كتب: حمزة العطار
شهدت الأيام الماضية تصعيدًا لافتًا في مسار الأزمة اليمنية – السعودية، بلغ مرحلة جديدة مع إعلان وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن الوقت قد حان لتنفيذ «اتفاق مكة»، في ظل استمرار هجمات أنصار الله باتجاه السعودية.
أولًا: ماذا حدث؟
شهدت السعودية سلسلة هجمات استهدفت أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، وأعلنت السلطات السعودية إصابة 73 مدنيًا، بينهم نساء وأطفال، إضافة إلى أضرار لحقت بمنشآت مدنية واقتصادية.
وفي موازاة ذلك، تصاعد الجدل بشأن استهداف مكة المكرمة، إذ تحدث التحالف بقيادة السعودية عن اعتراض مسيّرة قبل دخول المجال الجوي المحظور لمكة، في حين نفت جماعة أنصار الله استهداف المدينة المقدسة.
أما التطور الأبرز، فجاء من إسلام آباد، حيث أعلن وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف أن الوقت قد حان لتنفيذ اتفاق مكة، مؤكدًا أن حماية السعودية تمثل بالنسبة إلى بلاده «واجبًا أخلاقيًا وعقائديًا» حتى في غياب اتفاقية رسمية.
كما تحدثت تقارير صحافية عن ضغوط باكستانية على إيران لكبح هجمات أنصار الله ضد السعودية، في مؤشر إلى أن إسلام آباد تحاول حتى الآن استخدام قنوات الضغط السياسي قبل الانتقال إلى خيارات عسكرية مباشرة.
ثانيًا: ما هو اتفاق مكة؟
وُقعت اتفاقية مكة للدفاع المشترك في 7 آب 2026 بين السعودية وباكستان وتركيا، وتقوم على مبدأ اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجومًا على الجميع.
وأكدت الدول المشاركة أن الاتفاق دفاعي ويهدف إلى تعزيز الردع والتعاون العسكري والأمن والاستقرار الإقليمي، وليس موجهًا ضد دولة بعينها.
وهذا يعني أن الاتفاق يوفر إطارًا للدفاع الجماعي، لكن طبيعة أي استجابة عسكرية وحجمها تبقيان مرتبطتين بالقرارات السياسية للدول الثلاث وتطورات الميدان.
ثالثًا: فرضيات المرحلة المقبلة
الفرضية الأولى: الاحتواء والردع من دون حرب
قد تواصل باكستان وتركيا استخدام قنواتهما السياسية والدبلوماسية للضغط باتجاه خفض التصعيد، بالتوازي مع تقديم دعم دفاعي للسعودية من دون الدخول في عمليات هجومية مباشرة داخل اليمن.
هذا المسار يسمح لإسلام آباد بالوفاء بالتزاماتها الدفاعية، مع تجنب الانجرار إلى حرب يمنية مفتوحة ذات كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة.
الفرضية الثانية: تفعيل جزئي للاتفاق
إذا توسعت الهجمات واستهدفت منشآت سعودية حيوية أو مناطق شديدة الحساسية وسقط عدد كبير من الضحايا، فقد تطلب الرياض خطوات أكثر وضوحًا في إطار الاتفاق.
ويمكن أن تتراوح الخيارات بين تعزيز الدفاع الجوي وتبادل المعلومات الاستخبارية والدعم اللوجستي، وصولًا إلى مشاركة عسكرية محدودة إذا اتخذت الدول المعنية قرارًا سياسيًا بذلك.
الفرضية الثالثة: الانزلاق إلى مواجهة إقليمية
السيناريو الأكثر خطورة يتمثل في استمرار التصعيد واتساع رقعة المواجهة، بما يؤدي إلى انخراط عسكري مباشر لدول أخرى.
عندها لن تبقى المسألة مرتبطة بالساحة اليمنية وحدها، بل قد تمتد تداعياتها إلى البحر الأحمر والخليج وممرات الطاقة والتجارة الدولية.
لكن الوصول إلى هذا السيناريو ليس نتيجة حتمية، إذ تبقى أمام الأطراف مساحات واسعة للتحرك السياسي والدبلوماسي.
الخلاصة
التهديد الباكستاني لا يعني بالضرورة إعلان حرب، بل يمكن قراءته بوصفه رسالة ردع سياسية وعسكرية مرتبطة باتفاق مكة.
إسلام آباد تعرف جيدًا تعقيدات الحرب اليمنية وكلفتها، كما تدرك أن أي انخراط عسكري مباشر قد يضعها أمام حسابات إقليمية شديدة الحساسية.
لذلك قد تكون المعركة الأهم في المرحلة المقبلة داخل قنوات التفاوض والضغط السياسي أكثر منها في سماء اليمن.
السؤال الأساسي لم يعد فقط ما إذا كانت باكستان قادرة على التدخل، بل ما إذا كانت ستنجح في استخدام قدرتها على التدخل لمنع توسع الحرب قبل أن تجد نفسها جزءًا منها.