❗خاص ❗️sadawilaya❗
بقلم: الكاتبة عفاف فيصل صالح
في تاريخ الأمم هناك قضايا لا تموت، لأنها لا ترتبط بمرحلة عابرة ولا بظرف سياسي مؤقت، بل ترتبط بضمير الإنسان، وبمعاني العدالة والكرامة والحق. ومن بين هذه القضايا تبقى فلسطين عنوانًا كبيرًا يختصر حكاية شعب يناضل من أجل أرضه وحقوقه، وتبقى معاناة الشعوب التي تواجه الحصار والعدوان شاهدًا على حجم الصراع الذي تعيشه المنطقة.
إن فلسطين واليمن، رغم اختلاف الجغرافيا والظروف، يحملان وجعًا مشتركًا؛ وجع الشعوب التي تدفع ثمن صراعات كبرى، وتواجه محاولات فرض الإرادة عليها، ومحاولات إخضاعها لمنطق القوة بدل منطق الحق.
ففي فلسطين، تتجلى مأساة شعب يعيش تحت وطأة الاحتلال، حيث تتواصل صور الألم من قتل ودمار وتشريد، في مشهد يكشف للعالم أن القضية الفلسطينية ليست مجرد ملف سياسي، بل قضية إنسانية وأخلاقية تمس ضمير البشرية جمعاء.
وما يجعل الجرح الفلسطيني أكثر عمقًا أن الاستهداف لا يقتصر على الإنسان والأرض، بل يمتد إلى الذاكرة والهوية والمقدسات، في محاولة لضرب كل ما يمثل رمزًا تاريخيًا وروحيًا للأمة.
أما اليمن، فقد عاش سنوات طويلة من المعاناة تحت وطأة العدوان والحصار، حيث لم تكن الحرب تستهدف فقط البنية التحتية أو مقدرات الدولة، بل استهدفت أيضًا إرادة شعب يسعى للحفاظ على قراره واستقلاله وحقه في امتلاك مستقبله.
الحصار ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو سياسة تؤثر في حياة الإنسان اليومية؛ في الغذاء والدواء والاقتصاد والخدمات، وتحول حياة الملايين إلى معاناة مستمرة، وهو ما يجعل قضية الشعوب المحاصرة قضية إنسانية قبل أن تكون سياسية.
لكن صفحات التاريخ لا تكتب فقط عن حجم الألم، بل تكتب أيضًا عن قدرة الشعوب على الصمود. فكم من أمة ظن المعتدون أنها ستنهار تحت الضغط، فإذا بها تخرج أكثر قوة وصلابة، لأن الإنسان حين يدافع عن كرامته يصبح أقوى من كل القيود.
التجربة الإنسانية تثبت أن الاحتلال مهما طال، وأن الحصار مهما اشتد، لا يستطيعان قتل إرادة الشعوب التي تؤمن بحقها في الحياة الحرة الكريمة. فالقوة ليست دائمًا في امتلاك السلاح فقط، بل في امتلاك روح لا تنكسر، وإرادة لا تُشترى.
لقد أصبحت فلسطين واليمن صورتين متجاورتين لمعنى الصمود؛ صورة الإنسان الذي يتمسك بأرضه وحقه، وصورة الشعب الذي يرفض أن يكون تابع أو فاقد لقراره.
وفي خضم هذه الأحداث الكبرى، تظهر أهمية الوعي؛ لأن أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب ليس فقط الاعتداء الخارجي، بل محاولات تشويه الحقائق، وقلب الموازين، وتحويل الضحية إلى متهم، والمعتدي إلى صاحب حق.
معركة الوعي لا تقل أهمية عن أي معركة أخرى، لأن الشعوب التي تعرف حقيقة ما يجري تستطيع أن تحمي بوصلتها، وتحافظ على ثوابتها، ولا تسمح لأحد بأن يعيد تشكيل وعيها وفق مصالحه.
فلسطين واليمن يقدمان درسًا كبيرًا للتاريخ: أن الكرامة لا تُمنح، بل تُصان، وأن الحرية لا تأتي من انتظار الآخرين، بل من تمسك الشعوب بحقوقها، وأن الإنسان قد يخسر الكثير حين يدافع عن مبادئه، لكنه يخسر كل شيء حين يتخلى عنها.
وفي زمن تتداخل فيه المصالح وتكثر فيه الأصوات المضللة، تبقى القضايا العادلة هي التي تصمد أمام الزمن، لأن الحق لا يحتاج إلى زينة الخطابات بقدر ما يحتاج إلى قلوب تؤمن به، وعقول تدرك خطر التنازل عنه.
ففلسطين ليست مجرد جغرافيا، واليمن ليس مجرد ساحة صراع، بل هما عنوانان لمعركة أكبر حول معنى الإنسان، وحول حق الشعوب في أن تعيش بكرامة، وأن تصنع مستقبلها بعيدًا عن الهيمنة والإملاءات.
وستبقى الشعوب التي تحمل في داخلها الإيمان بالحرية والعدالة قادرة على عبور أصعب المراحل، لأن التاريخ لا يخلد من امتلك القوة فقط، بل يخلد من امتلك المبدأ والثبات.