادرة على الردع وتنفيذ المهام المطلوبة منها في المحيط الهادئ.
لكن هناك فرقاً بين:
القدرة على مواصلة حرب إيران،
و:
الهامش المتاح إذا اندلعت أزمة عسكرية كبرى أخرى قبل إعادة بناء المخزون.
وهذه هي المشكلة التي تحذر منها الدراسات الأميركية.
لذلك فالصياغة الأدق ليست أن إيران «منعت أميركا من الدفاع عن تايوان».
بل:
حرب إيران رفعت المخاطر والكلفة التي ستواجهها واشنطن إذا اضطرت إلى التعامل مع أزمة عسكرية كبرى متزامنة في غرب المحيط الهادئ.
عاشراً | كلفة الحرب: 43.6 مليار دولار... لكن هذا ليس الرقم الأهم
بلغ أحدث تقدير أميركي معلن لكلفة حرب إيران نحو 43.6 مليار دولار حتى 3 أيلول/سبتمبر، وفق تقدير عسكري قُدم إلى المشرعين الأميركيين ونقلته اسوشيتد برس في 18 أيلول لكن الرقم المالي، على ضخامته، قد لا يكون أخطر أرقام الحرب، فالمال يمكن اقتراضه والموازنة يمكن زيادتها، أما الصاروخ فيحتاج إلى: مصنع، وخط إنتاج، ومحرك، ومواد دافعة، وعمال متخصصين، وسلسلة توريد، ثم المهم جدا هو وقت.
ولهذا ربما يكون المؤشر الاستراتيجي الأهم ليس:
كم مليار دولار أنفقت أميركا؟
بل:
كم سنة تحتاج إلى استعادة ما استهلكته؟
الحادي عشر | والخسائر لم تقتصر على الصواريخ
يكشف تقرير المفتش العام أيضاً جانباً لم يكن ظاهراً بالكامل في بداية الحرب.
فبحسب التقرير، تضررت أو دمرت مئات المباني والمنشآت في قواعد تستخدمها القوات الأميركية في أنحاء الشرق الأوسط، كما لحقت أضرار بنحو 184 مليون دولار بمنشآت دبلوماسية أميركية، وسجل التقرير خسائر وأضراراً في طائرات ومعدات ومنشآت عسكرية.
خلال الفترة التي يغطيها تقرير المفتش العام حتى 30 حزيران/يونيو، تشير التغطية المستندة إلى التقرير إلى مقتل 7 عسكريين أميركيين وإصابة 417، وليس 18 وفاة كما ورد في المسودة السابقة الا أن التقرير يغطي الفترة حتى نهاية حزيران فقط، وبالتالي لا يجوز التعامل معه باعتباره حصيلة نهائية للحرب حتى أيلول.
الثاني عشر | ماذا تقول واشنطن؟
في مقابل كل هذه الأرقام، يرفض البيت الأبيض والبنتاغون الاستنتاج بأن الولايات المتحدة أصبحت غير قادرة على مواصلة الحرب، وأكدت الإدارة أن الجيش يملك المخزونات اللازمة لتنفيذ الأهداف الاستراتيجية للرئيس، فيما شككت وزارة الدفاع في تقييم المفتش العام لعدم امتلاكه، بحسب قولها، كل المعلومات ذات الصلة، وهذا الاعتراض يجب أن يبقى داخل التحقيق، لأن السؤال ليس ما إذا كانت الولايات المتحدة نفدت منها الصواريخ، هذا لم يحدث.
السؤال هو:
إلى أي حد انخفض هامش المخزون؟ وكم يستغرق تعويضه؟ وما تأثير ذلك في القدرة على خوض حرب أخرى؟
وهذه ثلاثة أسئلة مختلفة.
الثالث عشر | ماذا تقول طهران؟
في المقابل، تقدم إيران الحرب باعتبارها معركة استنزاف للقوة الأميركية، وتقول طهران إن قدرتها الصاروخية أجبرت الولايات المتحدة على استهلاك منظومات اعتراض باهظة، وتؤكد أن استمرار الضغط سيزيد كلفة الحرب
لكن ما يجعل قضية الاستنزاف أكبر وليس دعاية إيرانية هو أن النقاش نفسه أصبح موجوداً:
داخل مكتب المفتش العام الأميركي،
وفي البنتاغون،
وفي الكونغرس،
وفي مراكز الدراسات العسكرية الأميركية،
وبين حلفاء واشنطن في آسيا.
