الاخبار:: ابراهيم الأمين الجمعة 16 تشرين اول 2026
ليست المسألة ازدواجية في السلوك، بل عملية احتيال كبرى يقودها رئيس الجمهورية جوزيف عون ومساعده الحكومي نواف سلام. فالرجلان يبدوان عاجزين عن اتخاذ أي خطوة. لا المفاوضات والتنازلات أمام العدو حققتا نتيجة تُذكر، ولا تنفيذ الإملاءات الأميركية والسعودية في الداخل أتاح لهما تعزيز سلطتهما. وفي موازاة ذلك، انقطع الحبل الرابط بين أعضاء حكومة تكاد تكون مستقيلة من أداء دورها، فيما لم يقدّم أطراف الوصاية أي دعم لسلطة تمضي في إعداد موازنات تقوم على فرض المزيد من الضرائب، بينما يحمي رئيس الجمهورية أركان القطاع المصرفي الساعين إلى الإفلات من العقاب. وبدلاً من مراجعة حصيلة عامين تقريباً من الحكم، يمضي عون وسلام في وضع نفسيهما والبلاد تحت تحت العصا الخارجية، التي ردّت على مطالبهما بالدعم بمطالب إضافية، وصولاً إلى ممارسة ضغط استثنائي على قيادة الجيش اللبناني لدفعها إلى خطوات قد تفتح الباب أمام مواجهة تهدّد السلم الأهلي.
بدأ المسلسل بعد زيارة عون للولايات المتحدة، وعودته منها محمّلاً بكلام معسول سمعه من الرئيس دونالد ترامب، وبوعد بإطلاق مسار يتيح لشركات الطيران الأميركية العمل، وهو وعد يتطلّب تنفيذه إخضاع لبنان لدفتر شروط لا يبدو أن له نهاية. ومع مرور الوقت، بدأ عون يدرك أن الأمور أكثر تعقيداً. وحتى اجتماع العمل الذي عقده مع وزير الخارجية ماركو روبيو، لم يخرج منه سوى بمحاضرة حول كيفية تعامل السلطة اللبنانية مع التزاماتها.
وفي محاولة لتنفيس ما وصفه فريقه بالاحتقان الأميركي، لم يجد عون ضالّته إلا في مقالة نشرها مستشاره جان عزيز في مجلة أميركية مغمورة، خاطب فيها من افترض أنهم أعضاء في النادي المؤثّر داخل الولايات المتحدة. لكن المقالة انتهت إلى نتيجة معاكسة، إذ بدا أن واشنطن، التي لا تريد نقاشاً في مسألة الانسحاب الإسرائيلي، لا تملك للسلطة اللبنانية سوى مطلب واحد: اذهبوا وانزعوا سلاح حزب الله، ولو بالقوة. وهذا ما تولّى المدير الجديد لمحطة الاستخبارات العسكرية الأميركية في بيروت إبلاغه إلى مسؤولين سياسيين وأمنيين، مستغرباً إحجام السلطة عن مواجهة حزب الله، حتى لو أدّى الأمر إلى حرب أهلية!
أما في الجانب السعودي، فلم يتوقف الموفد يزيد بن فرحان عن الحديث عن ضعف أداء السلطة السياسية في لبنان. لكن مطالبه تجاوزت تعيين نائب عام تمييزي، أو رئيس لجهاز أمني، أو مدير في إحدى الوزارات، أو حتى تعطيل تعيين مدير للكونسرفتوار الوطني، لأن مرشّحة شقيقة ولي العهد السعودي يجب أن تبقى في موقعها. بل وسّع ابن فرحان معركته ضد من يعدّهم خصوماً، مطالباً باستبعاد كل موظف من الفئة الأولى يمكن اعتباره محسوباً على تيار المستقبل، وطلب «تطهير» السراي الكبير من «أتباع سعد الحريري». وفي الوقت نفسه، كان يصرّ، مع الجانب القطري، على أن يبادر لبنان إلى خطوات عملية لتحسين علاقته بسوريا، من خلال إطار، جعل الأمن في لبنان يعمل في خدمة السلطة السورية الجديدة، حيث تتواصل عملية مُطاردة كل خصوم إدارة الرئيس أحمد الشرع، واختطاف مواطنين سوريين كانوا يعملون في مؤسسات الدولة السورية قبل سقوط النظام، وتسليمهم فوراً إلى النظام الجديد، إمّا من خلال آلية التنسيق التي أُقرّت على شكل معاهدة، أو من خلال عمليات أمنية وهمية.
وفيما كان عون وسلام ينتظران مبادرة سعودية أو خليجية تتضمن دعماً مالياً يساعد على زيادة إنتاج الطاقة، كان موسم الفواكه الصيفي يتكدّس لدى المزارعين، فيما لا يزال السعوديون ممنوعين من زيارة لبنان. أما برامج الدعم المفترضة للدولة، فعاد ابن فرحان ليربطها بتنفيذ الإصلاحات التي يقول صندوق النقد الدولي إن لبنان لم ينجزها، مع ضغط كبير لعدم التجاوب مع أي مبادرة من قبل دولة الإمارات، وعدم فتح الأبواب أمام رجال أعمال من الإمارات أو قطر للاستثمار في لبنان، وفوق ذلك، يطلب الأميركيون والسعوديون، من جهتهم، ويلتزم عون وسلام من جهتهما، بتعطيل أي قرار تنفيذي يساعد على إعادة الإعمار.
