❗️صدى الولاية | خاص❗️بقلم: فتحي الذاري
الأحواض المائية في اليمن شريان الوجود واستدامة المستقبل.. نحو رؤية وطنية لحماية الأمن المائي والغذائي
تُعد الأحواض المائية، السطحية والجوفية، من أهم الموارد الاستراتيجية التي تقوم عليها الحياة والتنمية. وفي ظل التغيرات المناخية المتسارعة والنمو السكاني المتزايد في اليمن، لم تعد قضية المياه مجرد شأن بيئي، بل أصبحت قضية أمن وطني ترتبط باستقرار المجتمع والسيادة الاقتصادية ومستقبل الأجيال القادمة.
الأحواض المائية ركيزة الأمن الغذائي
تمثل الأحواض المائية العمود الفقري للأمن المائي والزراعي في اليمن، باعتبارها المصدر الأساسي لمياه الشرب وري الأراضي الزراعية، ولا سيما في المناطق الجافة وشبه الجافة التي تعتمد بصورة كبيرة على المخزون الجوفي.
إن حماية هذه الأحواض واستدامتها تسهم في استقرار الإنتاج الزراعي وتعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج. فكل قطرة مياه تُحفظ في باطن الأرض تشكل رصيداً استراتيجياً لاستمرار النشاط الزراعي والإنتاج النباتي والحيواني.
الاستنزاف والتلوث.. تهديد مزدوج
تواجه الأحواض المائية في اليمن تحديين رئيسيين، هما الاستنزاف الجائر والتلوث.
فالحفر العشوائي للآبار وضخ المياه الجوفية بمعدلات تتجاوز قدرتها على التجدد، خصوصاً لأغراض ري القات، يؤديان إلى تراجع مستويات المياه وجفاف بعض الآبار أو تملحها وفقدان صلاحيتها للاستخدام.
وفي المقابل، يشكل التلوث الناتج عن النفايات الصناعية وتسرب مياه الصرف الصحي والاستخدام المفرط للمبيدات خطراً مباشراً على جودة الموارد المائية.
وتتطلب مواجهة هذه التحديات تطبيق التشريعات المنظمة لاستخدام المياه، وفرض إجراءات حماية حول مصادرها، والحد من الممارسات التي تهدد المخزون الجوفي.
الحصاد المائي.. استراتيجية لإعادة الحياة إلى الأرض
مع تراجع معدلات الأمطار في بعض المناطق وارتفاع الطلب على المياه، تبرز أهمية تعزيز تغذية الأحواض الجوفية عبر مشاريع الحصاد المائي.
وتشمل هذه المشاريع إنشاء السدود والحواجز المائية وصيانة المدرجات الزراعية، بما يساعد على الاستفادة من مياه الأمطار والسيول، وإبطاء جريانها وإتاحة الفرصة لتسربها إلى التربة وتغذية الخزانات الجوفية حيث تسمح الظروف الجيولوجية بذلك.
إن تحويل مياه السيول إلى مورد يدعم الزراعة والمياه الجوفية يمثل أحد المسارات الضرورية لبناء إدارة مائية مستدامة في اليمن.
ترشيد الاستهلاك والحوكمة المائية
تتطلب حماية الموارد المائية اعتماد رؤية وطنية تقوم على ثلاثة محاور أساسية:
أولاً: تحديث أساليب الري، والتوسع في استخدام تقنيات التنقيط والرش والوسائل المناسبة للمحاصيل المختلفة، بما يحد من الهدر ويرفع كفاءة استخدام المياه.
ثانياً: تعزيز الرقابة والحوكمة عبر الاستشعار عن بُعد والتقنيات الحديثة لمتابعة استهلاك المياه وتنظيم حفر الآبار وضمان الاستخدام العادل للموارد.
ثالثاً: نشر الوعي المجتمعي وترسيخ ثقافة الحفاظ على المياه باعتبارها ثروة وطنية وحقاً مشتركاً للأجيال الحالية والقادمة.
الماء أمانة وطنية ومسؤولية مشتركة
إن اليمن بحاجة إلى إدارة رشيدة لما يمتلكه من موارد مائية، وإلى سياسات تحفظ المخزون الجوفي وتمنع استنزافه وتلوثه.
فالحفاظ على الأحواض المائية ليس مجرد إجراء تقني أو بيئي، بل مسؤولية وطنية وأخلاقية تتحملها الدولة والمجتمع معاً، وتتطلب تخطيطاً طويل الأمد وتشريعات فاعلة ومشاركة مجتمعية واسعة.
واليوم يقف اليمن أمام خيار مصيري: إما حماية موارده المائية وإدارتها بصورة مستدامة لضمان مستقبل زراعي واقتصادي أكثر استقراراً، أو استمرار الاستنزاف بما يحمله من مخاطر الجفاف وتراجع الإنتاج وتفاقم الأزمات المعيشية.
إن الحفاظ على قطرة الماء هو حفاظ على الحياة وعلى حق الأجيال القادمة في أرض قادرة على العطاء.
حفظ الله اليمن أرضاً وإنساناً.