عقدت الهيئة الإدارية في تجمع العلماء المسلمين اجتماعها الدوري، وناقشت المستجدات على الصعيدين المحلي والدولي، وصدر عنها البيان التالي:
في وقتٍ يواجه فيه لبنان تحدياتٍ مصيرية تمسّ سيادته ووحدة أراضيه ومستقبل أبنائه، يواصل العدو الصهيوني اعتداءاته وانتهاكاته، مستفيداً من غياب موقف رسمي حاسم ومن المراوحة السياسية التي تحول دون صياغة استراتيجية وطنية موحّدة لتحرير الأرض وحماية البلاد.
وفي هذا السياق، استوقفنا قيام السفير ميشال عيسى بزيارة بلدة زوطر الغربية بعيداً عن أهلها وفعالياتها، ومن دون التواصل مع رئيس البلدية أو دعوته إلى مرافقته، بل مع منع وسائل الإعلام من الدخول وتغطية الزيارة. إنّ هذا السلوك يثير تساؤلات جدّية حول أهداف الزيارة، ويعكس استخفافاً بأهالي البلدة وممثليهم الشرعيين ومطالبهم المحقّة، ويحوّل الزيارة من فرصة للاستماع إلى الناس والاطلاع المباشر على معاناتهم إلى مشهدية بروتوكولية مغلقة لا تخدم أبناء المنطقة ولا تعبّر عن واقعهم. فالزيارات الدبلوماسية، وخصوصاً إلى القرى الجنوبية التي تعاني الاحتلال والعدوان، ينبغي أن تقوم على احترام أهل الأرض ومؤسساتهم المنتخبة، لا على تجاوزهم أو التعامل معهم كخلفية لمشهدٍ معدّ سلفاً.
وفي الشأن الداخلي، نؤكد أنّ مناقشات مجلس النواب يجب أن تتجاوز السجالات العقيمة والمهاترات السياسية، وأن تنتهي إلى قراراتٍ تصبّ في مصلحة لبنان، وفي مقدمتها استعادة السيادة الكاملة على الأراضي المحتلة، ووقف العدوان الصهيوني، وحماية الوحدة الوطنية. إنّ خطورة المرحلة تفرض على القوى السياسية الارتقاء إلى مستوى المسؤولية، والبحث عن تسوية وطنية تحفظ حقوق لبنان وثوابته وتمنع الانقسام الداخلي من التحول إلى أداة يستفيد منها العدو.
كما نأمل من دولة رئيس الحكومة أن يقدّم إلى اللبنانيين شرحاً واضحاً وشفافاً لماهية «اتفاق الإطار»، وللالتزامات التي يتضمنها، وللنتائج العملية التي يُتوقع تحقيقها من خلاله، ولا سيما في ما يتعلق بانسحاب الاحتلال ووقف اعتداءاته وضمان سيادة لبنان. وفي هذا المجال، نؤيد ما أعلنه النائب الحاج علي عمار من أنّ «المقاومة باقية، باقية، ما دام هناك شبر من أرضنا محتلاً»، لأنّ بقاء الاحتلال واستمرار العدوان يفرضان على اللبنانيين التمسك بكل عناصر القوة التي تحمي وطنهم وتصون كرامتهم.
إننا في تجمع العلماء المسلمين نعلن ما يأتي:
أولاً: نؤكد أنّ الأولوية الوطنية في لبنان يجب أن تبقى التوصل إلى صيغة داخلية جامعة تضمن إنسحاب العدو الصهيوني النهائي وغير المشروط من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات والخروقات، وإطلاق الأسرى، وتمكين أبناء القرى الحدودية من العودة الآمنة والكريمة إلى أرضهم وإعمار منازلهم. كما نحذر من الركون إلى الوعود الدولية أو الاعتقاد بأنّ المفاوضات مع العدو يمكن أن تفضي، وحدها، إلى استعادة الحقوق؛ فتجارب لبنان والمنطقة أثبتت أنّ هذا العدو لا يفهم إلا لغة القوة، ولا يلتزم بالاتفاقات إلا بمقدار ما يُفرض عليه.
ثانياً: نشدّ على أيدي الإخوة اليمنيين في دفاعهم عن وطنهم وسيادته وحقهم في العيش بحرية وكرامة، ولا سيما في مواجهة ما يتعرض له اليمن من عدوان وحصار تقودهما الرياض. ونؤكد أنّ الشعب اليمني، رغم سنوات المعاناة والضغوط، أثبت حرصه على أمن بلاده والمنطقة، وأنّ الملاحة قبالة السواحل اليمنية بقيت آمنة، في مقابل محاولات تحميل اليمن مسؤولية التوترات الناتجة أساساً من استمرار العدوان والحصار.
ثالثاً: نرى في ما أعلنه المتحدث باسم الجيش الإيراني، عقب اللقاء الذي جمع قائد الجيش بقائد حرس الثورة الإسلامية، من أنّ المؤسستين تعملان تحت قيادة وتوجيه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وتلتقيان على هدف واحد هو عزة الإسلام ورفعة الجمهورية الإسلامية، دليلاً واضحاً على متانة الوحدة الوطنية والتكامل بين مؤسسات الدفاع في إيران. كما يعكس هذا الموقف وقوف أبناء الشعب الإيراني ومؤسساته صفاً واحداً في مواجهة الأخطار والاعتداءات التي تستهدف بلدهم والمنطقة.
رابعاً: ندين بشدة حملات الاقتحام والاعتقال التي نفذتها قوات الاحتلال فجر اليوم في مدن الضفة الغربية وبلداتها، كما ندين إعدام الشهيد زياد جابر في مدينة البيرة خلال اقتحام منزله، والاعتداء الذي أدى إلى إصابة مسن وزوجته برضوض في بلدة أبو نجيم. ونستنكر كذلك سياسة هدم المنازل التي تستهدف العائلات الفلسطينية في القدس، ومنها عائلتا أبو ميالة وعلقم. إنّ هذه الجرائم تشكل امتداداً لسياسة إرهاب الدولة والتهجير القسري والعقاب الجماعي التي يمارسها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، في ظل صمت دولي مخزٍ وعجز المؤسسات المعنية عن ردعه ومحاسبته.
إنّ لبنان يحتاج اليوم إلى تسوية وطنية حقيقية، لا إلى مساومات تمسّ سيادته أو حقوقه؛ تسوية تجمع اللبنانيين حول هدف تحرير الأرض وحماية الشعب وبناء دولة قوية تستند إلى عناصر قوتها، ولا تتخلى عنها تحت الضغوط الخارجية. فالوحدة الوطنية، والتمسك بالحق، والتكامل بين الدولة والجيش والشعب والمقاومة، تبقى السبيل الأضمن لإخراج الاحتلال نهائياً، وردع العدوان، وصون استقلال لبنان وكرامته.