إذ يؤكد وزير المالية ياسين جابر أنه ينتظر قراراً من عون وسلام لصرف نحو 35 مليون دولار موجودة في الخزينة العامة لدعم الإعمار، فيما يرفض سلام مراسلة الجامعة العربية لتسليم مبلغ 20 مليون دولار دفعها العراق لمصلحة إعادة الإعمار، كما يمتنع عن المضي في أي إجراء تنفيذي لاستخدام 75 مليون دولار أُقرّت في باريس، كذلك يضع الرجلان العراقيل أمام استخدام قسم من قرضٍ للبنك الدولي في مجال الإعمار والإغاثة.
بدل أن توفّر أميركا والسعودية لسلطتهما في لبنان دعماً عملانياً تطالبان بالمزيد من الخطوات التنفيذية ضد المقاومة ولو كان الثمن حرب أهلية في لبنان
وفجأة، بدا أن طرفَي الوصاية الخارجية، الأميركي والسعودي، ومعهما أركان السلطة في بيروت، إلى جانب مجموعة من السياسيين والنواب، شعروا بأن الأمور قد تفلت من بين أيديهم. وبدلاً من أن يبادروا إلى خطوات عملية مُخالِفة لمسارهم السابق، عادوا إلى الهجوم على المقاومة وحزب الله. وتصرّفت الإدارة الأميركية بشيء من «الجنون» إزاء المعلومات التي سُرّبت قبل أسبوعين عن نية حزب الله تقديم مساعدات مالية للنازحين.
وبعدما بادرت الخارجية الأميركية إلى نفي التقارير عن وصول دعم مالي إيراني إلى لبنان، وغامرت - في خطوة غير مسبوقة - بنشر إعلانات لا علاقة لها بالواقع، جاء المؤتمر الصحافي لرئيس المجلس التنفيذي في حزب الله الشيخ علي دعموش وإطلاق خطة الإيواء، كسكب دلو بارد على الرؤوس الحامية، فانطلقت حملة قادتها الخارجية الأميركية نفسها، والتي بادرت إلى التواصل مع وسائل إعلام لبنانية وعربية لإشاعة أجواء تنفي دخول أموال إلى لبنان، فيما راحت سفاراتها في بيروت ودمشق وبغداد وأنقرة تستقصي الإجراءات المتّخذة لمنع تهريب الأموال إليه.
وفي هذه الأثناء، أبلغ حاكم مصرف لبنان كريم سعيد السلطة السياسية بأنه مضطر إلى الالتزام بطلب وزارة الخزانة الأميركية سحب ترخيص بنك صادرات إيران، رغم أن الأخير لم يعد ضمن النظام المصرفي منذ وقت طويل.
وبعدها، جاءت قصة شاحنة المتفجّرات التي أوقفت على طريق البقاع - بيروت، لتفتح شهية الأميركيين وجماعتهم في لبنان، على إطلاق حملة شيطنة جديدة ضد المقاومة. ومع أن المعلومات حول الشاحنة جاءت من جهة استخباراتية أجنبية، حصلت عليها من الجانب الإسرائيلي، فإن من أوقفها لم يكن يعرف أن الجوقة كانت جاهزة، لإطلاق الاتهامات بأن المتفجّرات كانت تُرسل لتنفيذ عمليات اغتيال في بيروت، ولوضعها في إطار أوسع.
وتطوّع، على عادته، حزب الكتائب، مُمثّلاً بوزير العدل عادل نصار، كي يجعل منها قضية أمن قومي طالباً إحالتها على المجلس العدلي، وفي ظنّه، أن هذا يسمح بملاحقة قيادة حزب الله بكل عناصرها في وقت لاحق، علماً أن اللجنة الأمنية في الحزب، كانت بادرت بعد ساعات على توقيف الشاحنة إلى التواصل مع الجهات الأمنية والقضاء العسكري والجيش، وإبلاغها أن الشاحنة تخصّ المقاومة، وأنها من ضمن الاستعدادات الطبيعية للمقاومة في مواجهة الاحتلال... وكاد الأمر أن يتجه صوب مستوى من التوتر غير المسبوق، قبل أن يبادر الرئيس نبيه بري إلى مُهاتفة سلام، والطلب إليه تجاهل مشروع وزير العدل، وهو ما وعد سلام بتنفيذه.
على أن كل ذلك، لا معنى له، خارج مناخ التوتر القائم في الإقليم، حيث الجميع يعيش على أعصابه، وسط توقّعات متضاربة حول ما يمكن أن يحصل بين لحظة وأخرى، مع اشتداد الحملة داخل الولايات المتحدة وبدعم منقطع النظير من قبل إسرائيل لمعاودة الحرب على إيران، فيما يستعدّ بنيامين نتنياهو لمزيد من عمليات القتل في أي مكان، لمجرّد أن ذلك يُبقيه في السلطة، ويبقي كيانه في حالة استنفار!
ثمّة رسالة لا يبدو أن أهل السلطة قد تلقّوها بصورة جيدة، أو ربما فهموا الأمر على غير حقيقته، وهي أن هذه الطريقة من التصرف، لا تمنع الحوار فقط، بل تقود البلاد إلى حيث يُفترض بهم، أن يخافوا على الاستقرار العام، ليس لحماية سلطتهم المهترئة، بل لمنع أخذ اللبنانيين إلى مغامرات لا قدرة لهم على تحمّل نتائجها... ومع ذلك فإن الجميع من أركان الحكم وسياسيّي سلطة الوصاية، يصرّون على استفزاز المقاومة، من أجل اختبار قدرتها على الصبر، لكن، مع أمل أن تعود إسرائيل لشن الحرب من جديد... وهو ما قاله صراحة سمير جعجع أمام منتدى بحثي أميركي قبل أيام، حيث واصل تبريره للعدوان، وقوله صراحة: إن مسار المفاوضات لا يمكن أن يصل إلى مرحلة الانسحاب الإسرائيلي، إلا بعد تفكيك حزب الله كلّه!

