logo on medium devices
موقع صدى الولاية الاخباري
السبت 10 أكتوبر 2026
23:15:51 GMT

عسكرة اللغة روان حرشي تكشف دور اللغة العبرية في حرب الوعي الإسرائيلية واختراق الإعلام العربي

عسكرة اللغة   روان حرشي تكشف دور اللغة العبرية في حرب الوعي الإسرائيلية واختراق الإعلام العربي
2026-10-09 10:04:51

صدى الولاية | في مقال نشرته جريدة «الأخبار» اللبنانية، اليوم الجمعة 9 تشرين الأول 2026، بعنوان «عسكرة اللغة»، تتناول الكاتبة روان حرشي، من وجهة نظرها، العلاقة بين تطور اللغة العبرية الحديثة وبناء الخطاب السياسي والعسكري الإسرائيلي، مستعرضة الدور الذي أدّته المؤسسات التعليمية والعسكرية والإعلامية في تشكيل المصطلحات وتوجيه الإدراك العام.

وترى الكاتبة أن اللغة لم تكن مجرد وسيلة للتواصل، بل تحولت، بحسب تحليلها، إلى إحدى أدوات الصراع على الرواية والشرعية والتأثير في الرأي العام، ضمن ما تصفه بـ«حرب الوعي».

كما يتضمن المقال عرضًا لوثائق وتقارير تاريخية تتناول أنشطة الوكالة اليهودية وعلاقاتها ببعض الصحف والصحافيين في لبنان وسوريا ومصر خلال فترة الانتداب، مستندًا في هذا الجزء إلى دراسة للباحث بدر الحاج.

وفي ما يلي نص المقال كما ورد في جريدة «الأخبار»، مع التأكيد أن الآراء والتحليلات والاتهامات والاستنتاجات الواردة فيه تعبّر عن وجهة نظر الكاتبة والمصادر التي تستند إليها.

عام 1879، وقبل ثمانية عشر عاماً من عقد المؤتمر الصهيوني الأول، كتب أليعازر بن يهودا ــ الشخصية التي قادت مشروع إحياء اللغة الإسرائيلية لتكون لغة حديثة ــ مقاله تحت عنوان «السؤال الملحّ». الشاب العشرينيّ المتأثر بسقوط الإمبراطوريات الأوروبية ونهوضها كدول، ناقش في مقاله الفلسفيّ فكرة نشوء الدول، والعناصر الأساسية التي تحتاجها أيّ دولة لتحافظ على وجودها، ليخلص في نهاية مقاله إلى عنصر اللغة كأحد أهم العناصر في بناء الدولة. اللغة التي دعا الشاب اليهوديّ إلى إحيائها كعنصر يسبق الحديث عن الأرض والكيان. المقال بدا عادياً في ظاهره حينها، قضية فلسفية في زمن نشوء الدول التي نعرفها بشكلها اليوم، لكنه كان بمثابة اللبنة الأولى لتأسيس أداة ستؤدي لاحقاً دوراً محورياً في بناء السردية الإسرائيلية.

هناك، أدرك بن يهودا، أنه رغم ضرورة إحياء اللغة العبرية لبناء التاريخ والأيديولوجيا المشتركين «لإسرائيل»، إلا أن العبرية كانت قاصرة تماماً بنظره عن مواكبة العصر، كونها لغة قديمة مستمدّة من النصوص الدينية. وبينما كان يناقش مخططاته لإغناء الأدب العبري، اصطدم بن يهودا بحاجز أساسي: فالنصوص المتوارثة لم تكن تمتلك المفردات اللازمة للتعبير عن تفاصيل الحياة اليومية.

وبدافع من طموحه لجعل العبرية «لغته الطبيعية والدائمة»، بدأ في جمع واشتقاق كلمات عملية بدقة، وقد وُلدت بذلك النواة الأولى لقاموسه الشهير. وقد تحول هذا المسعى لاحقاً إلى جهود مشتركة، بين مجموعة باحثين في علم اللسانيات، ثم تحول إلى منهج يخدم مشروعاً سياسياً أدرك مبكراً أن بناء كيان جديد يتطلب أولاً لغة حية قادرة على التأثير، وبناء الأيديولوجيا المشتركة.