أي أن وجود مشكلة المخزون أصبح موثقاً؛ الخلاف يدور حول حجمها وتأثيرها الاستراتيجي.
الخطاب الإيراني يقوم على فكرة أساسية: إيران لا تحتاج إلى امتلاك مخزون يساوي المخزون الأميركي، بل إلى إجبار الولايات المتحدة على استهلاك ذخائر باهظة وبطيئة التعويض بوتيرة مرتفعة.
وفي 23 أيلول، عرضت وكالة تسنيم الإيرانية نتائج تقرير المفتش العام للبنتاغون بوصفها دليلاً على الضغط العملياتي واللوجستي الذي تتعرض له القوات الأميركية، وركزت تحديداً على عبارة التقرير الأميركي عن «النقص الاستراتيجي في المخزونات» والاختناقات الصناعية في إعادة الإمداد.
كما قال المتحدث باسم الحرس الثوري العميد حسين محبي، في تصريحات سابقة تناولت استمرار الحرب، إن الاعتقاد بأن المخزون الصاروخي الإيراني سينفد مع إطالة أمد المواجهة لم يتحقق، وإن إيران حافظت، بحسب قوله، على قدرتها الصاروخية وعلى استمرار الإنتاج.
الرابع عشر | من يربح حرب الاستنزاف الصناعي؟
لا يمكن الإجابة حتى الآن.
إيران نفسها تتعرض لاستنزاف شديد.
اقتصادها يواجه الحصار.
وبنيتها العسكرية تعرضت لضربات.
والولايات المتحدة تمتلك قاعدة اقتصادية وصناعية وتكنولوجية أكبر بكثير لكن حرب الاستنزاف لا تقيس الحجم وحده إنها تقيس أيضاً: كم يكلف سلاحك؟ كم يستغرق إنتاجه؟ وكم يكلف خصمك أن يجبرك على استخدامه؟
إذا أطلقت إيران صاروخاً أو مسيّرة وأجبرت الدفاع الأميركي على استخدام اعتراض متطور، فإن المعادلة لا تنتهي عند نجاح الاعتراض.
هناك أيضاً:
كلفة الصاروخ المستخدم،
عدد الصواريخ المتبقية،
والوقت اللازم لإنتاج البديل.
وهنا يصبح المصنع جزءاً من ساحة المعركة.
الخامس عشر | القوة العظمى ومشكلة تعدد الجبهات
لسنوات دار النقاش الاستراتيجي الأميركي حول قدرة الولايات المتحدة على التعامل مع أكثر من أزمة كبرى في وقت واحد.
أما اليوم فالسؤال لم يعد نظرياً بالكامل.
هناك حرب إيران.
الحرب الروسية–الأوكرانية مستمرة.
الصين هي المنافس العسكري والصناعي الأكبر.
وكوريا الشمالية تبقى عاملاً عسكرياً في شرق آسيا.
وفي أكثر من مسرح، تحتاج الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى بعض المنظومات نفسها أو إلى منتجات تخرج من القاعدة الصناعية نفسها.
وهنا لا يصبح السؤال:
هل أميركا أقوى من إيران؟
من حيث الحجم الكلي للقوة، الفارق هائل لمصلحة الولايات المتحدة.
السؤال الحقيقي هو:
هل تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها في عدة مسارح في الوقت نفسه عندما يبدأ كل مسرح في استهلاك جزء من مخزون المسرح الآخر؟
الاستنتاج التحريري | الهيمنة تبدأ من المصنع قبل حاملة الطائرات
منذ بداية هذه السلسلة، كنا نبحث عن النقطة التي تتحول فيها حرب إيران من مواجهة إقليمية إلى اختبار لمكانة الولايات المتحدة العالمية.
ربما تكشف الحلقة الثالثة عشرة أحد أوضح هذه الأماكن.
إنه ليس هرمز وحده.
ولا أسعار النفط.
ولا طاولة المفاوضات.
إنه المصنع الأميركي.
فحاملة الطائرات تستطيع الوصول إلى الخليج.
