
نتابع اليوم «العبور المظلم» في هرمز ولماذا ناقلات النفط تختفي ليلاً وتظهر في خليج عُمان
وما حقيقة المسار العُماني وهل بدأ سباق جديد على السيطرة على شريان الطاقة العالمي؟
❗خاص ❗️sadawilaya❗
صدى الولاية الإخباري
إعداد وتحرير: رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري – ماجدة عباس الموسوي
لم تعد حركة ناقلات النفط في مضيق هرمز تُقرأ بالكامل على شاشات تتبع السفن.
ففي تطور لافت فرضته المواجهة الأميركية–الإيرانية والمخاطر المتصاعدة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بدأت ناقلات نفط عملاقة تعتمد تكتيكاً جديداً يعرف بـ«العبور المظلم» أو «العبور الخفي»: إطفاء نظام التعريف الآلي AIS، التحرك ليلاً، الاقتراب من الجانب العُماني للمضيق، ثم الظهور مجدداً في خليج عُمان لإفراغ النفط في ناقلات أخرى تكمل الرحلة إلى الأسواق العالمية.
وتكشف هذه العمليات أن الأرقام الظاهرة على مواقع تتبع السفن لا تعكس بالضرورة الحجم الحقيقي للنفط الذي يمر عبر هرمز، لكنها تكشف أيضاً عن واقع آخر: المضيق لم يعد يعمل بصورة طبيعية، وشركات النفط والناقلات باتت تتعامل معه كمنطقة عمليات عالية المخاطر.
«كيكو».. الناقلة التي اختفت ثم ظهرت في الجهة الأخرى
إحدى أبرز الحالات التي كشفت طبيعة التكتيك الجديد كانت الناقلة العملاقة كي كو، وهي ناقلة من فئة VLCC ومملوكة لجهة يونانية.
وبحسب تحقيق سي ان ان، أبحرت الناقلة محملة بالنفط بعد رسوها في ميناء مسيعيد القطري، ثم أوقفت جهاز AIS قبالة سواحل دبي في 31 تموز/يوليو.
بالنسبة إلى أنظمة التتبع البحري، اختفت الناقلة.
لكن في صباح اليوم التالي عادت إشارتها إلى الظهور على الجانب الآخر من مضيق هرمز، بالقرب من خليج عُمان.
ولم تنته العملية عند هذا الحد؛ إذ اقتربت «كيكو» لاحقاً من ناقلة أخرى هي نيف الكترون، وجرى نقل النفط من سفينة إلى أخرى، قبل أن تتابع الناقلة الثانية رحلتها باتجاه آسيا.
كيف يعمل «العبور المظلم»؟
التكتيك يقوم عملياً على عدة مراحل مترابطة:
تحميل النفط من أحد موانئ الخليج.
الاقتراب من مضيق هرمز.
إطفاء جهاز AIS الذي يبث هوية السفينة وموقعها وسرعتها واتجاهها.
تنفيذ الجزء الأكثر حساسية من الرحلة ليلاً.
اعتماد مسار أقرب إلى الساحل العُماني وأبعد قدر الإمكان عن الساحل الإيراني.
الظهور مجدداً بعد اجتياز المضيق.
في بعض العمليات، نقل النفط من الناقلة العابرة إلى ناقلة أخرى في خليج عُمان، ثم تعود الناقلة الأولى إلى الخليج لتكرار العملية.
وبذلك تتحول بعض الناقلات عملياً إلى ما يشبه «ناقلات مكوكية» بين الخليج وخليج عُمان، بينما تتولى ناقلات أخرى نقل الخام إلى المشترين في آسيا.
لماذا إطفاء AIS؟
نظام AIS ليس مجرد نقطة تظهر على خريطة إلكترونية، بل يرسل بصورة دورية بيانات مهمة، منها موقع السفينة واتجاهها وسرعتها وهويتها.
إطفاؤه يجعل تتبع السفينة عبر الخدمات التجارية أكثر صعوبة.
لكن ذلك لا يجعل ناقلة عملاقة غير مرئية عسكرياً.
فالناقلة التي يزيد طولها على مئات الأمتار يمكن رصدها بالرادارات والأقمار الصناعية ووسائل الاستطلاع الأخرى، وبالتالي فإن «الظلام» هنا يعني أساساً الاختفاء عن بيانات التتبع المفتوحة وليس الاختفاء الكامل.
ولهذا يبقى العبور محفوفاً بالمخاطر حتى مع إطفاء أجهزة البث.