القصة إذاً لا تتعلق بمجرد إحياء لغة، لأن صياغتها تحولها إلى وسيلة تواصل مشتركة، وقد بدأت هذه اللغة المُحدَّثة تتسلّح تدريجياً بمفردات أكثر تخصصاً؛ كلمات صُمّمت بعناية لتضمّ مفاهيم الحرب، التجييش العسكري والدعوة للهجرة إلى أرض الميعاد. وفي نهاية المطاف، فإن شكلت الكلمات اليومية التي بدأ بن يهودا بجمعها، الأساس الذي بُنيت عليه الترسانة اللغوية الإسرائيلية؛ إحدى الأدوات البارزة اليوم في خوض «حرب الوعي»، والوسيلة التي تُهندس بها السرديات الإعلامية للسيطرة على المعنى وتوجيه الإدراك العام.

اللغة وهندسة الإدراك

توفّر لنا اللّغة المفردات التي نستطيع عبرها فهم تجاربنا والتعبير عنها، تستطيع حتى أن تشكل إدراكنا لما يدور حولنا من أحداث. بل وأبعد من ذلك، فهي تسمح لنا بفهم هذه الأحداث وإعطائها الأبعاد التي تشكل وعينا لها. ولا ندّعي هنا أن هذه اللغة قادرة بمفردها على السيطرة التامة على تفكيرنا، ولا أن وجود مصطلحات معينة في خطاب ما، يعني حكماً أنها اخترقت عقول المتلقين أو غيرت قناعاتهم. لكنّها أداة تعيد تعريف الواقع بشكل أو بآخر.

في عالم الاتصال السياسي، تأخذ هذه الفكرة شكل ما يُعرف بـ«التأطير» (Framing). وتعتمد هذه النظرية ببساطة على انتقاء جوانب محددة من الواقع وتسليط الضوء عليها بكثافة، بهدف توجيه الجمهور نحو تعريف معين للمشكلة، وتفسير أسبابها، بل وتحديد الحلول المقبولة لها. ومع ذلك، فإن مجرد صياغة هذه الرسالة مع بثّها لا يضمن أن يتبناها الجمهور كحقيقة مطلقة.

لذلك، فإن القضية الجوهرية هنا لا تتعلق بغسل الأدمغة المباشر، بل ببناء «ترسانة» من المصطلحات والخيارات اللغوية الجاهزة للاستخدام. على سبيل المثال، حين يُطلق على حدث ما في الجريدة وصف «معركة» بدلاً من «خلاف سياسي»، فإن هذا يفرض مسبقاً عدسة معينة لقراءة الحدث، حتى وإن ترك للمتلقي مساحة للرفض أو السخرية أو إعادة التفسير.

المسألة التاريخية الأهم في السياق الإسرائيلي ــ والتي تشكل العصب الرئيسي لـ«حرب الوعي» الإسرائيلية ــ تكمن في الكيفية التي تتحول بها هذه المصطلحات الموجّهة إلى لغة جماعية مألوفة. يحدث ذلك عبر تبنيها وتعميمها عبر مؤسسات الدولة والجيش والإعلام، وضخها بتكرار ممنهج في المجتمع، لتتحول مع مرور الوقت من مجرد «توصيف» إلى الطريقة «الطبيعية» والبديهية لوصف الواقع المعقد.

الإسرائيلية كبنية تحتية للمشروع القومي

مقال بن يهودا ليس سوى تفصيل صغير في تحول أضخم بكثير من كاتبه. فالرواية «الأسطورية» التي تصور بطلاً وحيداً أحيا لغة فتبعته أمة بأكملها، هي رواية تفتقر للواقعية. ففي حين أدى بن يهودا دوراً هاماً كمحفز وصانع قواميس، إلا أن الانتقال الحقيقي للعبرية اعتمد على شبكة معقدة ومترابطة من التطورات الأدبية، والتعليمية، والمؤسسية، والاجتماعية.

لم تُخلق الإسرائيلية الحديثة من عدم؛ بل خضعت نصوصها القديمة والمتوارثة من النصوص الدينيّة العبريّة لعملية توسيع ممنهجة لتلبي متطلبات التعبير الحديث، وذلك عبر حركة نشطة في الأدب والترجمة. وقد تضافرت جهود المدارس والمعلمين، والكتاب والمؤسسات العامة، لجعل هذه اللغة صالحة للاستخدام في مجالات مختلفة في أرض الاستيطان لحين إقرارها كلغة رسمية من قبل الاحتلال البريطاني عام 1922. ومع توالي الأجيال، تحولت هذه اللغة المُصنّعة إلى لغة طبيعية وعادية. فكانت العملية بمثابة تزاوج بين التوجيه المؤسسي الواعي والتبني المجتمعي التدريجي.

