
الاخبار 24-08-2026
بقلم الشيخ الدكتور علي جابر عضو المجلس المركزي في حزب الله
لتسجيل الرواية الصحيحة في مواجهة السردية المناوئة للمقاومة، وتوضيح الرؤية وتقييم النتائج وما آلت إليه الأمور، لا بدّ من مراجعة أبرز الوقائع والأحداث منذ 7 تشرين الأول 2023:
- في 7 تشرين الأول 2023، انطلقت عملية «طوفان الأقصى» التي كانت حقاً للشعب الفلسطيني في غزة، بعد حصار وتجويع واغتيالات وقتل وتدمير، استمرّ كلّ ذلك نحو 15 عاماً، تحوّل إلى موت بطيء يتهدّد الشعب الفلسطيني وقضيته.
أحدث «طوفان الأقصى» صدمة عميقة داخل الكيان الإسرائيلي، وطرح أمامه تحدّياً مصيرياً وفضح إخفاق حكومة نتنياهو، ما أدّى إلى تغيير العقيدة الأمنية والعمل تحت سقف الخطر الوجودي للكيان الصهيوني.
- عزّز هذا التوجه الدعم الأميركي الكامل لإسرائيل، إلى جانب دعم معظم الدول الغربية، وتواطؤ بعض الحكومات العربية، ولا سيما المُطبِّعة.
-أمام تصاعد العدوان على غزة، كانت الخيارات أمام المقاومة في لبنان محدودة: إمّا التفرج على ما يجري، كما هو الموقف العام؛ أو الانخراط الكامل في الحرب إلى جانب المقاومة الفلسطينية باعتبارها معركة واحدة ضد عدو واحد؛ أو إسناد غزة ضمن خطة محدّدة، تركّز على استهداف المواقع الإسرائيلية في الأراضي اللبنانية المحتلة، ولا سيما مزارع شبعا، بما يُحدِث إشغالاً للجيش الإسرائيلي على جبهة الشمال ويخفّف الضغط عن غزة.
- لم يكن ممكناً الوقوف موقف المتفرّج أمام مجازر غزة ومظلومية الشعب الفلسطيني، لأن ذلك يتناقض مع الالتزام الديني والأخلاقي والإنساني، رغم إدراك المقاومة وحزب الله أن التدخل سيواجه اعتراضات واسعة من قوى اليمين اللبناني، نتيجة اختلاف جوهري في الرؤية والموقف: فاليمين يرى نفسه أقرب إلى الغرب، ولا مشكلة جوهرية لديه مع العدو الإسرائيلي، ولا يضع القضية الفلسطينية في صلب اهتمامه، فيما ترى المقاومة في إسرائيل عدواً يهدّد الوطن والوجود والأرض والإنسان.
- ناقشت القيادة السياسية والعسكرية في حزب الله حدود التدخّل في حرب غزة، انطلاقاً من أن المقاومة، التي تقدّم نفسها نموذجاً لمواجهة إسرائيل ومدافعة عن لبنان وداعمة لقوى المقاومة في المنطقة، لا يمكنها، وفق هذا المنطق، أن تلتزم الصمت، ولا سيما أن أجزاء من الأراضي اللبنانية لا تزال محتلة وأن التهديد الإسرائيلي للبنان مستمر. انقسمت الآراء داخل القيادة إلى اتجاهين: الأول، الذي كانت تتبناه قيادة غزة، دعا إلى اغتنام الفرصة وفتح الجبهة وفق الخطط العسكرية الموضوعة، بما قد يحوّل الحرب إلى مواجهة فاصلة تتوسّع لتشمل محور المقاومة، وتكون الفرصة التاريخية لتوجيه ضربة قاضية للكيان الصهيوني قد تنهي وجوده أو على الأقل تضعفه إلى درجة كبيرة. وكان أصحاب هذا الرأي يرون الأجواء السياسية والظروف مؤاتية لأسباب عديدة، منها تعاطف الشعوب العربية والإسلامية وحماستها لمعركة غزة والإرباك الكبير الحاصل للقيادة الإسرائيلية.
أمّا الاتجاه الثاني، فكان أكثر تريّثاً، ورأى أن عناصر الحرب الشاملة لم تكتمل، فضلاً عن الحسابات الداخلية والخشية من ردود فعل تهدّد بيئة المقاومة. لذلك دعا إلى مواجهة محدودة تستهدف مواقع الاحتلال في الأراضي اللبنانية، مع تصعيد محسوب يتناسب مع التصعيد الإسرائيلي، بما يؤدي إلى مشاغلة العدو في الشمال عن حشد قوته كاملة ضد غزة، وهو ما كان يراه الشهيد السيد حسن نصرالله، وكانت الغلبة للرأي الثاني، وهكذا كان.