لماذا المسار العُماني؟
يبلغ عرض مضيق هرمز في أضيق أجزائه نحو 21 ميلاً بحرياً، ولذلك فإن المسافات المتاحة للمناورة محدودة للغاية.
لكن الابتعاد باتجاه الساحل العُماني يوفر للناقلات أكبر مسافة عملية ممكنة عن الساحل الإيراني.
وتشير البيانات التي أوردتها سي ان ان نقلاً عن شركة كبلر إلى أن نحو 80% من حركة الملاحة التي رُصدت خلال فترة حديثة امتدت أسبوعين كانت إما تسلك المسار الأقرب إلى عُمان أو تتحرك بصورة «مظلمة».
وهذه نقطة شديدة الأهمية: المسار العُماني لم يعد مجرد خط ملاحي بديل، بل أصبح جزءاً من المواجهة على قواعد المرور في المضيق.
المرافقة العسكرية تدخل المعادلة
الأخطر أن الأمر لا يتعلق بقرار تتخذه شركات الشحن وحدها.
بحسب تقرير CNN وشهادة الأدميرال الأميركي المتقاعد جيمس ستافريديس، ترافق الترتيبات الجديدة مساعدة من قطع بحرية أميركية في تنظيم حركة السفن وحمايتها أثناء العبور.
وبذلك يتحول عبور ناقلة تجارية من عملية شحن اعتيادية إلى عملية أمنية–عسكرية محسوبة.
وهذا يعني أيضاً ارتفاع الكلفة والمخاطر؛ لأن أي حادث بين القوى الموجودة في المنطقة قد يضع الناقلة وحمولتها وسط مواجهة مباشرة.
المفاجأة في الأرقام: النفط المار قد يكون أكثر مما نراه
هنا تظهر إحدى أهم نتائج «العبور المظلم».
فإذا كانت نسبة كبيرة من السفن تغلق أجهزة AIS، فإن شركات التتبع التي تعتمد بصورة أساسية على تلك الإشارات قد تسجل حركة أقل من الواقع.
CNN نقلت عن بيانات أميركية أن تدفقات النفط الفعلية عبر هرمز مع استخدام التكتيكات الجديدة تراوحت حول 8 إلى 9 ملايين برميل يومياً، أي أعلى بكثير من بعض التقديرات المستندة فقط إلى السفن المرئية على أنظمة التتبع.
لكن حتى هذا الرقم لا يعني عودة الأمور إلى طبيعتها.
فقبل الحرب كان يمر عبر المضيق أكثر من 20 مليون برميل يومياً من النفط، بحسب الأرقام التي أوردتها المصادر نفسها.
أي أن «العبور المظلم» نجح في فتح نافذة إضافية للنفط، لكنه لم يُعِد هرمز إلى وضعه الطبيعي.
رويترز: الحركة الظاهرة لا تزال شديدة الانخفاض
وتعزز أحدث بيانات «رويترز» هذه الصورة.
ففي يوم الأحد 23 آب/أغسطس عبرت أربع سفن سلع فقط المضيق وفق بيانات Kpler، مقابل 13 سفينة السبت و16 الجمعة.
وخلال الأسبوع المنتهي في 21 آب/أغسطس، كانت حركة الملاحة أقل بنحو 90% من مستويات ما قبل الصراع، مع التنبيه إلى أن السفن التي أغلقت أجهزة التتبع قد لا تظهر في هذه الإحصاءات.
وهذا التباين بين «السفن المرئية» وحجم النفط المقدر أنه يعبر فعلياً هو أحد أهم ألغاز هرمز حالياً.
هل تراجعت قدرة إيران على فرض قواعدها؟
ليس بهذه البساطة.
صحيح أن التكتيكات الجديدة سمحت لبعض الناقلات بتجاوز المسارات التي تريد طهران تنظيم المرور عبرها، لكن إيران ما زالت تمتلك جغرافياً وعسكرياً أدوات للتأثير في المضيق.
كما أن «رويترز» أفادت بأن طهران وضعت 45 ناقلة على قائمة سوداء بسبب عدم الالتزام بقواعد المرور التي أعلنتها.
والأهم أن إطفاء جهاز AIS لا يلغي إمكانية اكتشاف ناقلة عملاقة بالرادار أو وسائل المراقبة العسكرية.
لذلك فإن الحديث عن انتهاء «قبضة إيران» على هرمز يبدو سابقاً لأوانه.
ويمكننا أن نقول إن هناك سباقاً على إعادة تعريف قواعد المرور في المضيق: إيران تحاول فرض ترتيباتها، بينما تعمل الولايات المتحدة وشركات ودول خليجية على تطوير طرق للعبور خارج تلك الترتيبات.
