الاخبار: محمد خواجوئي السبت 7 تشرين الثاني 2026
طهران | تطرح هزيمة «الجمهوريين» في انتخابات التجديد النصفي الأميركية، تساؤلات حول ما إذا كانت ستشكّل رادعاً للرئيس الأميركي، دونالد ترامب، عن جرّ بلاده إلى حرب واسعة أخرى مع إيران. كما تطرح تساؤلات موازية حول المسار الذي ستعتمده طهران في المرحلة المقبلة، بعد نجاحها في ترك بصمتها على المعادلات الداخلية الأميركية، عبر إطالة أمد المواجهة، وفرض أثمان باهظة على الأميركيين من جرّائها. إلى الآن، يبدو أن ترامب يصرّ على المُكابرة، متجاهلاً أسباب الهزيمة الانتخابية، في وقت يستمرّ فيه الدور التحريضي لرئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، الذي بات بقاؤه في السلطة مُعلَّقاً على إشعال حروب جديدة. في المقابل، يُستشفّ من مواقف المسؤولين الإيرانيين أن نتائج الاستحقاقَيْن الانتخابيَّيْن الأميركي والإسرائيلي أسهمت في رفع منسوب الثقة بالنفس لدى طهران، التي باتت تعدّ المأزق الذي يعيشه ترامب ونتنياهو ثمرة مباشرة لصمودها وقدرتها على إحباط أهدافهما القصوى في المواجهة، بل ومؤشراً على بوصلة التحوّلات التي بدأت تميل لصالحها وصالح حلفائها في الإقليم.
وفي هذا الإطار، رأى مستشار المرشد الإیراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، أمس، أن «إيران باتت اليوم أحد المهندسين الرئيسيين للنظام الإقليمي»، واصفاً ذلك بأنه «حقيقة لا يمكن حذفها أو استبدالها»، معتبراً أن «تسونامي التغييرات الجيوسياسية في غرب آسيا، ابتلع الانتخابات في كلّ من إسرائيل وأميركا». وسخر رئيس منظمة «التعبئة» (الباسيج) التابعة لـ«الحرس الثوري»، حسين طائب، بدوره، من المزاعم الأميركية بشأن السعي لإحداث تغيير في العالم ومنطقة الشرق الأوسط، قائلاً إن «شرارة التغيير الحقيقي انطلقت بالفعل من عقر دار أميركا وإسرائيل. وسنلمس تداعيات هذا التغيير وتجلّياته قريباً في مختلف الميادين والساحات».
ولكنّ المراقبين في طهران يُجمِعون على أن مفاعيل الاستحقاقَين لن تفضي إلى تسوية أصل الأزمة، خصوصاً أن أرضية التصعيد لا تزال على حالها. ورغم نجاح إيران في إدارة عنصر الوقت، والإمساك بزمام المبادرة، ونقل الضغوط إلى ملعب الخصم، فإن ذلك لا يعني بأيّ حال تبدّد سحب التهديد أو تكريس معادلة ردع نهائية وناجزة. ولا يستبعد مصطفى نجفي، المحلّل الاستراتيجي المُقرّب من أمين «المجلس الأعلى للأمن القومي» الإیراني، اللواء محسن رضائي، في حديث إلى «الأخبار»، «لجوء واشنطن إلى خطوات عالية المخاطر، أو حتى خيارات عسكرية، ما بعد الانتخابات»، مستدركاً بأن «نتائج الاستحقاق الأخير رفعت كلفة هكذا قرار، وقيّدت أوراق ترامب مُقارنة بالفترة السابقة، خصوصاً أن خوض حرب جديدة، في ظلّ عجز الحروب السابقة عن تحقيق أيّ مكاسب تُذكر، من شأنه أن يفاقم الأزمة الاقتصادية، ويزيد الضغوط الداخلية، ويضع الجانب الأميركي في المنطقة أمام تعقيدات إضافية».