ولفهم كيف تتدخل المؤسسات لهندسة هذا التطور، يمكن النظر إلى مثال مبكر يعود للعام 1919. يومها، طلبت للجنة الصهيونية التي شكلت الحكومة الصهيونية الأولى في الأرض المحتلّة، بتفويض من بريطانيا وبقيادة حاييم وايزمان (أوّل رئيس للكيان)، توجيه الأفراد اليهود في الجيش البريطاني للتحدّث بالعبرية، واستناداً إلى قاموس يضم مئة كلمة عبرية تعود إلى القاموس العسكري أعدّها زئيف جابتونسكي (أحد أبرز الزعماء الصهاينة).

ومع الوقت، والجهد التراكمي، صُنعت البنية التحتية للغة الإسرائيلية؛ فتحولت إلى بناء متماسك، تدعمه النصوص والمؤسسات والتعليم، ليصبح قادراً على احتضان أنشطة أكثر تعقيداً وتخصصاً. ولا يعني نجاح هذه البنية خلق مجتمع متطابق أيديولوجياً، بل توفير «ساحة مشتركة» تصاغ فيها المفاهيم الجماعية، كما الدفاع عن المصالح كما يراها الصهاينة.

وهنا يبرز البعد الأهم، فعلى أساس هذه البنية التحتية اللغوية الراسخة والموحَّدة مؤسساتياً، ستقوم الأجهزة الأمنية والعسكرية لاحقاً ببناء قواميسها الخاصة. في هذه المساحة المشتركة، طُوّرت المصطلحات العسكرية، وصِيغت مفردات الحروب وتسمياتها؛ لتصبح اللغة ذاتها أحد أبرز الأسلحة في صياغة السرديات، وقد عزّزت الخدمة الإجبارية للإسرائيليين على تطبيع القاموس العسكري داخل كل منزل في فلسطين المحتلّة.

لغة الثكنات في كل مكان

تخضع اللغة العسكرية في كيان العدو، لعملية «صيانة» وتحديث مؤسسي دؤوب. ويحرص جيش الاحتلال، على إصدار وتحديث قواميس خاصة بمصطلحاته ومختصراته لتواكب التغيرات التكنولوجية والتنظيمية. وهو جهد لا يقتصر على العمل التوثيقي الروتيني، بل هو تقنين متعمد لـ«لغة الحرب».

لكن ما هو أهم من القواميس العسكرية، هو معرفة كيفيّة تسرب لغة الثكنات هذه إلى الحياة اليومية، لتشكل الإدراك العام وتغذي «حرب الوعي» داخلياً؟ وقد شغلت هذه الفكرة الأوساط الإسرائيليّة، وخصّصت لها دراسات في علم اللسانيات. وفي دراسة مطوّلة له، يشرح العالم الإسرائيلي روفيك روزينثال كيف يحدث هذا الانتقال من الحياة العسكريّة للمدنيّة عبر تحويل المصطلحات العسكرية إلى استعارات يومية مألوفة.

تضافرت جهود المدارس والكتاب والمؤسسات لجعل اللغة العبرية الحالية صالحة للاستخدام في أرض الاستيطان لحين إقرارها كلغة رسمية

نأخذ مثلاً مصطلح «الاستنفار» (כוננות - كونِنوت)؛ والذي يستخدم لوصف جاهزيّة الفرق العسكرية، لكنه يُستخدم أيضاً لتنظيم عمل المستشفيات أو فرق الإطفاء، مصطلح «الاستعداد لتلقي الضربة» (כוננות ספיגה - كونِنوت سفيجا) الذي وُلد في الخنادق تحسباً للقصف، لكنه بات يُستخدم في إسرائيل لوصف الخسائر المتوقعة في سوق الأسهم، مصطلح «تشكيل الفرق» (גיבוש – غيبوش)، وهو مفهوم عسكري يتعلّق بتشكيل المجموعات وتعزيز تماسكها، لكنّه نفسه يستخدم في تشكيل المجموعات في المدارس وأماكن العمل. مثال آخر على هذا التوظيف أيضاً، مصطلح «إطلاق النار داخل ناقلة الجند» (לירות בתוך הנגמ״ש - ليروت بتوخ هنجماش) والذي بات يُستخدم لوصف الخلافات السياسية الداخلية عبر القنوات الإخبارية الإسرائيلية.

