كتب: حسن علي طه
كعادتها، الجية لا تعرف إلا لغة الجمع. فلا مكان في قاموسها للضرب فالسلام مبدأ عام، ولا للقسمة، فالصليب والهلال صنوان، ولا حتى للطرح، فالجية حيّة بكل ناسها وأطيافها.
تحت عنوان «يلا نمشي»، أطلقت بلدية الجية مبادرة أرادت منها أن تجمع أكتاف أبنائها، كتفًا إلى كتف، وقلوبهم على نبض واحد، في مشوار بين معالم البلدة الأثرية والدينية، يستحضر تاريخها ويجسّد حاضرها.
ففي زمن الجنون الطائفي والمذهبي، وحفلات التخلّي والتنصّل التي تعجّ بها وسائل الإعلام، أتت الصورة من ساحل بوابة الجنوب بأوضح وأجمل ما يكون، لتقول إن لبنان الذي نعرفه لا يزال حيًّا.
مشوا مشوارًا يشبه أرز لبنان في منتصف علمه، ثابتًا في جذوره، جامعًا في ظلاله.
بإشارة انطلاق من نائب رئيس البلدية، الأستاذ وسام الحاج، سار أبناء الجية من جمعية مار جريس، حيث كانت كلمة للأستاذ جورج القزي، إلى كنيسة سيدة النجمة، حيث استعرضت السيدة مشلين القزي تاريخها ومكانتها، مرورًا بمعالم البلدة الأثرية التي أضاءت الأستاذة تانية الحاج على تاريخها، وصولًا إلى مقام النبي يونس (ع)، حيث كانت كلمة للشيخ يونس بركات عن تاريخ المقام، وأخرى للحاج عارف الخطيب شكر فيها المجلس البلدي على مبادرته الجامعة.
واختُتم المشوار بكلمة للأستاذ وسام الحاج، أعلن فيها عن شراء مبنى للمركز البلدي الجديد، على أن تبدأ أعمال تأهيله وترميمه خلال العام المقبل، فور توافر التمويل اللازم.
لكن ما بين جمعية وكنيسة وآثار ومقام، لم تكن الخطوات مجرد انتقال بين معالم البلدة، ولا المسافة بين الكنيسة والمسجد مجرد طريق، بل كانت اختصارًا لمسافة وطن يحاول البعض أن يباعد بين أبنائه.
هذه هي الجية التي يعرفها أهلها، بلدة لم تستطع متاريس الحرب أن تنتزع من وجدان أبنائها ثقافة اللقاء، فبقيت أبوابها مفتوحة وقلوب أهلها أوسع من الانقسامات.
هذه هي صورة لبنان الحقيقية، وكيف لا والجية دومًا ملجأ لكل قاصد، لا تسأل القادم إليها عن طائفته، بل تفتح له أبوابها؟
بيوتها جميلة بأهلها، وناسها أجمل بما يحملونه من محبة، فالوجع واحد والفرح مثله، وما يصيب بيتًا يصيب البلدة بأكملها.
يحتفل أهلها بأعياد عيسى ومحمد، عليهما السلام، فلا يفرّقهم جرس كنيسة ولا نداء مئذنة، بل يجتمعون على ما يجمعهم من إنسانية ومحبة وانتماء.
للجية تحية... على نموذج العيش الواحد لا المشترك، والتعايش الحي لا المصطنع، حيث الوحدة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل حياة تُعاش كل يوم.
ولعلّ أجمل ما في مشوار «يلا نمشي» أنه لم يكن دعوة إلى السير في شوارع البلدة فحسب، بل دعوة إلى أن يسير لبنان كله على خطى أهلها.
فالجية لم تقدّم في هذا المشوار درسًا في التعايش، بل قدّمت صورة عن عيش لا يحتاج إلى دروس، ولا إلى مناسبات لإثبات وجوده.
مع أمل أن تعمّ ثقافة أهلها وناسها مساحة الوطن كاملة، ليصبح لبنان على صورة الجية، لا أن تبقى الجية استثناءً في صورة لبنان.