❗️خاص صدى الولاية الإخباري بقلم الكاتب فتحي الذاري❗️
قراءة في مضامين استراتيجية صنعاء المتكاملة
مزيج من القوة والدبلوماسية في مواجهة الأوضاع المتفاقمة
الحرب والحصار أم السلام؟
ومعادلة «الحصار بالحصار»
السعودية واليمن.. الأبعاد والمآلات
بعد اثني عشر عاماً من الحرب والحصار، لم يعد من الممكن الحديث عن اليمن بوصفه ساحة صراع محلية مغلقة. فما يجري اليوم يتجاوز الحدود اليمنية، ويضع قواعد الاشتباك الإقليمي أمام تحولات متسارعة.
في قلب هذا المشهد برزت استراتيجية صنعاء المتكاملة كرؤية تقوم على رفض خيارين من الماضي: استسلام ينهي السيادة، أو حرب مفتوحة من دون سقف سياسي.
جوهر هذه الاستراتيجية يقوم على المزج المتعمد بين القوة الرادعة والدبلوماسية الضاغطة، وتختصر صنعاء رؤيتها في معادلة «الحصار بالحصار»، واضعة الأطراف أمام خيارين: إما استمرار الحرب والحصار وما يترتب عليهما من تصعيد، وإما الذهاب نحو سلام شامل.
ㅤ
سياق ولادة الاستراتيجية
ولدت هذه الاستراتيجية من رحم أزمتين متزامنتين.
الأولى إنسانية، نتيجة القيود المفروضة على الموانئ والمطارات والواردات، وما رافق سنوات الحرب من تدهور حاد في الخدمات والظروف المعيشية.
والثانية تفاوضية، تمثلت في جمود المسار السياسي ومحاولات الوصول إلى حلول جزئية تفصل الملفات الإنسانية والاقتصادية عن المسارين السياسي والعسكري.
أمام هذا الواقع، اتجهت صنعاء إلى نقل جزء من كلفة الأزمة إلى الأطراف المقابلة، والانتقال من إدارة تداعيات الحصار إلى محاولة فرض معادلة مقابلة له.
ㅤ
الركيزة الأولى: القوة ورفع كلفة المواجهة
وفق هذه الاستراتيجية، لا تُطرح القوة بوصفها هدفاً قائماً بذاته، وإنما أداة لرفع كلفة استمرار الحرب والقيود المفروضة على اليمن، ودفع الأطراف الأخرى إلى إعادة حساباتها.
وخلال سنوات المواجهة، طورت صنعاء قدراتها الصاروخية والطائرات المسيّرة، واستخدمتها في عمليات استهدفت منشآت ومواقع داخل السعودية ودول أخرى مشاركة في الحرب.
وكانت الرسالة التي أرادت إيصالها أن العمق الجغرافي لن يبقى بعيداً عن تداعيات استمرار المواجهة.
أما في البحر الأحمر، فقد انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر اتساعاً. ومع ربط العمليات البحرية بالحرب على غزة، أصبح الدور اليمني جزءاً من معادلات الملاحة والتجارة وأمن الطاقة في المنطقة.
كما شكلت الجبهات البرية والحدودية خلال مراحل الحرب أداة أخرى لفرض وقائع ميدانية واكتساب أوراق يمكن توظيفها في أي عملية تفاوضية.
ㅤ
البعد الاقتصادي ومعادلة الحصار بالحصار
يمثل الاقتصاد أحد أهم أبعاد الاستراتيجية.
فالمعادلة التي تطرحها صنعاء تقوم على أن استمرار الضغط الاقتصادي عليها يجب ألا يبقى بلا كلفة مقابلة على الأطراف الأخرى.
ومن هنا جاء استخدام الضغط على حركة الملاحة والمصالح الاقتصادية بوصفه جزءاً من أدوات المواجهة، بهدف نقل جزء من التداعيات الاقتصادية للحرب من الداخل اليمني إلى مصالح الأطراف التي تحملها صنعاء مسؤولية استمرار الأزمة.
وهنا يتحول مفهوم «الحصار بالحصار» من شعار سياسي إلى معادلة ضغط يراد منها تغيير حسابات الكلفة لدى الخصم.
ㅤ
الركيزة الثانية: الدبلوماسية والتفاوض من موقع قوة
في المقابل، لا تلغي القوة المسار الدبلوماسي.
فاستراتيجية صنعاء تقوم على الجمع بين الضغط الميداني وفتح أبواب التفاوض، انطلاقاً من قناعة بأن القوة وحدها لا تنتج تسوية سياسية، فيما قد يؤدي التفاوض من دون أوراق ضغط إلى فرض تنازلات على الطرف الأضعف.
ولهذا ربطت صنعاء الملفات الإنسانية والاقتصادية، ومنها الموانئ والمطارات والمرتبات، بمسار وقف العمليات العسكرية والوصول إلى تسوية أشمل.
كما تعاملت مع الوساطة العمانية والجهود الأممية باعتبارها قنوات يمكن من خلالها اختبار جدية الأطراف الأخرى، مع إبقاء أدوات الضغط حاضرة في خلفية العملية التفاوضية.
وعلى المستوى السياسي، طرحت صنعاء في مراحل مختلفة مبادرات ومواقف تربط وقف التصعيد بمعالجة الملفات الإنسانية والاقتصادية وإنهاء القيود المفروضة على اليمن.
