
جغرافيا الدم والسيادة: هندسة التمزيق الاستعماري في اليمن من الأجندة البريطانية إلى التدخل السعودي ودور حزب الإصلاح
بقلم: فتحي الذاري
خاص صدى الولاية | في قراءة تاريخية وسياسية للصراع اليمني، يتناول الكاتب فتحي الذاري جذور التدخلات الخارجية في اليمن، وأهمية موقعه الجغرافي، والدور المحوري لمحافظة تعز في معادلة الوحدة الوطنية، مستعرضاً ما يعتبره امتداداً للسياسات الاستعمارية البريطانية من خلال التدخلات الإقليمية والصراعات الداخلية.
ويرى الكاتب أن سياسة «فرّق تسد» شكلت إحدى الأدوات الرئيسية لإضعاف اليمن، وأن الانقسامات السياسية والمناطقية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية ترتبط بصراع أوسع على السيادة الوطنية والتحكم بالممرات البحرية الاستراتيجية.
اليمن في عين العاصفة: الجغرافيا والسيادة
لم تكن جغرافيا اليمن عبر التاريخ مجرد مساحة على خريطة العالم، بل شكلت موقعاً استراتيجياً بالغ الأهمية في حركة التجارة الدولية والملاحة البحرية، ولا سيما عند مضيق باب المندب.
ومن بين المحافظات اليمنية، تبرز تعز باعتبارها مركزاً تاريخياً وسياسياً واجتماعياً مهماً، فضلاً عن موقعها المؤثر في العلاقة بين شمال اليمن وجنوبه.
ويعتبر الذاري أن هذا الموقع جعل تعز هدفاً لمشاريع سياسية سعت إلى توظيف الانقسامات المناطقية وإضعاف الروابط الوطنية بين اليمنيين.
الجذور البريطانية ومحاولات الفصل بين الشمال والجنوب
يستحضر الكاتب ما أورده الباحث والمؤرخ العسكري اليمني الراحل الدكتور سلطان ناجي في كتابه «تاريخ اليمن العسكري»، بشأن الأطماع البريطانية في الجنوب اليمني ومناطق التماس مع الشمال.
ويستند الذاري إلى قراءة تاريخية تقول إن الإدارة الاستعمارية البريطانية سعت إلى منع نشوء دولة يمنية موحدة وقوية، لما قد يمثله ذلك من تحدٍ لمصالحها الاستراتيجية في عدن وباب المندب.
ويشير إلى مشروع منسوب إلى البريطانيين يقوم على تحويل تعز إلى كيان فاصل بين الشمال والجنوب، مع تشجيع هويات مناطقية منفصلة، ولا سيما في منطقة الحجرية.
ويرى أن هذه السياسات لم تستهدف التقسيم الجغرافي وحده، بل سعت أيضاً إلى التأثير في الهوية الوطنية الجامعة وإثارة الانقسامات الاجتماعية والسياسية.
حزب الإصلاح والسعودية في قراءة الكاتب
ينتقل الذاري إلى المرحلة المعاصرة، معتبراً أن بعض السياسات التي اتبعتها القوى الإقليمية والمحلية بعد انتهاء الاستعمار البريطاني أعادت إنتاج الانقسامات القديمة بأدوات جديدة.
ويوجه الكاتب انتقادات حادة إلى المملكة العربية السعودية وحزب التجمع اليمني للإصلاح، متهماً إياهما بالمساهمة في تعزيز الانقسامات السياسية والمناطقية، وربط القرار اليمني بالمصالح الخارجية.
ويستحضر حرب صيف عام 1994، ثم الحرب التي بدأت عام 2015، باعتبارهما محطتين رئيسيتين في تطور الصراع على السلطة والوحدة والسيادة.
وبحسب رؤيته، فإن التحالفات الإقليمية التي تشكلت خلال تلك المراحل ساهمت في تعميق الأزمة الوطنية وإضعاف مؤسسات الدولة.
تعز والشحن المناطقي
يخصص الكاتب جانباً واسعاً من مقاله لمحافظة تعز، التي يعتبرها إحدى أبرز المناطق المتضررة من الاستقطاب السياسي والمناطقي.
ويتحدث عن حملات تحريض واعتداءات طالت مواطنين على أساس انتمائهم المناطقي، سواء في تعز أو في عدن وبعض المحافظات الجنوبية.
ويرى الذاري أن توظيف الانتماءات المناطقية في الصراعات العسكرية والسياسية أدى إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، وتحويل المدنيين إلى ضحايا لصراعات القوى المتنافسة.
كما يشير إلى أن أبناء تعز واجهوا تداعيات النزوح والتهجير والانقسام، وأن المحافظة بقيت ساحة رئيسية للصراع على الهوية الوطنية ومستقبل الدولة اليمنية.
الساحل الغربي وصراع النفوذ
يتناول المقال تطورات الساحل الغربي اليمني، ولا سيما المناطق المحيطة بالمخا وباب المندب، باعتبارها جزءاً من الصراع على الممرات البحرية والمواقع العسكرية الحيوية.
ويعتبر الكاتب أن أطرافاً إقليمية وظفت فصائل محلية في المعارك العسكرية، ثم أعادت توزيع الأدوار والنفوذ بين التشكيلات المسلحة.
ويوجه الذاري انتقادات إلى القوى المرتبطة بالنظام اليمني السابق، متهماً إياها بتقديم مصالحها السياسية والعسكرية على مشروع السيادة الوطنية.
ويربط بين السيطرة على الساحل الغربي وأمن الملاحة في البحر الأحمر، معتبراً أن الموقع الجغرافي لليمن جعله ساحة تنافس إقليمي ودولي مستمر.
السعودية وحرب غزة في موقف الكاتب
ينتقد الذاري المواقف السعودية من الحرب على قطاع غزة، ويرى أن الخطاب السياسي والديني الذي استُخدم خلال الحرب اليمنية يتناقض، بحسب رأيه، مع المواقف العملية تجاه القضية الفلسطينية.
ويعتبر أن الحرب على غزة شكلت اختباراً لمواقف القوى العربية والإقليمية، وأظهرت حجم التباين بين الخطاب السياسي والإجراءات المتخذة على الأرض.
ويستشهد بقوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾.
سورة البقرة، الآيتان 204 و205.
أنصار الله ومفهوم السيادة الوطنية
في المقابل، يقدم الكاتب حركة أنصار الله باعتبارها، من وجهة نظره، نموذجاً للموقف الرافض للوصاية الخارجية والتدخلات العسكرية في اليمن.
ويشيد بمواقف الحركة تجاه القضية الفلسطينية، وبما يعتبره تضحيات قدمتها القوات المسلحة التابعة لسلطات صنعاء في مواجهة التدخلات الخارجية.
ويرى أن الموقف من غزة والبحر الأحمر يعكس ارتباط الصراع اليمني بالتحولات الإقليمية الأوسع، وبالمواجهة السياسية والعسكرية المرتبطة بمستقبل المنطقة.
ويستشهد بقوله تعالى:
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾.
سورة البقرة، الآية 207.
تعز ومستقبل الوحدة اليمنية
يختتم الذاري مقاله بالتأكيد أن محافظة تعز، رغم ما شهدته من حروب وانقسامات ومعاناة إنسانية، ستبقى في نظره إحدى الركائز الأساسية لأي مشروع وطني جامع.
ويعتبر أن تجاوز سياسة «فرّق تسد» يتطلب تعزيز الهوية اليمنية المشتركة ورفض توظيف الانتماءات المناطقية والمذهبية في النزاعات السياسية.
كما يرى أن تحقيق السيادة الوطنية يرتبط باستعادة القرار اليمني المستقل، وإنهاء التدخلات الخارجية، والحفاظ على وحدة الأرض والمجتمع، وضمان أمن مضيق باب المندب والممرات البحرية.
الخلاصة
يخلص الكاتب فتحي الذاري إلى أن الصراع اليمني لا يمكن فصله عن موقع البلاد الاستراتيجي وتاريخ التدخلات الخارجية فيها.
وبحسب قراءته، فإن التجربة اليمنية، من الاستعمار البريطاني إلى النزاعات المعاصرة، تكشف خطورة توظيف الانقسامات الداخلية لخدمة المصالح الإقليمية والدولية.
ويؤكد أن مستقبل اليمن يتوقف على قدرة أبنائه على تجاوز الانقسامات السياسية والمناطقية، وتعزيز الوحدة الوطنية، وبناء دولة مستقلة تحمي سيادتها ومقدراتها وممراتها البحرية.