
«الصهيونية الجديدة ـ الجابوتنسكية»: عندما يواجه «اليمين ـ اليمين»؟
بقلم: الباحث في العلاقات السياسية والإسلامية الدكتور حسين حمية
صدى الولاية | بعد عقود من الصراع السياسي التقليدي داخل الكيان الإسرائيلي بين اليمين واليسار والوسط، برز مشهد جديد تراجعت فيه المعارضة التقليدية، مقابل صعود قوى اليمين بمختلف تفرعاتها، من اليمين الصهيوني إلى التيارات الدينية الحريدية.
غير أنّ اتساع نفوذ اليمين لم يؤدِّ بالضرورة إلى استقرار سياسي، بل فتح الباب أمام معادلة جديدة عنوانها: ماذا يحدث عندما يواجه اليمينُ اليمينَ؟
إنّ تراجع حضور الخصم السياسي التقليدي، أي اليسار، الذي شكّل عاملاً جامعاً لتيارات يمينية متباينة، حوّل الساحة الإسرائيلية إلى ميدان لتصادم الأيديولوجيات اليمينية حول هوية الكيان، ومستقبل القضاء، وحدود الاستيطان، وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة.
وفي ظل سيكولوجية «القوة المفرطة»، تجد التيارات المتصارعة نفسها أمام غياب الكوابح السياسية التي كانت تضبط تنافسها، فتتجه نحو الاستئثار بالقرار، قبل أن تتحول خلافاتها الداخلية إلى عامل يهدد قدرتها على إدارة الحكم.
الصهيونية الجديدة: من إدارة الصراع إلى الحسم الشامل
أمام هذا المشهد، تبرز ما يمكن تسميته «الصهيونية الجديدة»، وهي تيار يميني متطرف ينطلق من اعتبار أنّ المهمة التأسيسية للصهيونية قد اكتملت، وأنّ مرحلة البحث عن تسويات سياسية، وفي مقدمتها حل الدولتين، قد انتهت.
وتستند هذه الصهيونية إلى خلفية عقائدية يمينية تسعى إلى تكريس الاستيطان الكولونيالي، وتبنّي اقتصاد السوق، وتعزيز التفوق العسكري الإسرائيلي في المنطقة، وفرض معادلات سياسية وأمنية جديدة.
وتتقاطع هذه الرؤية مع عقيدة «الجدار الحديدي ـ الجابوتنسكية»، نسبة إلى زئيف جابوتنسكي، أحد أبرز منظّري الصهيونية التنقيحية.
وقد انطلق جابوتنسكي من فرضية أنّ العرب في فلسطين لن يقبلوا طوعاً بالمشروع الصهيوني، وأنّ السبيل لفرض هذا المشروع يكمن في بناء «جدار حديدي» من القوة العسكرية والردع، بحيث يفقد الطرف الآخر الأمل في تغييره، ويُدفع في النهاية إلى القبول بالشروط الإسرائيلية.
وهكذا، تصبح القوة العسكرية، وفق هذه العقيدة، أداة مركزية لفرض الوقائع السياسية، بدلاً من البحث عن تسوية قائمة على الاعتراف المتبادل بالحقوق.
أربعة مرتكزات لاستراتيجية اليمين الإسرائيلي الجديد
يمكن رصد التحول من سياسة «إدارة الصراع» إلى استراتيجية «الحسم الشامل» عبر أربعة مسارات أساسية:
أولاً: تصفية القضية الفلسطينية
يسعى اليمين الجديد إلى تجاوز الحلول السياسية، وفي مقدمتها حل الدولتين، باتجاه فرض وقائع ميدانية من خلال تكثيف الاستيطان، وتوسيع الضم الفعلي لأراضي الضفة الغربية، وتقويض مقومات السيادة الفلسطينية.
ويعكس هذا التوجه انتقالاً من محاولة إدارة الصراع إلى السعي لحسمه عبر تغيير الوقائع الجغرافية والديموغرافية.
ثانياً: الردع الإقليمي بالقوة المطلقة
يتبنى هذا التيار عقيدة أمنية تقوم على التفوق العسكري الواسع، واستخدام القوة لفرض الردع، مع توظيف مسارات التطبيع الإقليمي لتعزيز مكانة إسرائيل، من دون ربط ذلك بتقديم تنازلات سياسية جوهرية للفلسطينيين.
ثالثاً: استغلال الأزمات الكبرى
تقوم هذه المقاربة على توظيف الأحداث الأمنية والعسكرية الكبرى لإعادة رسم الخرائط الجيوسياسية، وفرض ترتيبات أمنية وديموغرافية جديدة تخدم مشروع التوسع الإسرائيلي.
وتتحول الأزمات، وفق هذا المنطق، من تحديات أمنية إلى فرص لإحداث تغييرات استراتيجية بعيدة المدى.
رابعاً: التحولات داخل المجتمع الحريدي
شهدت بعض الأوساط الحريدية تحولات اجتماعية وسياسية أسهمت في تعزيز تقاطعها مع قوى اليمين.
ويتزامن ذلك مع تنامي تأثير التيارات الإنجيلية الصهيونية في الولايات المتحدة، وما يجمعها مع اليمين الإسرائيلي من مواقف تتعلق بالاستيطان والهوية الدينية والسياسات الإقليمية.
غير أنّ هذه التقاطعات لا تلغي الاختلافات العقائدية والسياسية بين التيارات الحريدية والصهيونية الدينية.
الجابوتنسكية والصهيونية الدينية: تقاطع في المشروع واختلاف في المصالح
تشكّل الصهيونية التنقيحية، التي ارتبطت تاريخياً بزئيف جابوتنسكي، أحد الجذور الفكرية الأساسية لليمين الإسرائيلي المعاصر.