ㅤ
الحصار بالحصار.. المنطق والهدف
تقوم هذه المعادلة على مبدأين أساسيين: الرد بالمثل وتوازن الردع.
وتنطلق صنعاء من أن استمرار القيود على ميناء الحديدة ومطار صنعاء وحركة السفن والواردات يعني استمرار أدوات الضغط المقابلة وربما توسيعها.
والهدف الاستراتيجي هو إنهاء حالة الجمود التي تسمح باستمرار الضغط على اليمن من دون تحمل الأطراف المقابلة كلفة مماثلة.
ومن هنا يجري اختصار المشهد بخيارين رئيسيين.
ㅤ
الخيار الأول: السلام الشامل
يقوم هذا الخيار، وفق رؤية صنعاء، على معالجة القيود المتعلقة بالموانئ والمطارات، وتسهيل دخول السلع والمشتقات، ومعالجة ملف المرتبات، بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية، وصولاً إلى عملية سياسية شاملة.
وفي المقابل، يؤدي الاتفاق الشامل إلى وقف العمليات العسكرية والبحرية وتثبيت مسار طويل الأمد لإنهاء الحرب.
الهدف هو فك الاشتباك، وتخفيف معاناة ملايين اليمنيين، وحماية المصالح الاقتصادية والأمنية لدول المنطقة.
ㅤ
الخيار الثاني: التصعيد
إذا استمرت الحرب والقيود الاقتصادية، فإن المسار المقابل وفق هذه الاستراتيجية هو توسيع أدوات الضغط العسكرية والاقتصادية والبحرية.
والغاية من ذلك إثبات أن استمرار الضغط على اليمن بصورة أحادية ليس خياراً بلا ثمن، وأن إبقاء الوضع الحالي إلى أجل غير محدد لن يضمن الاستقرار للطرف الآخر.
أما الخيار الثالث، أي استمرار حالة اللا حرب واللا سلام مع بقاء الملفات الأساسية معلقة، فهو تحديداً ما تسعى صنعاء إلى إسقاطه.
ㅤ
نقاط القوة والتحديات
تستند هذه الاستراتيجية إلى واقعية سياسية ترى أن التفاوض يحتاج إلى أوراق قوة، كما نجحت في نقل جزء من الأزمة اليمنية إلى المجالين الإقليمي والدولي، ولا سيما بعد دخول أمن الملاحة والطاقة على خط المواجهة.
كما تمنحها المرونة بين التصعيد والتهدئة قدرة على التحرك وفق تطورات المفاوضات.
لكن هذه الاستراتيجية تواجه في الوقت نفسه تحديات كبيرة.
فاستمرار التصعيد يحمل كلفة إنسانية مرتفعة، كما أن ارتباط الملف اليمني بالحرب في غزة وبالتوازنات الإقليمية يجعله أكثر تأثراً بالتفاهمات والصراعات الأوسع.
ويضاف إلى ذلك الضغط الدولي المستمر باتجاه التهدئة، في وقت لا تزال فيه الأطراف تختلف جذرياً حول أسباب الأزمة وشروط إنهائها.
ㅤ
السعودية واليمن.. الأبعاد والمآلات
بالنسبة إلى اليمن، وضعت صنعاء إنهاء القيود والحصار في صدارة شروط أي تسوية، ونقلت القضية من مجرد ملف إنساني إلى قضية ترتبط، وفق رؤيتها، بالسيادة والاستقلال السياسي والاقتصادي.
أما السعودية، فأصبحت أمام معادلة مختلفة عن السنوات الأولى للحرب. فاستمرار المواجهة يحمل مخاطر أمنية واقتصادية، فيما تفتح التسوية باباً أمام حماية المصالح السعودية والخروج من دائرة الاستنزاف.
إقليمياً، أظهرت التطورات أن أمن البحر الأحمر والطاقة والممرات التجارية لم يعد منفصلاً عن تطورات الساحة اليمنية، وأن أي انفجار واسع يمكن أن تتجاوز تداعياته حدود اليمن والسعودية.
ㅤ
في المحصلة، تمثل استراتيجية صنعاء المتكاملة محاولة لإنهاء زمن الحرب التي يتحمل طرف واحد الجزء الأكبر من كلفتها.
«الحصار بالحصار» هو عنوان أداة الضغط، فيما يبقى الهدف السياسي المعلن الوصول إلى تسوية تنهي الحرب والقيود المفروضة على اليمن.
وعليه، تضع صنعاء المشهد أمام معادلة واضحة: سلام شامل يخفف معاناة اليمنيين ويعيد ترتيب العلاقات الإقليمية، أو عودة إلى التصعيد بما يحمله ذلك من أثمان على مختلف الأطراف.
وبين الخيارين، تضيق مساحة الحلول الجزئية والهدن المؤقتة.
أما الاختبار الحقيقي في المرحلة المقبلة، فسيكون في قدرة صنعاء والرياض والوسطاء على تحويل معادلات القوة والضغط إلى اتفاق قابل للاستمرار، بدلاً من العودة إلى دورة جديدة من الحرب.
والكرة اليوم، وفق رؤية صنعاء، في ملعب القيادة السعودية ومحمد بن سلمان.