المرحلة الانتقالية تشكّل برهة عالية المخاطر، قد يعمد ترامب ونتنياهو خلالها إلى شنّ حرب
مع ذلك، يعتقد نجفي أن «نتائج الانتخابات لا تعني، بأيّ حال، طيّ صفحة المواجهة مع إيران. فترامب ما زال يملك ترسانة وازنة من الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية، فيما الهزيمة الانتخابية للحزب الجمهوري لا تعني بالضرورة تغييراً في الحسابات الاستراتيجية للتيّارات المناوئة لإيران داخل الولايات المتحدة». ويقدّر أن «الضغوط التي يواجهها ترامب يمكن أن تفضي إلى أحد مسارَين متناقضَين: فإمّا أن تدفعه نحو خيار المغامرة العسكرية، سعياً وراء إنجاز سريع يقلب المشهد السياسي ويغيّر قواعد اللعبة، وإمّا أن تحمله على الانخراط في مسار تسوية سريعة ذات طابع استعراضي». وحول طبيعة العلاقة بين ترامب ونتنیاهو بعد الانتخابات، يرى نجفي أنه «في حال تبلور اتفاق محتمل بين إيران وأميركا، فسيكون بمقدور ترامب و(نائبه، جي دي) فانس، القفز فوق نتنیاهو، بل وحتى ممارسة الضغوط عليه لإجباره على تجرّع مرارة القبول بالتسوية. أمّا إذا ظلّت مسارات الدبلوماسية موصدة، واستمّرت حالة لا حرب ولا اتفاق، فإن ترامب سيظلّ في حاجة ماسّة إلى نتنیاهو، وإلى ما تملكه إسرائيل من مقدّرات عسكرية وأمنية».
أمّا من جهة إيران، فيبيّن أنه «لفهم المقاربة الإيرانية الحالية، يتعيّن تجاوز الثنائية البسيطة القائمة على التفاوض أو الحرب. فطهران سعت خلال الأشهر الماضية إلى إبقاء النوافذ الدبلوماسية مُشرّعة، وفي الوقت عينه قطع الطريق أمام تحوّل التفاوض إلى أداة لفرض تنازلات أُحادية الجانب. وبعبارة دقيقة، أرادت طهران تحويل عنصر الوقت إلى مُتغیِّر استراتيجي لمصلحتها». وفي الوقت نفسه، يحذّر نجفي من الخلط بين النجاح في كسب الوقت وتحقيق الإنجاز الاستراتيجي النهائي، ناصحاً بأن «تتبنّى طهران حزمة من التوجّهات في المرحلة المقبلة، أبرزها الاستثمار في الانقسامات الحاصلة بين التيّارات السياسية في أميركا حيال الحرب، وإعادة بناء منظومة الردع والارتقاء بها، وتحصين الجبهة الداخلية، وتعزيز طاقات الصمود الوطني».
من جهته، يعتقد الباحث في الشؤون الدولية، عارف دهقان دار، في حديث إلى «الأخبار»، أن «فوز الديمقراطيين، ورغم ما سيفرضه من قيود مؤسّساتية محدودة على حركة ترامب خلال العامَين المقبلين، إلا أنه لن يغيّر من نمط سلوكه حيال إيران. بل قد يسعّر رغبة ترامب في الثأر، ويدفعه إلى الإقدام على خطوة خارجة عن القواعد المألوفة». ويشير دهقان دار إلى أن «المرحلة الانتقالية الراهنة (بين تبلور الائتلاف الحكومي الجديد في إسرائيل، وتغيّر خريطة التوازنات داخل الكونغرس الأميركي) تشكّل برهة عالية المخاطر وحبلى باحتمالات التصعيد، إذ قد يعمد الطرفان إلى استغلال مرحلة الفراغ هذه، للمبادرة بالتحرّك ضدّ إيران، وإشعال فتيل حرب محدودة النطاق والمدى الزمني، وإن كان نمط تعاطي طهران وسلوكها الميداني، يشكّلان متغيّراً حاسماً في رسم مآلات هذا المسار».
ويعتبر أن الخطوات الإيرانية - وفي طليعتها إغلاق مضيق هرمز - شكّلت أحد الأسباب الرئيسة وراء «الموجة الزرقاء» في الانتخابات الأميركية، مقدّراً أن السياسة الإيرانية بعد الاستحقاق الانتخابي ستتحرّك على إيقاع مزيج من «الدبلوماسية والاستنفار العسكري». ويبيّن أنه «على الصعيد العسكري، تحاول إيران، عبر الحفاظ على جاهزيتها، والبعث برسائل تحذيرية من توجيه ضربات موجعة إلى الخصم، رفع كلفة أيّ مغامرة عسكرية مُحتملة. أمّا على الصعيد الدبلوماسي، فتسعى، عبر الانفتاح على مساعي الوساطة الإقليمية (كقطر والسعودية وتركيا وباكستان)، واستثمار الشرخ القائم بين واشنطن وتل أبيب، والانقسامات الداخلية الأميركية، ومدّ الجسور مع التيارات المناهضة للحرب، إلى عبور هذه المرحلة الانتقالية البالغة الحساسية». وعليه، فإن الاستراتيجية الكبرى للمرحلة المقبلة ستتمحور، على الأرجح، حول ثنائية «المقاومة أمام الضغوطات، والترقّب في انتظار مُتغيّرات اللعبة» حسب دهقان دار.