
الباحث في العلاقات الدولية والإسلامية الدكتور حسين حمية
«أُفٍّ لكم… لقد بححتُ من الكلام في جمعكم»
«أُفٍّ لكم، لقد سئمت عتابكم… كم أداريكم كما تُدارى البكار العَمِدة… الذليل والله من نصرتموه، ومن رمى بكم فقد رمى بأفوق ناصل».
الواقع اللبناني اليوم يمثل صراعًا واضحًا بين خيار المقاومة والعزة ومواجهة عدو لا يفهم إلا لغة القوة، وبين خيار التخاذل والتواكل الداخلي، حيث وقع كثيرون في هذا الوطن، بقصد أو من دون قصد، في فخ تقديم المسوغات التي يستفيد منها العدو لإضعاف الجبهة الداخلية.
ألم يعلم هؤلاء بعد أن عاقبة ترك الدفاع عن الوطن هي الذل والعار؟ ألم يسمعوا بكلمة الإمام علي (ع) المدوية في كل زمان ومكان: «فوالله ما غُزي قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، فتواكلتم وتخاذلتم حتى شُنّت عليكم الغارات ومُلكت عليكم الأوطان»؟
إن تثبيط العزائم في مواجهة عدو غاشم كالعدو الصهيوني، والتبجح بالأعذار لترك الدفاع عن الحدود، والمطالبة بنزع سلاح المقاومة في ظل استمرار العدوان وعدم انتهاء الحرب، يضع لبنان أمام مخاطر كبيرة.
أُفٍّ لكم… لقد بححت أصواتنا من الكلام في جمعكم.
ما بالكم لا تكفون عن مقالة الحق أو مشورة بعدل؟
لا نجاة إلا بالرجوع إلى الحق وعدم تبرير الباطل. فلا تزيّنوا خطابكم فتعجبوا به، فيما تتحول خطاباتكم الرنانة في مجلس النواب إلى مادة يستفيد منها العدو، ثم تحسبون أنكم تحسنون صنعًا.
إن أخطر ما يواجه لبنان اليوم هو تكريس الفتنة الطائفية وتحويل الوطن إلى دويلات متناحرة ومذاهب متفرقة، وهذا من الأهداف الأساسية التي يعمل العدو الصهيوني جاهدًا لتحقيقها على أرض الواقع.
ولأهل المقاومة أقول: هناك فئة في بلدنا تدّعي مودتنا، لكن ممارساتها تصب في تفريق أهل المقاومة وشق صفوفهم من أجل مكاسب ومصالح خاصة، وهذا خطر يجب التنبه إليه.
وقد لفتني في هذا السياق قول منسوب إلى الإمام الرضا (ع): «إن ممن يتخذ مودتنا أهل البيت لمن هو أشد فتنة على شيعتنا من الدجال». وعندما سئل عن ذلك، جاء في القول: «بموالاة أعدائنا ومعاداة أوليائنا، إنه إذا كان كذلك اختلط الحق بالباطل واشتبه الأمر فلم يُعرف مؤمن من منافق».
وعن الإمام الكاظم (ع): «يا هشام، بئس العبد عبد يكون ذا وجهين وذا لسانين، يطري أخاه إذا شاهده ويأكله إذا غاب عنه، إن أُعطي حسد وإن ابتُلي خذل».
لقد تعاملنا مع كثيرين بكل شفافية ومصداقية ومحبة، فما كان من بعضهم إلا أن أظهروا جميلًا وأبطنوا قبيحًا. أقوالهم جميلة، لكن أفعالهم تكشف حقيقة أخرى.
ما أقبح التلون يا نواب ووزراء الأمة حين يصبح الباطن عليلًا والظاهر جميلًا، وحين تتبدل المواقف والألوان تبعًا للمصالح والظروف.
لقد ملأتم القلوب قيحًا.
لذلك علينا الحذر الشديد من أهل التلون والمراوغة، وخصوصًا ممن يتخذون ادعاء المحبة وسيلة لتحقيق مصالح ومآرب شخصية. كما نحذر من الفتن الداخلية التي تلبس لبوس النصيحة بينما تحمل في باطنها الخذلان والتفرقة.
أمام هذا الواقع، سنبقى نطالب شعب لبنان وكل حر في هذا البلد بأن نرحم بعضنا بعضًا في زمن التحديات.
وسنبقى ندعو إلى وحدة الصف، وحفظ حقوق المواطنين، واحترام الدستور واتفاق الطائف، واعتماد الحكمة في مواجهة الفتن.
ورغم توصيفنا الصريح لواقع الحال اللبناني، فإن مسؤوليتنا تفرض علينا ضبط النفس والابتعاد عن الخطاب التحريضي، والعمل من أجل الوحدة الوطنية، وتغليب لغة الحوار لحماية السلم الأهلي وتمتين الروابط الداخلية للمجتمع، كي يصمد لبنان في مواجهة الأزمات والحروب والأطماع التي يواجهها من العدو الصهيوني.
وليكن الحوار والجدال بالتي هي أحسن أساسًا لمعالجة الخلافات الداخلية.
إن أي نقاش وطني حول «الاستراتيجية الدفاعية» أو «مصير السلاح» يحتاج إلى حوار هادئ يعترف بالآخر ولا يلغيه، لكن مكان هذا الحوار الطبيعي هو بعد انتهاء الحرب والعدوان، وليس فيما لبنان لا يزال يتعرض للاعتداءات.
ويجب أن يعلم الجميع أن العيش المشترك ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة وطنية، وأن اللبنانيين، مهما اختلفت آراؤهم ومواقفهم، شركاء في وطن واحد.
فلنحفظ لبنان ووحدته وسلمه الأهلي، ولنتذكر أننا كالجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد.