كتب: حسن علي طه
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
و«مِمّا» تفيد التبعيض، أي بعضًا من كل، فكيف هو الحال وقد أنفقت أم كمال كل ما تحب؟
ولعلّ في هذه الآية الكريمة ما يفتح بابًا لفهم حكاية أم لم يكن أغلى على قلبها من وحيدها، فكان عطاؤها بحجم عمرها كله.
يشهد معرض الكتاب غدًا حفل توقيع كتاب قلّما تتكرر حكايته، إذ توقّع والدة الشهيد كمال كيكي كتابها «رصاصة في قلبين».
وكما يقال، المكتوب يُقرأ من عنوانه، فهو حال الكاتبة رندا حسين زهوة.
فالرصاصة التي أصابت وحيدها كمال أصابت قلبها الذي كان دنيا كمال بكامل دقاته ونبضه.
ولعلّ الكتاب الذي خرج من رحم هذه التجربة قد كُتب على صفحات روح الكاتبة، على إيقاع آهات، ومداده دم طاهر وصبر ضارب في عمق التاريخ، إلى زينب (ع) في كربلاء.
أم كمال، والدة الشهيد الوحيد الذي عاش معها عمره منذ بكاء الولادة إلى آخر نفس الشهادة.
لحظة بلحظة، ونفسًا بنفس، كانت أمّه في البيت، ورفيقة دربه إلى المدرسة التي كانت معلّمة فيها، فكان التلميذ.
كبر كمال تحت عيني رندا على عدد ثواني العمر.
إلى أن أتى وقت الامتحان، فلبّى كمال نداء واجب الميدان، والتحق بصفوف المجاهدين، في واحد من أصعب القرارات التي عاشتها رندا زهوة.
إلى أن كانت اللحظة التي تستحضر كلمات:
«أجمل الأمهات التي انتظرت ابنها... أجمل الأمهات التي انتظرته، وعاد... عاد مستشهدًا. فبكت دمعتين ووردة».
الحاجة أم كمال اليوم تروي وتوثّق وجع العمر، وتكتب تجربة حياة لأمّ لها دَين في رقابنا، وهبت كل دقات قلبها وكل ثواني عمرها لنحيا.
أم كمال، أيقونة عوائل الشهداء ودُرّة تاج الرؤوس، لكِ فينا جميل خاص.
ونحن، كلما هبّت قلوبنا شوقًا لأبنائنا الشهداء، نستذكرك فنخجل أمام عظيم صبرك؛ لأن الله أخذ منا وترك، أما أنتِ فقد أخذ منك وحيدك، فكان جواب قلبك المؤمن: خذ حتى ترضى.
ننحني أمام طهر قلبك الذي أصابه الرصاص، وكمال كان يسكن فيه.