تمكّنت الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، بالتنسيق مع الجيش الإسرائيلي، من تنفيذ سلسلة اغتيالات طاولت القيادات الميدانية، ثم قيادات الصفين الأول والثاني، بالتوازي مع تدمير عدد من المنشآت الصاروخية والدفاعية. وبلغت هذه الضربات ذروتها في أيلول، باغتيال قائد أركان المقاومة السيد محسن شكر، وقائد قوة الرضوان إبراهيم عقيل. وبحسب ما خلصت إليه الجهات الأمنية في حزب الله، استندت هذه العمليات إلى خرق أمني كان تكنولوجياً بالدرجة الأولى، عزّزته أخطاء أمنية ارتُكبت في مراحل مختلفة.
وأحدث هذا الاستهداف المُمنهج والسريع والمفاجئ بطبيعة الحال تراجعاً في بعض قدرات المقاومة، وأربك منظومة القيادة والسيطرة وآليات التعامل مع الضربات المتتالية، إلى أن جاء 27 أيلول 2024، حين اغتال العدو الأمين العام لحزب الله الشهيد السيد نصرالله، في ضربة شكّلت ذروة هذه المرحلة وقاصمة الظهر للمقاومة. وبعد أيام، اغتال العدو الأمين العام الجديد السيد هاشم صفي الدين، إلى جانب عدد من القيادات الجهادية التي كانت مجتمعة معه في المكان نفسه.
كانت الكلفة عالية بلا شك، لكنها ضرورية لإرغام العدو على وقف عدوانه
لكنّ المشهد لم يكن خالياً من ثوابت أرساها الشهيد السيد نصرالله على مدى نحو ثلاثة عقود: وحدة الصف الشيعي، وتفويض الأخ الأكبر الرئيس نبيه بري بالتفاوض السياسي لإيجاد الحلول، والحفاظ على المقاومة وحاضنتها، والدفاع عن لبنان. وهذه الثوابت شكّلت الأساس الذي بنى عليه الأمين العام الجديد لحزب الله الشيخ نعيم قاسم قيادته، في أصعب ظرف يمكن أن يتسلّمه فيه أمين عام لحزب مقاوم، وسط حرب ضروس كان نتنياهو يقدّم نفسه فيها منتصراً، معلناً أنه غيّر وجه الشرق الأوسط وأعاد إحياء مشروع «إسرائيل الكبرى».
ويصف الشيخ نعيم قاسم الأيام العشرة الأولى من ولايته بأنها كانت «أيام الزلزلة»، لشدّة الظروف التي واجهها وحجم المسؤولية والحيرة: كيف يبدأ؟ ومن أين؟ لكنّ الوضع التنظيمي، ولا سيما الجهادي، سرعان ما استعاد تماسكه، ونجحت القيادة الجديدة في ترميم منظومة القيادة والسيطرة، وأعلنت «معركة أولي البأس» رداً على العدوان ودفاعاً عن لبنان.
وفاجأ الشيخ قاسم جمهوره، حتى من كانوا يعرفونه عن قرب، بما أظهره سريعاً من قدرات قيادية، أبرزها الشجاعة والإدارة والحكمة. وتمكّن من قيادة المواجهة بقوة، فيما خاض مقاتلو المقاومة معارك شرسة في الخيام وعيترون وكفركلا والعديسة وبليدا وعلى امتداد قرى الحافة الحدودية، وحالوا دون تحقيق الجيش الإسرائيلي، رغم حشده خمس فرق من نخبة قواته، تقدّماً ميدانياً حاسماً.
كانت الكلفة عالية بلا شك، لكنها ضرورية لإرغام العدو على وقف عدوانه. وفي 27 تشرين الثاني 2024، تمّ التوصل إلى وقف شامل لإطلاق النار وآلية لتنفيذ القرار 1701. يومها توافق الثنائي الشيعي على تحميل الحكومة اللبنانية مسؤولية الأمن في الجنوب وتنفيذ الاتفاق الذي وقّعت عليه، كما تعاون حزب الله مع الجيش اللبناني إلى أبعد الحدود في مهمته جنوب الليطاني.
لكنّ نتنياهو، الذي رفع شعار «إسرائيل الكبرى» و«الشرق الأوسط الجديد»، لم يكن مستعداً لتقييد حركة جيشه. فأطلق له العنان للتقدّم داخل المنطقة الحدودية وتدمير القرى، من دون أن تتحرك الدول الضامنة للاتفاق أو الحكومة اللبنانية، التي اتجهت، في المقابل، إلى تحميل المقاومة المسؤولية وتجريمها. واستمر العدو في عمليات اغتيال قيادات وكوادر المقاومة. ومع ذلك، التزمت المقاومة، طوال خمسة عشر شهراً، بوقف إطلاق النار من جانب واحد، على أمل أن تفعل الحكومة اللبنانية شيئاً، لكن كان واضحاً عدم إمكانية الوصول إلى أيّ إيجابيات.
