❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
لمدة 15 سنة، كان اللبنانيون يذهبون إلى عنجر. يدخلون ثكنة المخابرات السورية، يقفون أمام غازي كنعان أو رستم غزالة، يأخذون الأمر، ويعودون لينفذوه في بيروت. كان احتلالاً واضحاً، فجاً، ببزة عسكرية ودبابة على الحاجز.
اليوم، لم يعد اللبنانيون يذهبون إلى عنجر. صاروا يذهبون إلى عوكر.
نفس الطريق، نفس الذل، نفس تلقي الأوامر، لكن ببدلة ديبلوماسية وابتسامة صفراء وشعار جديد: "دعم المجتمع الدولي".
لقد انتقلنا من عنجر إلى عوكر، ومن احتلال خشن إلى احتلال ناعم، ومن وصاية سورية إلى وصاية أمريكية، والفرق الوحيد أن الأولى كانت بلا تصفيق، والثانية بتصفيق داخلي حار.
أولاً: عنجر كانت تحتل بجنودها.. عوكر تحتل بدولارها
في عنجر، كان غازي كنعان يقول للوزير اللبناني: "عيّن فلان، وشيل فلان". ومن يرفض، ينتهي في المعتقل أو في القبر.
في عوكر، تفعل السفيرة الأمريكية ليزا جونسون نفس الشيء، لكن بطريقة أنظف. لا تعتقل، تضعك على لائحة العقوبات OFAC. لا تهدد بالقتل، تهدد بمنع صندوق النقد والبنك الدولي. والنتيجة واحدة: الوزير اللبناني ينفذ.
ورقة نزع سلاح حزب الله التي تبنتها الحكومة اللبنانية لم تُكتب في السراي، كُتبت في عوكر. لائحة التعيينات الأمنية والقضائية ومصرف لبنان لا تُقر في بعبدا، تُقر في عوكر. قائد الجيش اللبناني لا يقدم تقريره لرئيس الجمهورية، يقدمه أسبوعياً لضابط ارتباط أمريكي في عوكر عن انتشار الجيش جنوب الليطاني.
هذا ليس دعماً، هذا حكم عسكري مباشر بلا بزة عسكرية.
ثانياً: من "نحميكم من إسرائيل" إلى "نحميكم من حزب الله" - نفس الكذبة
كان غازي كنعان يقول للبنانيين: "الجيش السوري في لبنان يحميكم من إسرائيل".
واليوم تقول السفارة الأمريكية: "وجودنا في لبنان يحميكم من إيران وحزب الله".
نفس الجملة، نفس الكذبة، نفس الاستعمار.
السوري استخدم حجة إسرائيل ليبقى 30 سنة، سرق خلالها سيادة لبنان واقتصاده وقراره. والأمريكي اليوم يستخدم حجة حزب الله ليبقى، وليسرق ما تبقى: الغاز، والحدود، والقرار الأمني، وحتى حقنا في إعادة إعمار بيوتنا.
أربعة آلاف خرق إسرائيلي لوقف إطلاق النار منذ تشرين الثاني 2024، 300 شهيد لبناني بالاغتيالات، 5 تلال محتلة، طيران إسرائيلي يومي فوق بيروت. ماذا فعلت عوكر؟ باركت. وقالت: "من حق إسرائيل الدفاع عن نفسها".
أين الحماية إذاً؟ حماية عنجر كانت كذبة، وحماية عوكر كذبة أكبر.
ثالثاً: الإهانة.. من بهدلة عنجر إلى شتيمة عوكر
كان رستم غزالة يجمع النواب في عنجر ويبهدلهم. كانوا يخرجون مطأطئي الرأس.
توم برّاك، المبعوث الأمريكي، فعل أسوأ. جمع الصحافيين والسياسيين اللبنانيين في بيروت قبل أسابيع وقال عنهم حرفياً: "المسؤولون اللبنانيون فاشلون وسلوكهم حيواني - Animalistic".
