الاخبار:: لينا فخر الدين
بات السؤال عن طبيعة العلاقة بين مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان والنائب فؤاد مخزومي الأكثر تداولاً في الكواليس البيروتية، مع تزايد المؤشرات إلى توتر غير مسبوق بين الرجلين.
فمنذ ابتعاد الرئيس سعد الحريري عن الحياة السياسية، يسعى رئيس حزب «الحوار الوطني» إلى وراثة بعض أدوات عمله السياسي، ويعتبر دار الفتوى إحدى بواباته إلى العاصمة. ولا يزال مشهد دخول الرئيس رفيق الحريري إلى عائشة بكار محمولاً على الراحات يؤرّق مخزومي الذي وطّد علاقته بدريان، وفتح خزائنه لتلبية بعض احتياجات الدار، عبر مساعدة شهرية، فضلاً عن تقديم مساعدات مادية وطبية لعدد من مشايخها. وفي المقابل، حصل على ما أراده من حضور في عائشة بكار، إذ بات يُستقبل فيها كلما دعت الحاجة، ويلتف حوله عدد من المشايخ، وتمثّل محسوبون عليه للمرة الأولى في المؤسسة الدينية.
لكن هذا الدعم المتبادل لم يحقق لمخزومي مبتغاه في بلوغ الموقع الذي وصل إليه رفيق الحريري. وظلّ الشك يساوره في أنّ المفتي يقدّم سعد الحريري عليه، ويحتفظ له بالأولوية حتى في غيابه. لذلك، بقيت العلاقة محكومة بتبادل المصالح، من دون أن ترقى إلى مستوى يصبح فيه مخزومي رجل الدار الأول، وتأرجحت صعوداً وهبوطاً، قبل أن تشهد تدهوراً خلال الأسابيع الماضية، وفق أكثر من مصدر على صلة بالرجلين.
ومن أبرز مؤشرات هذا التوتر، انقطاع مخزومي عن دار الفتوى منذ نحو خمسة أشهر، وعدم صدور أي موقف منه لمساندة المفتي في أزمته على خلفية الطعن في التمديد له. بل إنّ موقف مخزومي جاء في الاتجاه المعاكس، بعدما انضم العضو المحسوب عليه في «المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى»، كامل دمياطي، إلى الأعضاء البيارتة الذين أبلغوا دار الفتوى عزمهم مقاطعة جلسات المجلس إلى حين البتّ بالطعن، ليكون أول عضو عيّنه دريان يعلن اعتراضه عليه.
وبعدما ظلّ الخلاف بين الطرفين مكتوماً، ابتدع مخزومي مناسبةً لنقله إلى العلن، مستعيداً مرور عام على تقدّمه بكتاب رسمي إلى دار الفتوى يعرض فيه إعادة بناء «مسجد الحسنين» في الأشرفية على نفقته الخاصة «خدمة لأهل بيروت». وكتب على منصة «أكس»: «أكثر من عام دون جواب، نتوجّه إلى دار الفتوى بالسؤال: ما الذي يحول دون الاستجابة لهذه المبادرة والمباشرة بإجراءات تنفيذها؟».
لكن التدقيق في ملف إعادة بناء مسجد الحسنين (دُمّر خلال الحرب الأهلية وتوجد معارضة مسيحية لإعادة بنائه)، يكشف أنّ الخلاف بين دريان ومخزومي بشأنه ليس جديداً. فقد سبق لمخزومي أن أعلن، من دار الفتوى، عزمه على إعادة بنائه، رغم أن المفتي أبلغه حينها بأنّ دولة قطر أبدت استعدادها لتمويل إعادة تشييد المسجد.
ابتدع مخزومي مناسبةً لمهاجمة دريان رغبة منه في أن «يُرسمل» على المفتي المقبل
ويبدو أنّ المسجد تحوّل إلى عنوان سياسي يسعى مخزومي إلى توظيفه، ولا سيما أنّ إعادة بنائه تتيح له تقديم نفسه بوصفه من أنجز مشروعاً طال انتظاره منذ خمسين عاماً، وتمكّن من إقامة مسجد في مواجهة القوى المسيحية التي تعارض بناءه. وبذلك، لا تعود كلفة المشروع، في حساباته، مجرد نفقة خيرية، بل استثماراً في حملته الانتخابية، يُراد له أن يتحوّل إلى رصيد من التأييد البيروتي.
وإلى التوظيف السياسي، يبدو أنّ مخزومي يستخدم المسجد أيضاً لتصفية حساباته مع دريان. فتوقيت إعلانه، يعكس رغبة في فكّ ارتباطه بالمفتي بعدما تبيّن له أنّ معركة دريان خاسرة. وهو ما يعني أنّه يريد أن «يُرسمل» على المفتي المقبل.
وما يعزّز هذه القراءة أنّ ملف إعادة بناء المسجد لا يتوقف على دار الفتوى وحدها، بل يرتبط أيضاً بإجراءات لدى بلدية بيروت، ولا سيما ما يتصل بفضلات الأراضي المحيطة به، والتي يتطلب المشروع شراءها من المديرية العامة للأوقاف الإسلامية. إلا أنّ مخزومي لم يشر في بيانه إلى دور البلدية، وحمّل دار الفتوى وحدها مسؤولية التأخير.
وتشير المعلومات إلى أنّ دريان كان قد كلّف لجنة برئاسة هاني الشعار متابعة ملف إعادة الإعمار، بمشاركة شخصيات بيروتية، بينها الشيخ صالح حبال ورجل الأعمال عمر غندور ومحيي الدين مجبور. وقبل أشهر، أوكل إلى رئيس «المركز الإسلامي» في عائشة بكار، علي نور الدين عساف، متابعة الجوانب الهندسية وتسريع الإجراءات لدى بلدية بيروت، وهو ما عمل عليه عساف. كذلك، اتصل دريان بمحافظ بيروت، القاضي مروان عبود، طالباً منه حصر متابعة ملف المسجد بعساف شخصياً، فيما سرت أجواء بين المعنيين تفيد بأنّ المفتي اتفق مع الجانب القطري على تمويل المشروع، بانتظار استكمال الإجراءات. وأثارت هذه الخطوات غضب مخزومي، الذي رأى فيها محاولة لإبعاده عن الملف، فضلاً عن حساسيته تجاه عساف، المعروف بقربه من الرئيس نجيب ميقاتي.