يكشف تتبّع استخدامات هذه المصطلحات عن مسار معقد تُعسكر فيه المفردات المدنيّة بامتياز. ورغم أن هذا لا يعني بالضرورة تحول كل إسرائيلي إلى جندي، إلا أنه يبني «ترسانة أمنية لغوية» حاضرة بقوة في الفضاء العام. وهذا هو جوهر العمل في «حرب الوعي»: هندسة لغة يومية تجعل من حال التهديد، والخطر، والاستعداد العسكري، العدسة البديهية والوحيدة التي يقرأ عبرها المجتمع واقعه ومحيطه.

الإسرائيلية في الخطاب الدولي

في الساحة الدولية، تتجلى خطورة المصطلحات بشكل صارخ؛ فالصراع على تسمية الأحداث هو في جوهره صراع على الشرعية. حين تصرّ الماكينة الإسرائيلية، على سبيل المثال، على استخدام مصطلح «المنطقة الصفراء» بدلاً حتى من التوصيف العسكريّ المعتمد في مثل هكذا حالات كاستخدام مصطلح «المنطقة المسيطر عليها عسكرياً»، فهي تحاول شرعنة الاحتلال بحدّ أبعد حتى من الاعتراف التقليدي بسيطرة قوّة عسكريّة على حدود جغرافيّة ضمن الحرب، لتظهر بمصطلحات تقنية محايدة وتدفع المتلقي إلى النظر إلى الأرض من زاوية ترتيبات جيش الاحتلال الإسرائيلي، وتبعد عن الصّورة كليًاً سيادة البلد وحدود سكانه.

هذا التأطير اللغوي لم يُترك للصدفة. فمع تراجع فاعلية أدوات الدبلوماسية «المدنية» الإسرائيلية، تولّت المؤسسة العسكرية زمام المبادرة في قيادة الدعاية الإسرائيلية أو ما يُعرف بـ«الهاسبارا». تحول الجيش إلى الراوي الأساسي الذي يخاطب العالم، ليطبع التواصل الدبلوماسي بطابع عسكري واضح. ورغم أن هذا النهج لم يضمن دائماً النجاح في إقناع الجمهور الأجنبي، إلا أنه يؤكد هيمنة المؤسسة الأمنية على هندسة الصورة الإسرائيلية.

لعلّ التعبير الأكثر فجاجة عن هذا المنطق، جاء على لسان بنيامين نتنياهو في خطابه الأخير أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (24 أيلول/سبتمبر 2026)، وبعد أن استعرض «الجبهات السبع» التي يقاتل فيها جيشه (من غزة ولبنان، مروراً باليمن وسوريا والعراق وإيران، وصولاً إلى الضفة الغربية)، أعلن صراحة عن وجود «جبهة ثامنة» سمّاها «الحرب من أجل الحقيقة»، ويبدو أن «الحرب» هي كلّ ما يريد رؤيته نتنياهو، وما يريد لشعبه أن يراه.

المسافة الفاصلة بين مقال بن يهودا، وبين منصة الأمم المتحدة التي وقف عليها نتنياهو، لا تمثل مجرد خط زمني أو تسلسل سببي، بل تختزل مساراً كاملاً تطورت فيه اللغة عبر ثلاثة مستويات متداخلة: بدأت كأداة أساسية لفهم الواقع والتعبير عنه، ثم تحولت إلى «بنية تحتية قومية» تتدفق عبرها المعاني وتُصنع عبرها السرديات، لتصبح اليوم ساحة اشتباك حقيقية في المعركة الدولية على الشرعية وتوجيه الإدراك، أي أنه ببساطة، ما سمّاها نتنياهو حرباً على الحقيقة، ما هي إلا حرب صهيونيّة مستمرّة لتحريف الحقيقة.

كيف اخترقت الوكالة اليهودية إعلام بلاد الشام؟

في سياق معركة الصهاينة على تثبيت صورة إسرائيل حتى قبل قيامها، كان العمل جارياً بقوة على الرأي العام. وكل الجهد الذي يندرج في جبهة الوعي، كان قائماً بقوة منذ نحو مئة سنة في منطقتنا. وننشر في ما يلي، بتصرف، موجزاً عن الدراسة المطولة للباحث بدر الحاج، والتي تستند إلى وثائق وتقارير صادرة عن مصادر رسمية ومرجعية في فرنسا وكيان الاحتلال، والتي تعطي فكرة عن طبيعة النفوذ الذي أقامته الوكالة اليهودية بين العاملين في الصحافة العربية عموماً، واللبنانية على وجه الخصوص.تفضح التقارير الأمنية التي تعود إلى مدة الاحتلال الفرنسي لسوريا، بعض أصحاب الصحف اللبنانية وعلاقتهم المالية بالوكالة اليهودية. وكيف تصرفت في معركتها الإعلامية لاكتساب الأوساط العربية منذ بدء الاستيطان في فلسطين. وتحفل الوثائق الديبلوماسية الفرنسية، وبصورة خاصة التقارير الأمنية منها، بمعلومات عن تقاضي أصحاب الصحف أموالاً من الوكالة اليهودية مقابل نشر أخبار أو مقالات ترسلها الوكالة إلى تلك الصحف. وتتقاطع معلومات الفرنسيين مع مذكرات إلياهو ساسون الذي كان يتولى مسؤولية مدير القسم العربي في الوكالة اليهودية.

ويقول التقرير إن «توفيق مزراحي، وهو صحافي يهودي أصله من دمشق أصدر في بيروت صحيفةً باللغة الفرنسية اسمها «Commerce du Levant» (تجارة المشرق). وفي عام 1929، أتى إلى بيروت يهودي من القدس اسمه جاكوب فرانكو Jacob Franco، وهو محرر سابق في صحيفة «دوار حايوم» العبرية، واضعاً نفسه تحت تصرف اللجنة الصهيونية التي أرسلته إلى بيروت، حيث اهتم ظاهرياً بتحرير صحيفة «تجارة المشرق». وكان العمل ذريعة، لأنّ فرانكو هو في الحقيقة عميل اللجنة الصهيونية في بيروت. ويمكن تأكيد ذلك لأنه يؤدي دوراً نشيطاً في تهريب السلاح من لبنان إلى فلسطين.

ويشير تقرير فرنسي صادر عن إدارة جهاز المعلومات في الشرق بتاريخ 17 تموز 1930 ويحمل الرقم 1597، إلى معلومات عن لقاء خير الدين الأحدب صاحب جريدة «العهد الجديد»، الذي تولى عام 1937 رئاسة مجلس الوزراء، مع ممثل الوكالة اليهودية حاييم غالفارسكي.

وفي اليوم التالي يوضح تقرير آخر بعنوان «نشرة معلومات رقم 1626» صادر أيضاً عن الأمن العام، وبتوقيع من المفتش العام للشرطة في بيروت، الدور الذي أُنيط بالأحدب، الذي تم تجنيده ليس للعمل الإعلامي فقط، بل للعمل لمصلحة الوكالة اليهودية أيضاً. وجاء في التقرير: «لقد فشلت فشلاً ذريعاً الخطوة التي قام بها خير الدين الأحدب لدى لجنة الشبيبة الإسلامية في بيروت، والتي هدفت إلى حثّ تلك اللجنة على أن ترسل إلى مسلمي فلسطين نصائح باعتدال يمكن أن تؤدي إلى مصالحة بين الصهاينة والعرب».

وفي تقرير مماثل يحمل الرقم 558 صادر من بيروت بتاريخ 7 آب 1930 تفاصيل عن لقاء آخر مع الأحدب جاء فيه ما يأتي: «بلغني أن الوكيل الصهيوني توفيق مزراحي قد سلم الأسبوع الماضي لخير الدين الأحدب مدير «الشرق الجديد» 40 ليرة فلسطينية أرسلتها اللجنة الصهيونية في القدس. كما يذكر التقرير أن اللجنة الصهيونية تولي اهتماماً بالصحف اللبنانية - السورية من أجل حملتها الدعائية، وهي صحف واسعة الانتشار في البلدان العربية، أكبر ممّا توليه للصحف الفلسطينية ذات الانتشار المحدود».

وأشار تقرير آخر صادر عن إدارة جهاز المعلومات في المشرق بتاريخ 30 آب 1930 إلى الآتي: «حالياً، يسعى كلٌّ من سليم هراري ويوسف فارحي، وهما وجيهان يهوديان من بيروت ووكيلان في هذه المدينة للوكالة اليهودية في القدس، إلى اجتذاب صحيفتين جديدتين في بيروت إلى القضية الصهيونية، وهما «الأحرار» و»الراصد». وبلغني أنّ هراري وفارحي قد تلقيا لهذا الغرض مبالغ كبيرة من الوكالة اليهودية. في الوقت نفسه، بلغني أنهما تلقيا مبلغاً قدره 50 ليرة فلسطينية لمصلحة «العهد الجديد»، وهي صحيفةٌ يمولها الصهاينة منذ عدة أشهر. وقام توفيق مزراحي، وهو وكيلٌ صهيوني آخر، بتسليم المبلغ في هذا الشهر».

سبق ذلك أن أشار تقرير آخر بعنوان «الصهاينة وصحف بيروت» بتاريخ 27 كانون الأول 1929 إلى «أنّ اللجنة الصهيونية في القدس كلّفت السيد غالفارسكي، العضو النشيط جداً في تلك اللجنة، بالدعاية الصهيونية في سوريا ولبنان. وفي أثناء مرور السيد غالفارسكي في تشرين الأول المنصرم ببيروت، عمل على كسب جبرائيل الخباز وجورج نقاش وهما على التوالي مدير ورئيس تحرير صحيفة «L’Orient» (الشرق)، إلى القضية الصهيونية. وعلمت أنّ المباحثات جرت في مكتب الصحيفة، وأنّ غالفارسكي عرض تقديم 500 اشتراك بالصحيفة باسم اللجنة الصهيونية، بقيمة جنيهين إسترلينيين لكل اشتراك، بحيث يدفع كامل المبلغ على ثلاث دفعات سنوياً. فضلاً عن ذلك، طلب أن تنشر الصحيفة كل المقالات التي ترسلها إليه اللجنة الصهيونية. وبلغني أيضاً أنّ الخباز طلب 2000 ليرة فلسطينية، بحيث يكون نصفها للاشتراكات الـ500، واحتفظ بالحق في ألّا ينشر سوى المقالات التي يجدها مناسبة. توقفت المباحثات عند تلك النقطة، بعد عدم التمكن من تحقيق أي اتفاق. كما علمت أنّ خطوةً مماثلةً قد جُرّبت، مع الكسندر خوري مدير وصاحب جريدة «اليقظة» إلا أنها فشلت أيضاً. وقد كتب غالفارسكي إلى مزراحي، أنه عيّن مراسلاً في بيروت لصحيفة «الحقيقة» التي ستصدر في القدس باللغة العربية براتب شهري قدره 15 ليرة فلسطينية. وأنه كتب لصديقي الخباز وليطلب منه ألّا ينشر شيئاً ضدنا. اذهبْ لمقابلته ومعك كولبير (عميل صهيوني آخر في بيروت) وأعطه 100 ليرة فلسطينية من طرفي. أما الباقي من الشيك الذي أرفقته مع الرسالة (50 ليرة) فهو مخصص لصحيفة «اليقظة». من فضلك، قدّمْ هذا المبلغ للسيد خوري. لقد أبلغت السيدين الخباز وخوري بأنني سوف أتفق معهما نهائياً في أثناء زيارتي التالية لبيروت، في أوائل كانون الثاني».

وتفيد نشرة معلومات أمنية فرنسية صادرة من بيروت بتاريخ 6 كانون الثاني 1930 تقول: «في أثناء مرور غالفارسكي في بيروت دفع لجريدة «الأوريان» مبلغ 100 ليرة فلسطينية، ولجريدة رفاي [Reveil] 50 ليرة. كما عُقد اتفاق بين توفيق مزراحي ومدير الأوريان l’Orient الخباز التزم بموجبه المزراحي بـ200 اشتراك في الصحيفة مقابل نشر المقالات».

منذ مطلع القرن الماضي، قرّرت الوكالة اليهودية تخصيص ميزانية لشراء أصحاب الصحف، وفي كانون الأول 1919 أصدر ناشطون صهاينة جريدة عبرية - عربية في دمشق سميت «الشرق» بهدف إبراز النواحي الإيجابية للفكرة الصهيونية على أمل أن تكون الصحيفة «جسراً بين العرب والصهاينة». تولى الصهيوني الدمشقي الناشط موشي تسفي رئاسة تحرير الجريدة وتم شراء مطبعة باللغة العبرية من فلسطين. وأخذت الوكالة اليهودية على عاتقها تمويل الجريدة التي كانت توزع في حلب وبيروت ومصر وإسطنبول وبالطبع فلسطين.

وفي بداية عام 1920 اقترح يهوشواع هانكين، مسؤول قسم شراء الأراضي في الوكالة اليهودية، ومساعده موشي شاريت، تأسيس جريدة عربية في مصر توزع مجاناً، وإصدار جريدة عربية في فلسطين، إضافة إلى تقديم مساعدات مالية لصحف عربية. تم تنفيذ المخطط، وحصلت كل من جريدة «المقطم» في القاهرة وجريدة «المفيد» في دمشق وجريدة «الحقيقة» في بيروت على التمويل. وقد أشارت إلى ذلك الصحيفة الصهيونية «دار هايوم» الصادرة في فلسطين في شباط سنة 1920. كما أسس الصهاينة عام 1934 في القاهرة وكالة أنباء باللغة العربية سميت «الشرق» بهدف اختراق الصحف العربية بطريقة غير مباشرة، وأسندت إدارتها إلى الناشط الصهيوني ناحوم زيلنسكي. وبدأت تزويد الصحف العربية بالأخبار التي كانت تؤمنها لها الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية. وكانت أخبار الوكالة تنشر في الصحف العربية ثم يقوم الصهاينة بترجمتها إلى اللغات الأجنبية بهدف التأثير على توجهات السياسيين والرأي العام في الدول الغربية على أساس أن الأخبار منشورة في صحف عربية. وخلال الثورة الفلسطينية الكبرى (1936-1939) كثفت الوكالة اليهودية اتصالاتها بأصحاب الصحف العربية. ويتحدّث ساسون عن نجاحه في شراء ولاء عدد من أصحاب الصحف. وكتب في تقرير في تاريخ 10 كانون الثاني 1938 عن اجتماعه مع إلياس حرفوش صاحب جريدة «الحديث» التي كانت تحصل على تمويل من الوكالة اليهودية. وأشار ساسون إلى أنه كلف حرفوش بمهمات سياسية. والاختراق الصهيوني للإعلام العربي وصحف لبنان خاصة كان واضحاً وعلى نطاق واسع (أحصى محمود محارب في بحثه 280 مقالاً مدسوساً في الصحافة العربية).

وتتضمن مذكرات ساسون رسالة مؤرخة في 2 تشرين الثاني 1939 وجهها إلى موشيه شاريت رئيس الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية يبلغه فيها حصيلة زيارته إلى سوريا ولبنان. ومما جاء في الرسالة: «في بيروت التقيت خير الدين الأحدب مرتين، والتقيت ثلاث مرات مع إلياس حرفوش صاحب جريدة «الحديث»، وسمعان فرح سيف مرتين صاحب جريدة «مرآة الأحوال»، وأسعد عقل صاحب «البيرق» مرة واحدة».

ويكشف ساسون في تقاريره إلى أنه دفع مبالغ إلى الصحف الآتية: «الحديث»، «الأحوال»، «الاتحاد»، «لسان الحال»، «صوت الأحرار»، «النداء»، «العهد الجديد»، «بيروت»، «الرابطة»، «النهار»، «البيرق»، وإلى «الأوريان»، و«لا سيري» الصادرتين باللغة الفرنسية… وغيرها.

وفي تقرير آخر في تاريخ 23 كانون الأول 1940 يقول عن زيارته بيروت: «رأيت بأمّ عيني أخبار النشرة اليومية التي تصدرها الدائرة السياسية في الوكالة اليهودية منشورة في قسم كبير من صحف سوريا ولبنان، وفي أماكن بارزة وتحت عناوين ملائمة مع ذكر المصدر».

وفي زيارة أخرى إلى لبنان وسوريا بعد دخول قوات الحلفاء البلدين، كتب تقريراً في تاريخ 11 آب 1941، ذكر فيه أنه حذّر مَن التقاهم من السياسيين اللبنانيين من أي تعاون مستقبلي مع سوريا، وأضاف: «وتوصلت إلى اتفاق مع ثلاث صحف لبنانية (لم يذكر أسماءها) بأن تكتب ضد أي تعاون كان مع السوريين، وألّا يكتفوا بإقناع الموارنة بذلك بل السلطات الفرنسية والبريطانية أيضاً».


المصدر: جريدة الأخبار اللبنانية

الكاتبة: روان حرشي

الآراء والتحليلات والاتهامات الواردة في المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتبة والمصادر التي تستند إليها.




ان ما ينشر من اخبار ومقالات لا تعبر عن راي الموقع انما عن رأي كاتبها
المساعدون القضائيون في صيدا يكرّمون القاضي إيلي أبو مراد قبل انتقاله إلى البقاع
صدر كتاب تحت عنوان: قراءة في الحركة المهدوية نحو بيت المقدس للشيخ الدكتور علي جابر
المقداد يجول في جرد جبيل ولاسا
مؤتمر دولي لنصرة غزة من بيروت الى اليمن وفلسطين والعالم
بتاريخ ٢٠٢٤٠٤٠١ نظمت السرايا اللبنانية لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي شعبة بشارة الخوري محمد الحوت المتحف في منطقة بيروت
واشنطن تصنف انصار الله جماعة إرهابية وتدخل حيز التنفيذ من يومنا هذا وصنفت قيادات الصفوف الاولى من حركة انصار الله بلائحة الارهاب
في أجواء شهر رمضان المبارك وبمناسبة يوم الأرض ،
قتيل وجرحى بين العرب في البقاع الاوسط في منطقة قب اللياس
النائب برو يتفقد احوال النازحين في علمات والبدان المجاورة
كتب حسن علي طه يا أمة المليار منافق، غزة تُباااااد ، فماذا أنتم فاعلون؟ عامان، لا بل دهران، لكثافة ما حصل في غزة من أحداث.
بعد طلب سماحة القائد الولي الاعلى السيد علي الخامنئي حفظ الله
بسم الله الرحمن الرحيم
الوزير السابق للداخلية مروان شربل
قيادة الحملة الدولية لكسر حصار مطار صنعاء الدولي
مباشر من حفل اطلاق الحملة الرسمية لاحياء اليوم القدس العالمي التي يطلقها ملف شبكات التواصل في حزب الله
ممثل الامين العام لحزب الله الشيخ الدكتور علي جابر يزور مطبخ مائدة الامام زين العابدين ع في برج البراجنة
الحاج حسن من بريتال: أزمة انتخاب رئيس الجمهورية سياسية وليست دستورية
الصوت الذي لم يستكن يوماً
تحت عنوان (على طريق القدس موحدون لمواجهة الفتن ومؤامرات التفريق بين أمتنا )
صنعاء بمواجهة العدوان المتجدّد: لا وقف لعمليّاتنا
التحايا إلى كشافة المهدي (ع)..!
خاص صدى الولاية : تقرير حول تصريحات بوتين بشأن الحوار مع الإدارة الأمريكية الجديدة
التقارير الإعلامية التي تتحول إلى أحداثيات للعدو يجب محاسبتها
كيف تكسب ثقة ترامب في 60 يوما؟ نصيحة للسيد عبدالملك الحوثي!
طوني_عيسى : هكذا تستعد طهران للمواجهة الكبرى
من يلوم المقاومة الفلسطينية ؟! ‼️وماذا بعد ‼️
الخليج في عين العاصفة: إيران ليست «جار السوء»
السيد حلقة تختزل الجبل...ثرية وصعبة
الدوحة تجمع طهران وواشنطن.....!
طموح القوات لتحجيم العونيين قد يطيح بالمقاعد المسيحية: انتخابات بيروت و«بعبع» المناصفة
ويبقى الجيش هو الحل...
الاخبار _ حسين الامين : الاحتلال يرسّم حدوداً جديدة في الجنوب: مواقع وخنادق ومناطق عازلة و«خطّ أبيض» جديد
المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي:
توم برّاك في زيارته الثالثة -1: وقائع من «الاجتماع الوحيد» وضجيج لقـاءات العلاقات العامّة ابراهيم الأمين الجمعة 25 تموز
من لا يحمي جنوده... كيف سيحمي لبنان؟. الإعلامي خضر رسلان لم يكن استشهاد العميد وسا
شركات وهمية وعقود مليارية: سوريا الجديدة... إدلب الكبرى عامر علي الجمعة 8 آب 2025 كان برّاك قد أعلن دعم بلاده لإقامة نم
حدود المناورة تتقلّص نتنياهو في وجه الحريديم: لحظة الحقيقة
بحث عقيم عن «النصر المطلق»: إسرائيل نحو توسيع حربها فلسطين يحيى دبوق الأربعاء 6 آب 2025 تتقدّم الإشكاليات التي يطرحها ا
تصاعد استهداف آليات العدو الإسرائيلية جنوباً: نمط ناري مركّز يعطّل الحركية الميدانية
هل تفاجأ حزب الله بالحرب؟ مقاربة بديلة
سنة
شهر
أسبوع
يوم
س
د
ث