شكّل بدء العدوان الإسرائيلي - الأميركي على إيران، واغتيال الإمام الشهيد السيد علي خامنئي في 28 شباط 2026، نقطة تحوّل كبرى في مسار الصراع. وكانت المقاومة في لبنان معنية بهذه الجريمة، لا بوصف السيد خامنئي قائداً ووليّاً فحسب، بل أيضاً كمرجعية دينية لشيعة العالم ولبنان، وبالتالي لم يكن السكوت عنها ممكناً. كذلك بات ضرورياً كسر الحلقة العدوانية التي أُدخل لبنان وجنوبه فيها، والعودة إلى فعل المقاومة، وهو ما حصل في 2 آذار 2026.
وأعلن الأمين العام لحزب الله «معركة العصف المأكول» دفاعاً عن لبنان وشعبه، وكرّرت بيانات المقاومة شعار الدفاع عن لبنان وشعبه، تأكيداً على البعد الوطني للمعركة. وأثار أداء المقاومة، من حيث الكثافة النارية وتغيير الأساليب والأدوات القتالية، صدمة في الأوساط السياسية والأمنية الإسرائيلية، وكشف فشل محاولات تدمير المقاومة أو حتى إضعافها، ولا سيما بعد ترميم بنيتها القيادية وإحكام منظومة القيادة والسيطرة.
وكانت المفاجأة الجديدة في استخدام المُحلِّقات المُفخَّخة التي تعمل بالألياف الضوئية، لما تتمتع به من صعوبة في الاعتراض وقدرة على الوصول إلى أهداف تكتشفها وإصابتها بدقّة، وبكلفة زهيدة. ولم تتمسك المقاومة بالأرض، بل تراجعت وأعادت التموضع حيث اقتضت الضرورة، انطلاقاً من اعتمادها أسلوب حرب العصابات واستنزاف العدو وتكبيده خسائر كبيرة، بما فيها استهداف ضباطه، مع اللجوء أحياناً إلى المواجهة المباشرة وإجباره على التراجع، كما حصل في حداثا وزوطر الشرقية وميفدون وكفرتبنيت ومجدل زون وغيرها.
وبعد مفاوضات صعبة بين إيران والولايات المتحدة، كان لبنان أحد البنود الرئيسية فيها، ومحاولة نتنياهو تعطيل مذكّرة التفاهم في اللحظة الأخيرة عبر استهداف الضاحية الجنوبية، أُعلن الاتفاق بين الطرفين فجر 14 حزيران 2026، وجرى توقيعه خطياً في 18 حزيران، على أن تتبعه مفاوضات للوصول إلى اتفاق تفصيلي ونهائي.
وكما كان متوقّعاً، قبل نتنياهو بالاتفاق في شقّه الإيراني على مضض، لكنه أعلن رفضه الانسحاب من لبنان، واستمرت الاعتداءات على القرى والتدمير ومحاولات التقدّم، ولا سيما على محور كفرتبنيت - علي الطاهر الاستراتيجي. في المقابل، انتقلت المقاومة هذه المرة إلى ممارسة حقها في الرد والدفاع عن النفس، وأحبطت محاولات التوغل. وبالنسبة إليها، بقيت الأهداف التي أُعلنت منذ بداية الحرب ثابتة: وقف إطلاق النار الشامل، والانسحاب الكامل من الجنوب إلى الحدود الدولية، وإطلاق الأسرى، وعودة الأهالي إلى قراهم، والبدء بإعادة الإعمار. ولا يزال العمل جارياً لتحقيق هذه الأهداف.
وانطلاقاً من هذه الأهداف، ورفضاً للتفاوض المباشر مع العدو، حدّدت المقاومة إطار علاقتها بالرئاسة والحكومة اللبنانيتين، بالتنسيق الكامل مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، بهدف تأمين موقف وطني جامع وموحّد، يدعم هذه الأهداف التي باتت موضع إجماع.
كيف ترى المقاومة في لبنان مخرجات الحرب في ضوء الاتفاق الأميركي - الإيراني؟
أولاً: فشل العدو الإسرائيلي في القضاء على المقاومة في لبنان، وهو أحد الأهداف الرئيسية للحرب.
ثانياً: لم تحمِ المقاومة الجنوب، بل حمت لبنان والمنطقة من خطر التوسّع الإسرائيلي، ولا سيما حلم «إسرائيل الكبرى» الذي فشل نتنياهو في تحقيقه حتى الآن.
ثالثاً: أثبتت الحرب أن وجود المقاومة حاجة ضرورية للبنان والمنطقة في مواجهة الخطر الصهيوني القائم. أمّا شكل هذا الوجود وآليات استمراره فمتروك للأيام القادمة والحوار الداخلي.
رابعاً: كشفت التركيبة الهشّة وغير المنسجمة للدولة وسلطتها وانصياعها للقوى الأجنبية والتخلّي عن العديد من الثوابت الوطنية، وعجزها عن الحفاظ على الوحدة الوطنية والتماسك في وجه العدوان، ما يستوجب إعادة النظر في ترتيب البيت اللبناني، من دون أن يعني ذلك دعوة إلى الانقلاب، بل إلى تحسين وضع الدولة وأداء سلطاتها.
الأمر لم ينتهِ بعد ولهذا الكلام تتمة.
عضو المجلس المركزي في حزب الله