وقد تلاقت بعض مرتكزاتها مع توجهات الصهيونية الدينية، ولا سيما في ما يتعلق بالتوسع الاستيطاني، وتعزيز القوة العسكرية، ورفض تقديم تنازلات في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
لكن هذا التقارب لا يعني وحدة كاملة في الرؤية السياسية، إذ تظهر التناقضات عند الانتقال من الشعارات الأيديولوجية إلى إدارة مؤسسات الدولة وتوزيع السلطة والموارد.
ومن هنا، يمكن تحديد ثلاثة محاور رئيسية للتصادم الداخلي.
أولاً: اليمين الليبرالي والبراغماتي في مواجهة اليمين الديني المتشدد
يتجلى هذا الصراع في ملفات تشكيل الحكومات، والتعيينات الأمنية والقضائية، وحدود صلاحيات المؤسسات الرسمية.
فالتيارات اليمينية التقليدية، ومنها قطاعات داخل الليكود، تسعى إلى الحفاظ على بنية مؤسساتية تتيح استمرار العلاقات الدولية، ولا سيما مع الولايات المتحدة.
في المقابل، تدفع تيارات الصهيونية الدينية المتشددة باتجاه توسيع نفوذها داخل مؤسسات الحكم، بما يسمح بفرض سياساتها في ملفات الاستيطان والقضاء والأمن.
ويكشف هذا التباين عن صراع يتجاوز توزيع الحقائب الوزارية إلى تحديد طبيعة الدولة ومراكز القرار فيها.
ثانياً: اليمين العلماني في مواجهة اليمين الديني الحريدي
يشكّل ملف التجنيد الإجباري أحد أبرز مصادر التوتر بين الأحزاب اليمينية العلمانية والتيارات الحريدية.
فبينما تطالب قوى سياسية بتوسيع نطاق الخدمة العسكرية، تتمسك الأحزاب الحريدية بالحفاظ على الترتيبات الخاصة بطلاب المعاهد الدينية.
ويمتد الخلاف إلى توزيع الموازنات العامة، وتمويل المؤسسات الدينية، والعلاقة بين التشريعات المدنية والمرجعيات الدينية.
وتكشف هذه الملفات عن تناقضات اجتماعية واقتصادية عميقة داخل المعسكر اليميني نفسه.
ثالثاً: غياب الخصم المشترك وتآكل القدرة على إنتاج رؤية موحدة
مع تراجع تأثير المعارضة التقليدية، تبرز التناقضات بين القوى اليمينية بصورة أكثر وضوحاً.
فالتيارات التي تلتقي على مواقف عامة من القضية الفلسطينية والأمن الإقليمي تختلف في رؤيتها إلى إدارة الدولة، والعلاقة مع واشنطن، ومستقبل القضاء، وحدود النفوذ الديني داخل المؤسسات.
وقد يؤدي استمرار هذه التناقضات إلى إضعاف القدرة على التخطيط الاستراتيجي، وإنتاج أزمات حكومية متكررة، وتراجع فاعلية اتخاذ القرار.
أزمة ائتلاف أم أزمة بنيوية؟
لا يمكن اختزال التوترات داخل اليمين الإسرائيلي في خلاف على حقيبة وزارية أو موازنة حكومية أو تعيين أمني.
فالمسألة، وفق هذه القراءة، تتصل بتناقضات بنيوية داخل المشروع السياسي اليميني نفسه، حيث تتنافس قوى متعددة على تحديد هوية الدولة واتجاهاتها المستقبلية.
وفي الوقت الذي تجمع فيه هذه القوى توجهات متقاربة بشأن استخدام القوة والاستيطان، فإنّ اختلاف مصالحها الاجتماعية والدينية والسياسية يجعل التوافق على إدارة الحكم أكثر تعقيداً.
وتكشف هذه المفارقة أنّ امتلاك النفوذ السياسي والعسكري لا يضمن بالضرورة القدرة على بناء استقرار داخلي مستدام.
الخاتمة: عندما يصبح اليمين خصم نفسه
إنّ المواجهة بين «اليمين واليمين» داخل الكيان الإسرائيلي تطرح فرضية بحثية أساسية مفادها أنّ تركّز القوة في غياب التوازنات والكوابح المؤسسية قد يؤدي إلى تفاقم التناقضات الداخلية.
وما نشهده، وفق هذه القراءة، لا يقتصر على أزمة ائتلاف حكومي يمكن معالجتها بصفقة سياسية أو توزيع جديد للحقائب الوزارية، بل يتصل بأزمة أعمق تتعلق بهوية الدولة، وطبيعة الحكم، والعلاقة بين الدين والسياسة، وحدود المشروع الاستيطاني.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فاليمين الذي يسعى إلى تكريس هيمنته على المشهد السياسي قد يجد نفسه أمام صراع داخلي بين مكوناته، بما يضع قدرته على الحكم والاستقرار أمام اختبار متواصل.
وعندما يصبح اليمين في مواجهة اليمين، فإنّ السؤال لا يعود متعلقاً فقط بمن يشكّل الحكومة، بل بمدى قدرة المشروع السياسي نفسه على إدارة تناقضاته الداخلية.
ومن هنا يبدأ النقاش حول احتمالات التآكل الذاتي في بنية الكيان الإسرائيلي، وحدود القوة العسكرية في تعويض غياب التوافق السياسي والمؤسسي.
إعداد وتحرير: الدكتور حسين حمية
باحث في العلاقات السياسية والإسلامية
خاص صدى الولاية الإخباري