حمزة الخنسا الثلاثاء 18 آب 2026
لم تكن الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة في أنصار ودير الزهراني مجرّد جولة جديدة من التصعيد على جبهة الجنوب، بقدر ما أعادت طرح السؤال الذي حاولت الدبلوماسية الأميركية إبعاده منذ انطلاق المفاوضات اللبنانية - الإسرائيلية، حول مدى نجاح واشنطن في فصل لبنان عن مسار تفاوضها مع إيران، في ظل تيار دبلوماسي أميركي آخذ في الاتساع، يرى أن واشنطن نجحت فقط في فصل غرف التفاوض، فيما بقي الملف اللبناني جزءاً عضوياً من المواجهة الأوسع مع طهران تحت عنوان أميركي تقليدي وهو «النفوذ الإيراني في المنطقة».
يقول الرئيس جوزيف عون إن واشنطن بنت في الأصل مقاربتها على فكرة إخراج لبنان من صيغة «التفاوض عليه» وإدخاله في صيغة «التفاوض باسمه». وبناء على ذلك يروّج عون سردية الإنجاز الذي حقّقته لها واشنطن. ولو أنه اقتصر على المستوى الشكلي والمؤسساتي، فالاتفاق الإطاري الموقّع في 26 حزيران وضع السلطة والعدو في مسار مباشر برعاية أميركية، وأعاد الدولة اللبنانية إلى موقع الطرف الرسمي، فيما لم يكن حزب الله طرفاً مفاوضاً ولم تجلس إيران إلى الطاولة. والإنجاز الآخر، من وجهة نظر عون، أن الاتفاق وضع أيضاً مساراً مُتدرِّجاً للانسحاب الإسرائيلي وربطه بإجراءات تتصل بحصر السلاح ونشر الجيش اللبناني، ما جعل الدولة، للمرة الأولى منذ سنوات، صاحبة الالتزام الرسمي والمُخاطَب الأول أميركياً وإسرائيلياً، ولو أن هذا «الإنجاز» هو الآخر لم يجد طريقه إلى أرض الواقع خارج البيان الموقّع بين السلطة والعدو.
المنتقدون لاتفاق الإطار، ينظرون الى الامر من زاوية أن فصل المفاوضين لا يعني بالضرورة فصل الملفات. فالموضوع الأكثر حساسية على الطاولة اللبنانية هو نفسه أحد أبرز عناصر الصراع الأميركي – الإيراني، ويتمثّل بمستقبل القوة العسكرية لحزب الله، ويدعو هؤلاء إلى التمييز بين «استقلال المسار التفاوضي» و«استقلال القضية الاستراتيجية». وإذا كان الرئيس عون يعتبر أن اتفاق الإطار نجح بإخراج لبنان مما يقول إنها «صيغة تتولى فيها طهران التفاوض باسمه»، لكنه لم يقدر على اخراجه من معادلة تعتبر فيها واشنطن وتل أبيب أن تقليص قدرات حزب الله جزء من إعادة رسم ميزان القوى مع إيران. وبالمقابل، لا تتعامل طهران مع الحزب باعتباره مجرّد حزب لبناني مسلح يمكن عزله عن شبكة التأثير الإقليمية. ولهذا فإن عدم وجود الإيرانيين في غرفة التفاوض لا يلغي قدرتهم على التأثير في النتيجة، ما دام الطرف المطلوب منه عملياً القبول بأهم بنود التسوية أو تنفيذها هو حزب الله نفسه.
ما حصل عليه عون ينحصر في تسمية اعضاء الوفد المفاوض، حتى واشنطن لا تقدر على صياغة اتفاق خارج الملف الاقليمي
وقد تبين ان ت النقاش حول ترتيبات إقليمية مرتبطة بالاتفاق الأميركي - الإيراني، تناولت لبنان وآلية لإدارة وقف التصعيد، وكان عون، بدفع أميركي، يصرّ على أن تكون المفاوضات مع العدو مستقلة. وكرّست جولة روما الأخيرة هذا التناقض، إذ لم يعد النقاش يدور حول مبدأ الفصل بين المسارين، بل حول كيفية تنفيذ بند نزع السلاح ومن يراقب التنفيذ. وفي المقابل، أعلن العدو بوضوح أنه يربط انسحابه من الجنوب بنزع سلاح حزب الله، أمّا الحزب، بوصفه المعنيّ الأول، فظلّ على موقفه المبدئي برفض اي نقاش قبل اكتمال الانسحاب الإسرائيلي.
وتعلّق المصادر على الأمر بالقول إن المفاوضات تحوّلت إلى حلقة مُغلقة، إذ تحوّلت السلطة اللبنانية الى طرف مُطالب بتنفيذ التزامات لا يملك القدرة السياسية أو الميدانية على فرضها، بينما تمسك واشنطن بمفتاح الضغط على العدو وتقول في الوقت نفسه إنها تحاول «تقليص نفوذ إيران».
رغم ذلك، فإن ما تعتبره بعبدا «قضية سيادة» لم يتغيّر، فواشنطن لا تتعامل مع سلاح حزب الله باعتباره مسألة لبنانية داخلية فقط، والعدو لا ينظر إلى الحزب بمعزل عن إيران، وطهران بدورها لا تعتبر خسارة قدرة الحزب العسكرية شأناً لبنانياً منفصلاً عن موقعها الإقليمي. لذلك، فإن المسار الذي يبدو لبنانياً في تركيبته القانونية والتفاوضية يبقى إيرانياً - أميركياً في جزء كبير من اعتباراته الاستراتيجية. وعليه، لو كانت واشنطن قد نجحت فعلاً في فصل المسار اللبناني عن الإيراني - الأميركي فلن تعود بحاجة إلى أن يكون لبنان بنداً مُعلناً على طاولة مفاوضاتها مع طهران، باعتبارها استطاعت معالجة ما تعتبره، مع تل أبيب، أحد أهم عناصر النفوذ الإيراني من خلال اتفاق لبناني - إسرائيلي مستقل، وهذا ما لم يحصل حتى الآن.
عمليا، يصبح «الإنجاز السيادي» الذي قدّمه الرئيس الأميركي لعون محصورا في تحديد هوية الوفد اللبناني المفاوض، لكنه لم يستطع بعد، بقرار دبلوماسي، إلغاء الوقائع الداخلية التي راكمها حزب الله خلال عقود. كما أنه، لو أراد، يستطيع الضغط للوصول إلى صيغة للانسحاب الإسرائيلي، لكنه لم ينجح حتى الآن في فك الارتباط بين الانسحاب الإسرائيلي ونزع سلاح حزب الله. وهذا يعني، بحسب المصدر، أن المفاوضات دخلت في قلب المعادلة التي كان يُفترض أن تفصل نفسها عنها وهي أن كل تقدّم في الملف اللبناني يحتاج إلى تعديل في ميزان القوى الداخلي، وكل تعثّر في التنفيذ يعيد رفع قيمة الورقة الإيرانية.
وعليه، لم يكن تصعيد 15 آب حادثاً منفصلاً عن المفاوضات، حتى إنه لم يكن مرتبطاً مباشرة بالتفاوض الأميركي - الإيراني. فالرسالة التي حملتها الاعتداءات الإسرائيلية، وأداء حزب الله حيالها، والتمسّك الإسرائيلي بشروط الانسحاب، هي أن قرار الحرب والسلم لا يزال خارج نطاق بعبدا، وأن المسار السياسي لم ينجح في تجميد العوامل العسكرية التي تتحكّم بإيقاعه.