
خيارات ترامب الضيقة: أم القنابل أم بوتين؟!
بقلم: د. محمد هزيمة
كاتب سياسي استراتيجي وخبير في شؤون الشرق والعلاقات الدولية
خاص صدى الولاية | لم يبقَ أمام الرئيس الأميركي دونالد ترامب الكثير من الخيارات في ملف إيران والحرب على المنطقة، فهامش الوقت لم يعد لصالحه، وهو يقف، وفق القراءة الاستراتيجية للمشهد، أمام خيارين لا ثالث لهما: إما أن يقصف منشأة فوردو النووية المحصنة باستخدام «أم القنابل»، وإما أن يذهب إلى الحل الذي يعمل عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وكل ما عدا ذلك ليس سوى ضجيج سياسي وإعلامي.
الخيار الأول: أم القنابل والتهديد الانتخابي
يلوّح ترامب باستخدام «أم القنابل» في توقيت يرتبط بالانتخابات النصفية للكونغرس الأميركي، ساعياً إلى تنفيذ ضربة عسكرية سريعة، بالتنسيق مع إسرائيل، تُلحق أكبر قدر من الضرر بالبنية التحتية الإيرانية، ليعلن بعدها تحقيق انتصار عسكري ووقف الحرب.
ويحظى هذا الخيار بدعم حكومة بنيامين نتنياهو، التي تحاول استدراج واشنطن إلى مواجهة جديدة، انطلاقاً من ادعائها أن إيران باتت على خطوات من امتلاك سلاح نووي محصن في منشأة فوردو.
ورغم أن هذا التوجه يلقى صدى محدوداً داخل البنتاغون، فإن استخدام قنبلة ضخمة لا يعني بالضرورة القضاء على البرنامج النووي الإيراني المحصن في أعماق الصخور.
بل قد يؤدي، وفق هذا السيناريو، إلى إشعال المنطقة بأكملها، في ظل التهديد الإيراني بالرد على البنية العسكرية الأميركية وقواعدها ومصالحها الاقتصادية في المنطقة، وصولاً إلى احتمال تعطيل الملاحة في مضيقي هرمز وباب المندب.
وعندها، سيدفع الاقتصاد العالمي ثمناً يصعب التنبؤ بحجمه، فيما تتحمل الولايات المتحدة أعباء استراتيجية واقتصادية قد تنعكس خسارة سياسية على ترامب.
والمفارقة أن واشنطن، التي تهدد بقصف إيران، تجد نفسها أمام تشابكات اقتصادية وطاقوية معقدة تتداخل فيها المصالح الروسية والإيرانية والأميركية.
ومن هنا، يمكن قراءة التلويح بـ«أم القنابل» بوصفه أداة ضغط تفاوضية، ورسالة بأن ترامب يمتلك خيارات عسكرية غير دبلوماسية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استعداده للذهاب إلى حرب شاملة.
الخيار الثاني: بوتين والمخرج التفاوضي
أما الخيار الثاني، فيمر عبر الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي يسعى إلى بلورة مخرج سياسي يقوم على مرونة المفاوضات غير المباشرة بين واشنطن وطهران.
ويعمل بوتين على تقريب وجهات النظر وانتزاع تنازلات متبادلة، مستفيداً من تقاطع المصالح بين الأطراف، ومن الترابط المتزايد بين الحرب الروسية الأوكرانية والمواجهة الأميركية الإيرانية.
وفي هذه القراءة، تمكن الرئيس الروسي من ربط مساري الصراعين، بما يجعل التفاهم بشأن إيران جزءاً من حسابات أوسع تشمل أوكرانيا والعقوبات والطاقة وموازين القوى الدولية.
وقد يشكل تراجع مستوى الدعم الأميركي لأوكرانيا، والتباين بين ترامب والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن استهداف المصافي الروسية، عاملاً مساعداً في فتح مسار تفاوضي مع موسكو.
لكن نجاح هذا المسار يحتاج أيضاً إلى مرونة إيرانية تتيح الوصول إلى تفاهم يخدم مصالح الأطراف الثلاثة، من دون المساس بالثوابت الاستراتيجية لطهران.
فروسيا، التي نجحت في تعزيز حضورها الدولي والدفع باتجاه نظام متعدد الأقطاب، لا تبدو مستعدة، وفق هذه القراءة، للتفريط بعلاقاتها الاستراتيجية مع إيران.
إيران والتسوية الممكنة
إن نجاح جهود بوتين قد يمنح إيران مكاسب استراتيجية، وإن جاءت بعد كلفة مرتفعة.
وتتمثل هذه المكاسب في توثيق العلاقات العسكرية والسياسية والاقتصادية مع موسكو وبكين، والحفاظ على برنامجها النووي السلمي وحقها في التخصيب للأغراض المدنية، إلى جانب السعي لرفع العقوبات واستعادة الأصول المجمدة.
كما يمكن أن يمهد الاتفاق لإعادة فتح مضيق هرمز وضمان انسياب حركة الطاقة والتجارة الدولية.
وفي المقابل، يستطيع ترامب تسويق الاتفاق أمام الرأي العام الأميركي باعتباره إنجازاً يمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، رغم تأكيد طهران أنها لا تسعى إلى إنتاج هذا السلاح، واستمرار الخلافات بشأن طبيعة برنامجها النووي وحدود الرقابة الدولية عليه.
وبذلك، يوفر الحل التفاوضي للرئيس الأميركي مخرجاً سياسياً يسمح له بتجنب حرب إقليمية واسعة وتداعياتها الاقتصادية والعسكرية.
انقسام الخيارات داخل واشنطن
بين الخيارين، تبدو الإدارة الأميركية أمام اتجاهين متباينين.
الأول يدفع نحو التصعيد العسكري، وتدعمه حكومة نتنياهو التي ترى في الضربة الأميركية فرصة لإضعاف إيران.
أما الثاني، فيقوم على استثمار الوساطة الروسية للوصول إلى تسوية تحفظ المصالح المتبادلة وتمنع انفجار المنطقة.
فـ«أم القنابل» قد تفتح أبواب الفوضى الشاملة، بينما تتيح جهود بوتين إمكانية الوصول إلى اتفاق سياسي.
وفي هذا السياق، قد تعود مسقط إلى أداء دور قناة الاتصال غير المباشرة بين واشنطن وطهران، في إطار تفاهمات تتيح تجاوز المواجهة العسكرية.
وتبقى طهران، بالتعاون مع موسكو، طرفاً أساسياً في تحديد فرص نجاح المسار الدبلوماسي ومنع اندلاع حرب جديدة.
الخلاصة: التوقيت لا السلاح
إن جوهر خيارات ترامب لا يرتبط بنوعية السلاح الذي يمكن استخدامه، بقدر ما يرتبط بالتوقيت السياسي والعسكري.
فالرئيس الأميركي يقف أمام معادلة شديدة الحساسية: هل يختار ضربة عسكرية يعلن بعدها انتصاراً قد يتحول إلى خسارة سياسية وانتخابية، أم يذهب إلى تسوية واقعية عبر بوتين، يستطيع من خلالها تسويق إنجاز دبلوماسي وتجنب حرب شاملة؟
وهنا يكمن السؤال الاستراتيجي الأهم:
هل يريد ترامب انتصاراً وهمياً بـ«أم القنابل» قد يخسره في الانتخابات، أم تسوية واقعية مع بوتين تمنحه مكسباً سياسياً؟