
صدى الولاية الباحث السياسي د. بلال اللقيس
كل المؤشرات السياسية تفيد بأن «شارج» أو شحنة التفجير في المنطقة لا تزال قوية، وربما تتصاعد. فالثلث الثالث يبدو أخطر من الثلثين الماضيين لهذه الحرب التاريخية.
أطلقت أميركا الحرب لإسقاط جبهة المقاومة، ولاستعادة هيمنتها وردعها العالمي، واستنفدت الكثير من قوتها، وكانت النتيجة مخيبة، إذ ظهر أنها دخلت في مسار متسارع من التراجع والانكسار عالمياً من بوابة غرب آسيا ونجاح إيران في صدّها.
«إسرائيل» هي الأخرى لم تخرج من القلق، فحرب الثلاثة أعوام لم تحقق تغييراً جدياً في القضايا الجوهرية، أو ما يُعرف بأهداف الحرب، والمستقبل يحمل في طياته مخاوف انسحاب أميركي تتزايد احتمالاته، أو إعادة تموضع يضعف سطوة أميركا ويجزّئ جبهة المقاومة، ما يجعل «إسرائيل» أمام أسئلة كبرى دون حل.
جبهة المقاومة حجزت لنفسها، بصبرها ونَفَسها الاستراتيجي، موقعاً متقدماً في المنطقة والعالم، وحالة رديفة بقيادة تركيا تتقدم كمنافس حاد، وربما خصم لـ«إسرائيل»، ولو غير معلن.
أما صورة ومكانة أميركا العالمية، فهي في تشظٍّ غير مسبوق وصل لدق باب الحليف الأقرب، أي بريطانيا هذه المرة، بإعلان ترامب الخطير بخصوص إيرلندا. والتحول الداخلي في أميركا، الذي ستُظهر الانتخابات النصفية بعضه، سيجبر الولايات المتحدة تباعاً على إعادة تعريف مصالحها بين «إسرائيل» ومنطقة عربية إسلامية قد تغيرت واقعاً، أي غرب آسيا.
ولم تسعف خطة الغرب لاستنزاف روسيا في أوكرانيا في تحسين شروطه عالمياً، بل نكاد نقول إن هذه الحرب اقتربت جداً من تهديد العواصم الذهبية في الغرب الأوروبي.
وأوروبا أيضاً في تحوّل في مقارباتها حيال المنطقة ومصالحها فيها، فالعلاقة الأوروبية – الإسرائيلية يمكن القول إنها بدأت تشوبها تباينات فعلية وستزداد. أوروبا لن تكون قادرة على هضم تطرف الكيان الصهيوني وضرب قرارات أممية طالما ادعت أوروبا أنها تلتزمها، كحل الدولتين وسواه، وطالما شكلت هذه القرارات جسر نفوذ لدورها في العالم.
أما في الدائرة المباشرة، فيمكن القول إنه بعد تلمّس أميركا لفشل استراتيجية المنبوذ الاقتصادي بحق إيران، والتقدم النوعي لجبهة المقاومة في ساحتي اليمن والعراق، وفوق كل ذلك إيران، وفشل مراهنات أميركا للإيقاع بالمقاومة العراقية، وعجزها عن التعاطي مع ما يمكن أن نسميه معضلة أميركا في لبنان – المقاومة – وعدم قدرتهم على كسر إرادة أهل غزة والتفافهم على قضيتهم بروح استشهادية وعدم إخلاء الساحة.
بعد استعراض هذه الوقائع الصلبة، يمكن القول إن المنطقة دخلت ذروة الافتراق: إما الحل الشامل وإما الانفجار الكبير.
لكن لا نحتاج لكثير استدلال أن حكومة الكيان ونتنياهو لا يمكن أن تقبل بحل أو تسوية، فكل خيار غير الحرب هو أشبه بكارثة عليه ونهاية لحلمه ودعاويه، كما أن أي تراجع أميركي بالعودة إلى تسوية ليس واضحاً كم سيكون مفيداً لترامب انتخابياً، بل قد يُجيّر ضده.
لذلك، يمكن القول إن احتمالية التفجير أقوى وتزداد. فهل ستكون بوابة الانفجار من تمادي السعودية بمواجهة اليمن، أم بتوسعة «إسرائيل» لعدوانها على لبنان، أم باستخدام أميركا لـ«إسرائيل» ضد إيران، أم بمسار تطويع «إسرائيل» للضفة، الذي لا يبدو أنه هدف مقنع لنتنياهو ومريح لترامب؟
كل المؤشرات توحي بأن أرضية فعل عسكري جديد يُعمل عليها، وقد يكون ما يصدر من مواقف من وكالة الطاقة النووية، أو ما سُرّب من طلبات سعودية من أميركا و«إسرائيل» لمساعدتها في حربها على اليمن مقابل خدمات تقدمها، لم تتضح بعد، بمثابة إشارات مباشرة لتصعيد تسير إليه المنطقة، وليس فقط لعبة تحسين حظوظ انتخابية.
وربما تحييد أبو ظبي نفسها بترتيب علاقاتها مع إيران يصب في السياق نفسه.
نعم، إن هذه الحرب الكونية بدأها نظام الهيمنة العالمي، وعلى رأسه النظام الأميركي و«إسرائيل»، ومعهما غالبية أنظمة أوروبا وبعض الأنظمة العربية. بدأوها منتشين متحدين، لكننا نشهد تدريجياً تفكك وحدتهم، وذات يلفح وجوههم وخيبة وبداية انفجار تناقضاتهم على صخرة صمودنا وجهادنا وثباتنا على الحق.
وكل يوم يمضي نزداد ثقة بأن أهل المقاومة وشعوبها هم من سيكتبون نهاية هذه الحرب ويزيلونها بختم: «ولّى عصر الهيمنة الأميركية وبدأ عصر المقاومة».