تطور جديد ظهر اليوم: ترامب يقول إن الألغام أُزيلت
وفي تطور يزيد المشهد تعقيداً، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب، اليوم الثلاثاء 25 آب/أغسطس، أن الألغام أُزيلت من مضيق هرمز، ووجه تحذيراً لإيران من زرع ألغام جديدة.
لكن الأهم اقتصادياً أن البيانات التي أوردتها «رويترز» تشير إلى أن شحنات النفط عبر المضيق لا تزال عند نحو 5 ملايين برميل يومياً وفق المقياس المستخدم في تقريرها، مقارنة بأكثر من 20 مليوناً قبل الحرب.
وهذا يعني أن إعلان إزالة الألغام شيء، وعودة شركات الشحن والتأمين والناقلات إلى العمل الطبيعي شيء آخر تماماً.
عُمان تدخل على الخط.. من «الممر الخفي» إلى ترتيبات دائمة؟
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع تحرك دبلوماسي عُماني تجاه طهران.
وكانت الخارجية الإيرانية قد أعلنت زيارة وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي إلى طهران لمواصلة المحادثات المتعلقة بمضيق هرمز والأمن الإقليمي.
وبحسب البيان المشترك الذي أوردته CNN، يناقش الطرفان إطاراً مرحلياً يتضمن ممرّاً ملاحياً مؤقتاً مشتركاً عبر المضيق، ومشروعاً لتطهيره من الألغام، على أن تستمر المفاوضات الفنية بشأن ممر دائم وآلية لتبادل المعلومات وإدارة حركة الملاحة والخدمات الأمنية المرتبطة بها.
وهنا تظهر مفارقة مهمة: بينما تطور شركات النفط والبحرية الأميركية حلولاً ميدانية مؤقتة للعبور، تعمل مسقط وطهران على صيغة سياسية وفنية أكثر استدامة.
لماذا لا يمكن أن يستمر «العبور المظلم» إلى الأبد؟
هناك أربعة أسباب رئيسية.
أولاً، الأمن: إغلاق AIS لا يجعل السفينة غير قابلة للرصد، كما أن الحركة الليلية في ممر ضيق تزيد مخاطر الملاحة.
ثانياً، الكلفة: المرافقة العسكرية والتأمين ونقل النفط من سفينة إلى أخرى كلها عمليات باهظة.
ثالثاً، القدرة: عمليات النقل المكوكية لا تستطيع بسهولة تعويض كامل الطاقة التي كانت تمر عبر هرمز في الظروف الطبيعية.
رابعاً، الأسواق: استمرار الاضطراب يدفع شركات الطاقة إلى البحث عن طرق تتجاوز المضيق بالكامل.
وقد أعلن الرئيس التنفيذي لشركة "توتال انريجي" أن الشركة تعمل على الاستثمار في طرق بديلة، بينها توسيع قدرات خط حبشان–الفجيرة الإماراتي، في إطار السعي إلى تقليل الاعتماد على هرمز.
خلاصة المشهد| هرمز لم يعد مجرد مضيق.. بل ساحة حرب ملاحة ومعلومات
ما يجري في هرمز اليوم يكشف تحولاً نوعياً في الصراع.
إيران تستخدم الجغرافيا وقواعد المرور والقدرة على تعطيل الملاحة كورقة ضغط.
وفي المقابل، تستخدم الولايات المتحدة وحلفاؤها الحماية العسكرية، والمسار العُماني، وإطفاء AIS، والعبور الليلي، وعمليات النقل من سفينة إلى أخرى لمحاولة إبقاء النفط متدفقاً.
أما عُمان فتعمل على خط ثالث: تحويل الصراع على المضيق إلى ترتيبات ملاحية متفاوض عليها.
لذلك فإن ظهور ناقلة على شاشة التتبع أو اختفاءها لم يعد مجرد تفصيل تقني.
فالناقلة التي «تختفي» في الخليج ثم تظهر بعد ساعات في خليج عُمان تختصر اليوم واحدة من أهم معارك الاقتصاد العالمي: من يحدد قواعد العبور في مضيق هرمز؟
وحتى الآن، لا تستطيع واشنطن القول إنها أعادت الملاحة إلى طبيعتها، كما لا تستطيع طهران القول إن كل السفن باتت خاضعة لقواعدها.
إنها، بصورة أدق، معركة مفتوحة بين السيطرة والالتفاف والتفاوض، فيما يبقى النفط العالمي وأسعاره رهينة النتيجة.
صدى الولاية الإخباري
إعداد وتحرير: رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري – ماجدة عباس الموسوي