والقاذفة تستطيع ضرب هدف بعيد.
ومنظومة ثاد تستطيع اعتراض صاروخ باليستي.
لكن كل صاروخ يُطلق لا يعود إلى المخزن.
وإذا كان إنتاج البديل يحتاج 42 شهراً في بعض برامج باتريوت و53 شهراً في بعض برامج ثاد وفق تقديرات CSIS، فإن الحرب لا تستهلك سلاح اليوم فقط.
إنها تبدأ في استهلاك هامش قوة الغد.
وهنا يصبح الصاروخ الذي يطلق في الخليج مرتبطاً بالحساب في غرب المحيط الهادئ، ويصبح اعتراض صاروخ إيراني مرتبطاً بمخزون قد تحتاج إليه واشنطن في أزمة أخرى، ويصبح قرار استمرار الحرب جزءاً من الحساب مع الصين وهذه هي المفارقة الكبرى.
إيران لا تستطيع منافسة الاقتصاد الأميركي في الحجم.
ولا تملك شبكة القواعد والتحالفات العالمية التي تملكها واشنطن.
لكنها تستطيع، إذا أجبرت الولايات المتحدة على استهلاك ذخائر متطورة بوتيرة أعلى من قدرة المصانع على تعويضها، أن تفرض كلفة استراتيجية تتجاوز حدود الشرق الأوسط.
وهذا لا يعني انهيار الجيش الأميركي.
بل يعني شيئاً أكثر دقة:
التفوق ليس مخزوناً ثابتاً؛ إنه قدرة يجب تجديدها باستمرار.
وحين يصبح معدل استهلاك بعض أدوات القوة أسرع من معدل إعادة إنتاجها، يبدأ حتى الطرف الأقوى في حساب كل طلقة ليس وفق معركة اليوم فقط، بل وفق الحرب التي قد تأتي غداً.
ولهذا ربما يكون تقرير المفتش العام الأميركي أهم من كثير من بيانات النصر الصادرة عن الطرفين.
لأنه يثبت، من داخل المؤسسة الأميركية، أن حرب إيران أحدثت نقصاً استراتيجياً في بعض المخزونات وكشفت اختناقات في القاعدة الصناعية، حتى مع اعتراض البنتاغون على تقدير حجم الخطر.
والتطور الأحدث يزيد الصورة وضوحاً:
البنتاغون لم يكتفِ بالنفي السياسي للمخاوف، بل طلب من الصناعة خططاً لرفع إنتاج 16 برنامجاً عسكرياً حرجاً.
ومن هنا يأتي سؤال الحلقة الثالثة عشرة:
إذا كانت حرب مع قوة إقليمية كإيران تستهلك جزءاً مهماً من مخزون الأسلحة التي تحتاج إليها واشنطن في حساباتها تجاه قوة بحجم الصين... فكم جبهة تستطيع الهيمنة الأميركية أن تتحمل قبل أن يصبح الزمن الصناعي، لا التفوق العسكري وحده، هو الذي يحدد حدودها؟
يمكن لواشنطن تخصيص مزيد من الأموال.
ويمكنها توقيع عقود جديدة.
ويمكنها توسيع المصانع.
لكنها لا تستطيع اختصار ثلاث أو أربع سنوات من زمن الإنتاج إلى بضعة أسابيع بقرار سياسي.
وهنا يصبح اختبار الهيمنة مختلفاً تماماً.
ليس السؤال فقط:
مَن يملك السلاح الأكثر تقدماً؟
بل:
مَن يستطيع إنتاجه، واستخدامه، وتعويضه، والاستمرار عندما تتحول الحرب من ضربة إلى استنزاف؟
وهذا هو الانتقال الجديد في سلسلة التحقيقات:
من حرب المضائق والمفاوضات... إلى حرب المخازن والمصانع.
