على مسافة أسابيع من الانتخابات الإسرائيلية، وفي ظل حسابات نتنياهو الانتخابية وصولًا لإلغائها، تصبح كل الاحتمالات مفتوحة، وترتفع معها مخاطر التصعيد وعمليات الاغتيال، سواء في إيران أو لبنان. وفي قلب هذه الاحتمالات، يبرز اسم الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، كأحد الأسماء التي قد تكون في دائرة الاستهداف الإسرائيلي.
لكن إذا كان استهداف العدو مفهومًا، فلماذا التصويب على الشيخ نعيم من الداخل؟
أمس، تولّت إيناس، صاحبة منصة «حكي إيناس»، وهي من حديثي الظهور الإعلامي، التصويب على الشيخ نعيم، مدّعية أن معلوماتها تأتي من «المطبخ التنظيمي والسياسي» للحزب. لكن ما طُرح، في جزء كبير منه، تجاوز النقد السياسي إلى هجوم شخصي وتجريح، حتى بدا المشهد وكأن هناك من أراد إيصال غضبه وإفراغه عبر منصتها.
ولم يتوقف الأمر عند إيناس.
ففي السياق نفسه، نشرت «جنوبية» لصاحبها علي الأمين، المعروف بمواقفه المناهضة للمقاومة، انتقادات مشابهة للأمين العام. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام مجرد تقاطع في المواقف، أم أن هناك من وجد في هذه المنابر فرصة لتصفية حسابات داخلية مع الشيخ نعيم؟
فالشيخ نعيم تسلّم الأمانة العامة في واحدة من أصعب المراحل التي مرّ بها حزب الله: قادة قُتلوا، وآخرون غادروا لبنان إلى أماكن أكثر أمانًا، وبنية حزبية تلقت ضربات قاسية، فيما كان كثيرون ينتظرون إعلان نهاية الحزب.
فاجأ الشيخ الجميع وأعاد إحياء الأشلاء، وخاض الحرب الأخيرة بعدما اعتبر البعض أن الحزب أصبح في حالة احتضار وأن أوان توديعه قد حان.
أما ادعاء مقال «جنوبية» لصاحبها الأمين عن عدم رضا الإيرانيين عن أداء الشيخ نعيم، فالغاية إظهار الشيخ تحت الوصاية، وهذا افتراء على الشيخ وعلى الإيرانيين.
لا أحد ينكر أن هناك رابطًا بين جبهة لبنان وجبهة إيران، وهذا يستدعي وجود مستشارين للطرفين لدى الآخر.
ثم إن حزب الله، مهما كان موقع أمينه العام، ليس رجلًا واحدًا.
هناك مجلس شورى، ومجلس سياسي، وكتلة نيابية، وأجهزة سياسية وإعلامية وتنظيمية. وبالتالي، فإن أي نجاح أو إخفاق لا يمكن اختزاله بشخص الأمين العام وحده. وهنا يصبح التصويب على الأمين العام واضحًا.
وهل أداء جزء من الطاقم السياسي والإعلامي والتنظيمي الذي لم يواكب حجم ما تعتبره بيئة المقاومة إنجازات وتضحيات من مسؤولية الأمين العام .
ولعل جلسات مجلس النواب الأخيرة أعادت طرح أسئلة حول أداء عدد من نواب المقاومة وحضورهم السياسي.
لذلك، فإن تزامن الهجوم الإعلامي على الشيخ نعيم يفتح باب الأسئلة أكثر مما يقدم أجوبة:
هل هناك من تضرر من تغييرات أو إصلاحات داخلية بدأها الأمين العام؟ هل تحولت خلافات داخلية إلى رسائل تُمرَّر عبر الإعلام؟ أم أن ما نراه ليس سوى تقاطع بين خصومات مختلفة لا يجمع بينها رابط؟
أسئلة تحتاج إلى أدلة قبل تحويلها إلى اتهامات.
لكن المؤكد أن الشيخ نعيم قاسم يقف اليوم في قلب مرحلة شديدة التعقيد: إسرائيل تضع قيادة حزب الله تحت ضغط واستهداف مستمر، وفي الداخل ترتفع أصوات تنتقده وتحمّله مسؤوليات سياسية وتنظيمية.
وهكذا يجد الشيخ نعيم نفسه في عين العاصفة؛ بين عدوّ يتربص به من الخارج، ونيران سياسية وإعلامية تأتيه من الداخل.