لم يجرؤ غازي كنعان أن يقولها بهذه الوقاحة. الأمريكي قالها، ولم يستقل أحد، ولم يحتج أحد، بل ذهبوا في اليوم التالي إلى عوكر لتقديم فروض الطاعة.
عندما يهينك المحتل السوري، تغضب. عندما يهينك المحتل الأمريكي، تبتسم وتقول "شكراً على النصيحة". هذا هو الانبطاح المجاني.
رابعاً: ماذا أخذنا مقابل هذا الانبطاح؟ صفر.
هذا هو بيت القصيد.
لبنان الرسمي قدم كل شيء مجاناً:
- وافق على نزع سلاح المقاومة التي حمت الجنوب 20 سنة.
- وافق على منع إعادة إعمار الضاحية والبقاع والجنوب إلا بأمر أمريكي.
- وافق على ترسيم بري يهدي إسرائيل 13 نقطة حدودية فيها غاز.
- سكت عن الاغتيالات اليومية.
ماذا أخذ بالمقابل؟
- هل ضغطت عوكر على إسرائيل لتنسحب من النقاط الخمس المحتلة؟ لا. قال برّاك: "إسرائيل لن تنسحب".
- هل ضغطت لوقف الاغتيالات؟ لا.
- هل أفرجت عن مليار دولار لإعادة الإعمار؟ لا. ربطتها بنزع السلاح.
- هل أعطت ضمانة أمنية؟ لا.
الانبطاح في عنجر كان على الأقل يعطيك بقاء في الكرسي. الانبطاح في عوكر لا يعطيك حتى الكرسي، يعطيك شتيمة.
خامساً: عوكر أخطر من عنجر.. وهذا ما سنراه قريباً
عنجر سقطت لأنها كانت واضحة. خرج الناس في 14 آذار وقالوا "سوريا برا".
عوكر لن تسقط بهذه السهولة، لأنها احتلال بتصفيق داخلي.
ما سنراه في الأشهر القادمة إذا استمر هذا المسار هو:
1. منسق أمني أمريكي في بيروت مثل الموجود في رام الله، هو من يقرر أين ينتشر الجيش اللبناني.
2. حاكم لمصرف لبنان معين أمريكياً مهمته الوحيدة تنفيذ العقوبات على أي لبناني يحاول إعمار بيته في الجنوب.
3. شركة أمنية أمريكية خاصة (بلاك ووتر جديدة) تستلم أمن الحدود بدلاً من الجيش.
4. تطبيع قسري مع إسرائيل تحت اسم "اتفاقية أمنية" تفرضها عوكر.
هذا ليس تحليلاً، هذا ما تطلبه عوكر اليوم في الاجتماعات المغلقة.
الخلاصة: من يهتف ضد عنجر ويسكت عن عوكر فهو منافق
لا يمكن أن تكون ضد الاحتلال السوري وضد الوصاية السورية، وتكون مع الاحتلال الأمريكي والوصاية الأمريكية.
الاحتلال احتلال، سواء جاء من عنجر بدبابة أو من عوكر بدولار.
لبنان اليوم محتل. ليس من إسرائيل فقط في التلال الخمس، بل من أمريكا في القرار السيادي كله.
الذين هتفوا "سوريا برا" عام 2005، عليهم اليوم أن يهتفوا "أمريكا برا"، وإلا فإنهم لم يكونوا ضد الاحتلال، بل كانوا ضد جنسية المحتل فقط.
انتقلنا من عنجر إلى عوكر. من وصاية وقحة إلى وصاية وقحة ومهينة. من احتلال يسرق سيادتك إلى احتلال يسرق سيادتك ويشتمك ويطلب منك أن تشكره.
وهذه هي الحقيقة القاسية التي لا يريد أحد أن يقولها: لبنان اليوم ليس دولة ذات سيادة. لبنان اليوم ملحق أمني تديره سفارة في عوكر، تماماً كما كان ملحقاً أمنياً تديره ثكنة في عنجر.
الفرق أننا في عنجر كنا نعرف أننا محتلون. في عوكر، أوهمونا أننا أحرار.