الاخبار:: سعيد محمد السبت 7 تشرين الثاني 2026
تبدو باريس في عيون أدب القرن العشرين، أقرب إلى متحف-ميتروبول، وحقل ألغام من الإحالات الجاهزة إلى نصوص الأدباء الذين عبروا في حياة عاصمة الأنوار. فالتر بنيامين قرأها من أسواقها التجارية المسقوفة بالزجاج، وواجهات المحالّ الفارهة، والأزياء، والإعلانات، وكيف تصنع الرأسمالية رغبات الناس وأحلامهم. واستعادها أرنست همنغواي في ذكريات المقاهي التي كان يرتادها في شبابه بينما يدبّج نصوصه الأولى، كأن المدينة عنده صنو الكتابة ذاتها. ورسمها سكوت فيتزجيرالد مسرحاً للسهر والبذخ وحفراً في الذاكرة وبوابة للندم. وجعل منها جيمس بالدوين فضاءً للحب والرغبة والخوف من مواجهة الذات ومرآة لهشاشة المنفى.
يتجرأ أميت تشودري في روايته الجديدة النحيلة «شاتو روج» (دار فابر آند فابر ــ 2026) على الإطاحة برومانسية المكان والأدوات التقليدية للرواية (الشخصية، المكان، والأحداث...) معاً، ليملأ صفحاته عن باريس بتفاصيل الحياة اليومية العشوائية الخالية من الوقائع اللافتة التي يتجنّبها كتّاب الحبكات المعقدة كالطاعون.
يتقمص تشودري شخصية روائي هندي يحصل على منحة من مركز ثقافي أميركي في العاصمة الفرنسية ويصل متلهّفاً لتذوق تجربة العيش في موئل بروست ومسكن بالدوين، وينزل مع زوجته في شقة في حيّ «شاتو روج» الذي يوحي برؤى حداثية برّاقة.
لكن الواقع سرعان ما يبتلع أشواقه عندما يجد أن كل شيء في المدينة كان عادياً لا يثير الإعجاب. لا يقصد بذلك أن الشوارع الرئيسية على الأقل كانت تفتقر إلى التاريخ، فمباني هوسمان العائدة إلى القرن التاسع عشر تقف شاهدة كخلفية صورة تذكاريّة لماضٍ تليد، «لكنك بالكاد تلحظها» بعد الوهلة الأولى، فيما كانت أرصفة بقية الشوارع شديدة الاتساخ.
أما شقته المستأجرة من الباطن، فقد كان الأمر «أشبه بالوقوف في مسلخ أُفرغ من محتوياته» وعلقت به القذارة. في الشقة شعلات الموقد لا تعمل، والمرحاض ملطّخ، والأقفال متخلخلة، والمرايا مبقعة، فيما يمضي الراوي أيامه متجولاً في باريس (الحقيقية): أي تلك الأحياء في الدوائر المحيطة في المدينة التاريخية القديمة، بين مهاجرين من المغرب العربي وبنغلاديش وأفريقيا جنوب الصحراء وسريلانكا والصين.
«شاتو روج» صورة باريس زماننا، يستهلك فيها الراوي أيّام منحته في محاولات عبثية لإصلاح الشقة، والبحث عن صفقة لشراء مايكروويف، وابتياع وجبات طعام جاهزة، والتسوق، وشراء أغطية الأسرّة، وغسل الملابس، واحتساء القهوة فيما يهدده المركز الثقافي بفقدان نصف مخصصات المنحة إن لم يحضر إلى المكتب، الذي يجسّد فيه تشودري أزمة الأدب المعاصر: حيث العرب معزولون عن الغانيين، والأميركيون-الأفارقة عاجزون عن رؤية كيف تتداخل الهويات خارج الولايات المتحدة، والأميركيون البيض انتزعوا من الفرنسيين خطاب الأوصياء على الأدب العالمي.
ثمة أشياء تحدث بالفعل في باريس تشودري: تحترق كنيسة نوتردام، وتندلع اضطرابات «السترات الصفر»، ويموت والد زوجته، ويتعرض هو شخصياً للنشل. لكن السرد يساوي على الصفحة ذاتها بين الحدث الجلل والنبض العادي للمدينة. ولذلك تبدو «شاتو روج» أقرب إلى يوميات بلا تواريخ، يمكن إعادة ترتيب صفحاتها بطرق شتى، كتبها متسكع لا يحب الثرثرة، عن مدينة رغم كل صخبها وسمعتها الأدبيّة «تغرق في سكينة كثيفة. صمت الثراء. نقيض طنين بعوضة»، تشبه كثيراً وجوه بائعات الهوى عند تقاطع شوارع بواسونييه ودودوفيل وبوليه بالقرب من محطة المترو في «شاتو روج»، اللواتي يبدون كأمهات ينتظرن خروج أطفالهن من المدرسة. حياة تمضي هدراً، حتى حين يبدو أن لا شيء مهماً يحدث.