❗️خاص صدى الولاية ❗️الباحث والكاتب الدكتور حسين حمية
لم تعد المسكنات الليبرالية قادرة على إصلاح عالم تضطرب فيه السماء والأرض على حد سواء. إنه الوضع الحرج والخطير الذي نعيشه اليوم، حيث يعيش العالم حالة من الفوضى العالمية.
الأنظمة العالمية التي كانت تضبط العالم لبرهة من الزمن تفككت وانقسمت في صميمها، لأنها أنظمة وضعية من صنع البشر، وعاندت وواجهت النظام الإسلامي الأصيل كمنظومة إلهية لقيادة الدولة.
وحسب قول الفيلسوف سلافوي جيجك، فإن العالم لم يعد منقسمًا إلى معسكرين واضحين كما في الحرب الباردة، بل أصبحت الانقسامات الأيديولوجية تتغلغل داخل كل دولة على حدة، حيث تتضاءل مساحات العيش المشترك والتضامن الدولي في وقت يحتاج فيه العالم إلى تعاون جماعي لمواجهة الأزمات الكوكبية.
ما نراه اليوم من تطور واتساع لدائرة الحروب، من الحرب الروسية – الأوكرانية إلى الحرب الإيرانية – الأميركية، والاعتداء الإسرائيلي الغاشم على لبنان وفلسطين، والحرب المباشرة بين اليمن والسعودية، وما شهدته دول عربية منذ عام 2010 من ثورات وتحولات في تونس وليبيا والعراق وسوريا وغيرها، إضافة إلى المأساة الكردية ومشروع «روج آفا»، والانقلابات والاستفتاءات في أميركا اللاتينية، والاحتجاجات في هونغ كونغ، والصراع في الشرق الأوسط، كل ذلك يعكس حجم التحولات التي يشهدها النظام الدولي.
وتبرز كذلك مفارقة تتصل بمفهومي نقد السياسات الإسرائيلية ومعاداة السامية، وبالدعم الذي يقدمه جزء من اليمين المحافظ والأصولي المسيحي في الولايات المتحدة لإسرائيل انطلاقًا من قراءات دينية تتصل بنبوءات آخر الزمان.
وقد وصلنا اليوم إلى تغير في قواعد اللعبة الجيوسياسية، وبدأت الصورة تتضح أكثر مع التكتلات والتحالفات الدولية الجديدة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، بعدما انتقلت بعض العلاقات والتحالفات من السرية إلى العلن.
كل ذلك، في تقديري، يقود إلى مجموعة من الاستنتاجات:
أولًا، أزمة النظام الرأسمالي وصلت إلى حدود خطيرة، وباتت تطرح أسئلة حول قدرة هذا النظام على الاستمرار من دون إنتاج أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية متلاحقة.
ثانيًا، ما جرى في المنطقة العربية عقب عام 2010 لا يمكن قراءته، من وجهة نظري، باعتباره مجرد ثورات عربية عفوية أو تحركات شعبية تلقائية، بل يجب البحث أيضًا في عوامل التدخل الخارجي وآليات تفكيك بنية الدولة والمجتمع والهوية من الداخل.
ثالثًا، يبرز مفهوم «الاستعمار الإدراكي»، أي الانتقال من مفهوم الاحتلال العسكري المباشر إلى أدوات التحكم بالوعي والإدراك، عبر التكنولوجيا والإعلام والاقتصاد وإعادة صياغة المفاهيم المتعلقة بالحرية والديمقراطية وغيرها.
رابعًا، ترتبط الحروب كذلك بالصراع على رأس المال والنفط ومصادر الطاقة وطرق الإنتاج والتوزيع، وبالسؤال عن المستفيد من الثروات العالمية في مقابل الأثمان التي تدفعها المجتمعات الفقيرة والمتضررة من النزاعات.
خامسًا، تبرز «البيئة الرمادية» التي تتحول فيها الفوضى إلى شكل من أشكال إدارة النظام الدولي، وتنتج حالة مستمرة من السيولة الجيوسياسية والتبعية للمراكز الكبرى.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الفوضى العالمية التي نعيشها اليوم لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد «قضاء وقدر»، بل يجب دراسة المصالح والشبكات الاقتصادية والسياسية ومراكز النفوذ والشركات العالمية الكبرى، ودورها في الصراعات وفي إعادة تشكيل الجغرافيا والعقول ومفاهيم السيادة الوطنية.
إنها منظومة معقدة تعيد تشكيل الوعي والهوية والمستقبل.
ومن هنا، تصبح دراسة «هندسة الفوضى» ضرورية لفهم ما جرى منذ ما سمي «الربيع العربي»، والحروب التي أعقبته، وصولًا إلى أدوات التأثير الناعم التي تستخدم الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والمؤسسات الدولية والخوارزميات والحملات المؤثرة في تشكيل الوعي الجمعي.
لقد انتقل العالم من «أسلاك السيليكون» إلى «أسلاك الدماغ»، ومن هندسة الخوارزميات إلى إدارة الانتباه والتأثير في الرأي العام.
الخاتمة
لأن البداية قد بدأت، لا بد للأمة من أن تعي حجم التحولات التي تواجهها.
فالحديث عن «خريطة الشرق الأوسط الجديد» لم يعد مرتبطًا فقط بالخرائط والحدود الجغرافية. الخرائط تُرسم أيضًا في النفوس والمناهج والاقتصاد والسياسة وآليات صناعة الرأي العام.
وتحولت السياسة في جوانب منها إلى مشروطية اقتصادية ومحاسبية، فيما أصبحت الخوارزميات تدير الانتباه البشري وكأنه مورد اقتصادي.
وهنا يجب التمييز بين «المؤامرة» بوصفها خطة مركزية مغلقة وبين تلاقي المصالح والتواطؤ والنتائج التي يمكن أن تنتج من دون وجود غرفة واحدة تدير كل التفاصيل.
لقد مررنا بمراحل متعددة، من الثورات إلى ما سمي «الفوضى الخلاقة»، ومن تديين الصراع إلى محاولات إعادة رسم الخرائط، حتى وصلنا إلى المرحلة التي أراها الأخطر: «تطبيع الفوضى».
إنها لحظة نفسية واجتماعية وثقافية يتحول فيها الاستثناء إلى قاعدة، والطارئ إلى مألوف، وعدم الاستقرار إلى وضع تعتاد الشعوب العيش فيه من دون مقاومة حقيقية.
في هذه المرحلة يعاد تشكيل العقل الجمعي ليتكيف مع الانقسام ويقبله بوصفه إطارًا دائمًا للحياة، لا مرحلة عابرة نحو الاستقرار، فتتحول الفوضى من أداة إلى بنية، ويتحول المجتمع إلى كيان بلا أفق واضح.
وهذا يقترب من مفهوم «الحداثة السائلة» لدى عالم الاجتماع زيغمونت باومان، حيث تصبح السيولة وعدم اليقين من السمات الأساسية للحياة السياسية والاجتماعية الحديثة.
وفي الختام، أرى أن الصراع الحقيقي يتمحور حول الإنسان ووعيه ومستقبله، وحول قدرة الشعوب على منع تحويلها إلى مجرد أدوات داخل مشاريع اقتصادية وسياسية كبرى.
ومن هنا تبدأ المسؤولية: الانتقال من هندسة الوعي وتطبيع الفوضى والحروب إلى بناء وعي نقدي قادر على إخراج المجتمعات من دائرة الفوضى إلى دائرة العمران الأخلاقي.