إلى أي مدى تستفيد إيران فعلاً؟
المكسب الأول هو عدم تماثل الكلفة، الصاروخ الإيراني أو المسيّرة قد يجبران الدفاع الأميركي على استخدام اعتراضات متطورة مرتفعة الثمن. وقدّر مكتب الميزانية في الكونغرس أن الولايات المتحدة استهلكت منذ حزيران 2025 ما بين نصف وثلثي مخزون بعض أنواع الاعتراضات، وأن إعادة بناء تلك المخزونات قد تحتاج إلى خمس سنوات على الأقل حتى مع رفع الإنتاج. ويشمل التقدير باتريوت ثاد وSM-3 وSM-6، مع التأكيد أن أرقام المخزون الدقيقة سرية وأن تقديرات CBO تنطوي على عدم يقين، حسب
Defense News
المكسب الثاني أخطر استراتيجياً: إجبار واشنطن على الاختيار بين الحاضر والمستقبل. فهذه الاعتراضات ليست مطلوبة ضد إيران وحدها. CSIS يرى أن انخفاض المخزون يولّد خطراً على الجاهزية الأميركية في مواجهة محتملة مع الصين في غرب المحيط الهادئ، ويقدّر أن إعادة باتريوت وثاد إلى مستويات ما قبل الحرب قد تستغرق ثلاث سنوات أو أكثر.
المكسب الثالث هو الضغط على الصناعة الأميركية نفسها. هنا تتحول المعركة من مقارنة عدد الصواريخ إلى مقارنة معدلَي الاستهلاك والإنتاج. تقرير المفتش العام للبنتاغون نفسه يقول إن إنفاق الذخائر كشف اختناقات في القاعدة الصناعية الأميركية. وهذا يمنح استراتيجية الاستنزاف الإيرانية أساساً مادياً لا يعتمد على الرواية الإيرانية وحدها (CBSNews)
في النتيجة طهران تحاول تحويل فارق القوة لمصلحة واشنطن إلى فارق في الكلفة لمصلحتها: ليس مطلوباً أن تمتلك إيران صاروخاً أغلى من الصاروخ الأميركي، بل أن تجعل الولايات المتحدة تطلق اعتراضاً باهظاً وبطيء التعويض في كل مرة. وإذا أصبح معدل الاستهلاك الأميركي أعلى من معدل إعادة الإنتاج، فإن جزءاً من المكسب الإيراني لا يتحقق في سماء إيران وحدها، بل في المخازن الأميركية وفي الهامش المتبقي لأي مواجهة مستقبلية مع الصين.
«مكتب الميزانية في الكونغرس الأميركي (CBO)» قدّر أن الاعتراضات وحدها تمثل 13.1 مليار دولار من أصل 21.7 مليار دولار من الذخائر الأميركية المطلوب تعويضها حتى 1 آب.
السؤال الاستنتاجي: هل «إيران استنزفت أميركا وانتصر رهانها» وهل «رهان طهران ان تقول : لا نحتاج إلى إسقاط كل صاروخ أميركي... يكفي أن نجعل واشنطن تطلقه»
وهذه الاسئلة لها ابعاد عالمية للهيمنة الاميركية أمام العالم.
المصادر والمراجع المعتمدة
مكتب المفتش العام في وزارة الدفاع الأميركية – Operation Epic Fury، 14 أيلول/سبتمبر 2026: التقرير الرقابي الرسمي الأول إلى الكونغرس.
التقرير الرسمي
Washington Post – 16 أيلول/سبتمبر 2026: نتائج تقرير المفتش العام بشأن المخزونات والأضرار، مع رد البنتاغون والبيت الأبيض.
قراءة التقرير
Reuters – 4 آب/أغسطس 2026: استهلاك جزء كبير من مخزون الصواريخ الأميركية الدقيقة بعيدة المدى خلال حرب إيران.
قراءة تحقيق Reuters
Defense News – 21 أيلول/سبتمبر 2026: طلب البنتاغون من الصناعة خططاً لزيادة الإنتاج في 16 برنامجاً حرجاً، وأحدث تقديرات Patriot وTHAAD ومدد الإنتاج.
قراءة التقرير
CSIS – Mark F. Cancian وChris H. Park، 27 تموز/يوليو 2026: تقييم مخزونات Patriot وTHAAD ومخاطر الاستنزاف على الجاهزية في غرب المحيط الهادئ.
قراءة دراسة CSIS
Associated Press – 18 أيلول/سبتمبر 2026: أحدث تقدير معلن لكلفة الحرب الأميركية حتى 3 أيلول: 43.6 مليار دولار.
إعداد وتحرير: ماجدة عباس الموسوي – رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري