
حرب اليمن.. كواليس الصراع ومفاجآت الميدان
بقلم: العميد مالك أيوب
صدى الولاية | تحاول الرياض المناورة ضمن هامش ضيق لإعادة التوازن إلى مشهد أمني وسياسي بالغ التعقيد، تتقاطع فيه التطورات الميدانية في اليمن مع خطوط التجارة البحرية وسلاسل الإمداد العالمية، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع المواجهة وانعكاساتها على أمن المنطقة والاقتصاد الدولي.
وفي هذا السياق، تتحدث معطيات عن توجه سعودي نحو حليفين إقليميين بارزين، هما إسلام آباد وأنقرة، لبحث إمكان الحصول على مساندة عسكرية وتكتيكية تعوّض الاستنزاف الحاصل، وتساعد الرياض على استعادة السيطرة على مضيق باب المندب، وفق التصورات العسكرية المطروحة.
الرياض تبحث عن دعم عسكري باكستاني
تتوزع المساعي السعودية، بحسب المعطيات المتداولة، على اتجاهين متوازيين.
يركز الاتجاه الأول على طلب إرسال نحو 40 ألف جندي باكستاني لتولي مهمات حماية الأماكن المقدسة والمنشآت الحيوية في العمق السعودي.
ورغم الحديث عن موافقة مبدئية من إسلام آباد على هذا الدور الدفاعي التقليدي، فإن نقل قوة عسكرية بهذا الحجم وحشدها يتطلب ترتيبات لوجستية وعملياتية معقدة، تشمل النقل والإمداد والانتشار والتنسيق العسكري.
وتبرز هنا تساؤلات بشأن قدرة الأطراف المعنية على تنفيذ مثل هذه الخطوة، في ظل حساسية التوازنات الإقليمية وتداخل الحسابات العسكرية والسياسية.
باب المندب.. عملية إنزال محفوفة بالمخاطر
أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في الحديث عن طلب سعودي لاستقدام وحدات من قوات الكوماندوز البحري المتخصصة، سواء من تركيا أو باكستان، لتنفيذ عملية إنزال عسكري تستهدف استعادة السيطرة على مضيق باب المندب وتسليمه إلى الجانب السعودي.
غير أن هذا التصور، وفق القراءة العسكرية، يواجه عقبات كبيرة، ولا يزال الحديث عنه في إطار الاحتمالات غير المحسومة.
فإقحام وحدات كوماندوز بحرية، مهما بلغت كفاءتها وتجهيزاتها، في مواجهة قوات صنعاء التي تمتلك قدرات صاروخية وطائرات مسيّرة، ينطوي على مخاطر عملياتية مرتفعة.
ومن هذا المنطلق، تبدو فرص موافقة إسلام آباد أو أنقرة على الانخراط المباشر في عملية من هذا النوع موضع شك، نظراً إلى التداعيات العسكرية والسياسية المحتملة.
خلافات داخل الرياض حول جدوى الحرب
أمام هذا الانسداد، يطرح استمرار المواجهة في اليمن تساؤلات بشأن الكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية التي تتحملها السعودية.
وتتحدث معطيات غير مؤكدة عن تباينات في وجهات النظر بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وشقيقه وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان، بشأن جدوى استمرار الحرب وسبل التعامل مع نتائجها.
وإذا صحت هذه المعطيات، فإنها تعكس حجم التعقيدات التي تواجه صانع القرار السعودي، في ظل صعوبة تحقيق حسم عسكري سريع، وتزايد الضغوط المرتبطة بالأمن الإقليمي.
وفي المقابل، يرى الكاتب أن استمرار الاقتتال العربي – العربي يتيح للكيان الإسرائيلي الاستفادة من استنزاف قدرات دول المنطقة وانشغالها بصراعات داخلية وإقليمية.
طهران وأنصار الله.. حسابات النفس الطويل
في موازاة ذلك، تدير طهران أوراقها الإقليمية وفق حسابات تقوم على النفس الطويل، مستفيدة من موقع اليمن في معادلة الأمن البحري والتوازنات العسكرية.
ورغم الوساطات والحراك الدبلوماسي الباكستاني، لا تبدو إيران، وفق تقدير الكاتب، في عجلة من أمرها لممارسة ضغوط على حركة أنصار الله بهدف التوصل إلى تهدئة سريعة.
ويُرجع الكاتب هذا الموقف إلى رغبة طهران في إفساح المجال أمام قوات صنعاء لمواصلة تحركاتها الميدانية وتثبيت وقائع جديدة على الأرض، بما يعزز موقع أنصار الله ويرفع من قيمة أوراقهم التفاوضية في أي تسوية مستقبلية.
وتبرز هنا أهمية التطورات الميدانية في اليمن، ولا سيما المناطق المتصلة بالساحل الغربي ومضيق باب المندب، باعتبارها عاملاً مؤثراً في مسار المواجهة وفي الحسابات الإقليمية والدولية.
باب المندب والاقتصاد العالمي أمام احتمالات خطيرة
لا تنحصر تداعيات الحرب في حدود الجغرافيا اليمنية، بل تمتد إلى أحد أهم الممرات البحرية المرتبطة بحركة التجارة الدولية وإمدادات الطاقة.
فأي تصعيد واسع في محيط باب المندب قد يؤدي إلى اضطراب حركة السفن، وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، وزيادة الضغوط على سلاسل الإمداد العالمية.
ومع اقتراب فصل الشتاء، تتعاظم المخاوف من أن يؤدي استمرار التوتر إلى أزمات اقتصادية إضافية، خصوصاً إذا تزامن مع اضطرابات في أسواق الطاقة والممرات البحرية الأخرى.
الخلاصة
بين المساعي السعودية للحصول على دعم عسكري إقليمي، وحسابات أنقرة وإسلام آباد، واستراتيجية طهران، والتحركات الميدانية لقوات صنعاء، يبقى اليمن في قلب معادلة إقليمية معقدة تتجاوز حدود المواجهة الداخلية.
وفي ظل غياب تسوية سياسية شاملة، تظل المنطقة مفتوحة على احتمالات تصعيد جديدة، قد تضع أمن الملاحة في باب المندب أمام تحديات كبيرة، وتفرض أعباء إضافية على الاقتصاد العالمي.
ويبقى السؤال الأبرز: هل تنجح المساعي الدبلوماسية في احتواء المواجهة، أم أن التطورات الميدانية ستفرض معادلات جديدة قبل الوصول إلى طاولة المفاوضات؟