
صدى الولاية | في مقال نشرته جريدة «الأخبار» اللبنانية، يتناول الباحث محمد حسن سويدان، من وجهة نظره، ما يصفه بالحرب الإسرائيلية على الوعي، مستعرضًا وثائق تاريخية ودراسات تتعلق بالدعاية والتأثير الإعلامي وانعكاساتها على المجتمع اللبناني.
وفي ما يلي نص المقال كما ورد بقلم صاحبه، مع الإشارة إلى أن الآراء والتحليلات والاستنتاجات الواردة فيه تعبّر عن وجهة نظر الكاتب.
بينما تتصدر مشاهد الدمار والخراب شاشات التلفزة من غزة إلى لبنان، مروراً بالضفة الغربية واليمن وسوريا والعراق وحتى إيران، تحاول إسرائيل أن تفرض على الجمهور تفسيراً لما يراه. فالقرية التي تقصفها يمكن أن تُقدَّم بوصفها دليلاً على عدوانها، ويمكن أن تُستخدم أداة لإقناع أهلها بأن المقاومة هي سبب خسارة بيوتهم. يبقى الدمار هو نفسه، لكن طريقة تفسيره، تسمح بتوجيه الغضب نحو جهة مختلفة، وتدفع الناس إلى مواقف وقرارات مختلفة. حول هذا المعنى تدور جبهة إسرائيل الثامنة.
في الرابع والعشرين من أيلول الماضي، وقف رئيس وزراء العدو بنيامين نتنياهو على منبر الأمم المتحدة ليعلنها صراحة: «إلى جانب جبهاتنا السبع، نخوض معركة أساسية ضد تزييف الوعي في الصحافة العالمية». وهذا ببساطة اعتراف علني بأن آلة الحرب الإسرائيلية لا تكتمل إلا بآلة أخرى توازيها خطورة؛ آلة تسعى إلى تشكيل السرديات وإعادة صياغة الحقيقة وصولاً إلى تغيير السلوك.
وإذا كانت آثار القصف الإسرائيلي تُقاس ميدانياً بحجم الركام وعدد الضحايا، فإن أثر «حرب الوعي» يظهر في الاستنتاجات التي يصل إليها الناس بعده: الجهة التي يحمّلونها المسؤولية، وما يرونه ممكناً لحماية أنفسهم، والموقف الذي يتخذونه من استمرار المواجهة. لذلك يصبح الصراع على تفسير الحرب جزءاً من الحرب نفسها. وعندما تضع إسرائيل احتلال العقول في مرتبة الجبهات العسكرية المشتعلة، فهذا بمثابة جرس إنذار لنا جميعاً؛ فالوعي أصبح خندق قتال حقيقي، وأولى خطوات الدفاع عنه تبدأ بإدراكنا أن هناك من يحاول السيطرة عليه. وهنا تساعد الوثائق والتجارب السابقة على تتبّع قنوات الوصول إلى الجمهور، ومعرفة مخاوفه، ثم صياغة الرسائل التي تحاول توجيه فهمه وسلوكه.
«الهاسبارا».. هندسة الوعي قبل قيام الكيان
التأثير في وعي ومواقف الجمهور العربي، ليس تكتيكاً طارئاً تفرضه حروب اليوم، بل هو عقيدة متجذرة سبقت قيام إسرائيل بسنوات طويلة. ففي تشرين الأول/أكتوبر من عام 1929، دوّن دافيد بن غوريون، الذي سيصبح لاحقاً أول رئيس حكومة لإسرائيل، تفاصيل اجتماع محوري خُصص لمناقشة ما سُمّي حينها «المسألة العربية». وبحسب مذكراته، فقد تمحور النقاش حول الوسائل الناجعة للتعامل مع الجمهور العربي، مستخدماً بصراحة مصطلح «الهاسبارا»؛ وهي كلمة عبرية تعني حرفياً «الشرح»، وتُستخدم للدلالة على نشاط الاتصال، والإقناع، والدعاية، وتقديم الرواية السياسية. وخلال الاجتماع دعا بن غوريون إلى «مأسسة» هذا العمل، ووضع خطط فورية ومستقبلية لاختراق الصحافة العربية، وتأسيس شبكة من المتطوعين للعمل في أوساط العرب. هكذا، يتضح أن التفكير الصهيوني المنهجي في دراسة الجمهور واختيار قنوات الوصول إليه كان حاضراً قبل عقود من إعلان الدولة.
«الحرث العميق»: وثائق الاختراق اللبناني
لم يبقَ هذا التنظير حبيس سنوات التأسيس؛ فمع قيام الكيان وتمدد صراعاته الإقليمية على مدى العقود التالية، استمر هذا النهج وتطور ليتخذ أشكالاً أكثر خطورة واختراقاً للمجتمعات المجاورة، وتُعد الساحة اللبنانية نموذجاً صارخاً وموثقاً. ففي وثيقة سرية لوزارة الخارجية الإسرائيلية تحمل الرمز (387/DK) ومؤرخة في 8 تموز/يوليو 1983، يبرز تخطيط دقيق لعملية سُميت «الحرث العميق». تكشف الوثيقة أن ديفيد كيمحي، مدير عام الوزارة آنذاك، زار بيروت في 6 و7 تموز من العام نفسه، والتقى بجورج عدوان (النائب الحالي في البرلمان اللبناني وكان مسؤولاً أول في حزب التنظيم)، حيث اتفقا على سلسلة أنشطة شملت محاضرات، وفاعليات ثقافية، واجتماعات وزيارات إعلامية لترسيخ التطبيع في الوعي اللبناني.
وفي وثيقة ثانية مؤرخة في 18 تموز 1983 وتحمل الرمز (555/DK)، يوثّق كيمحي خطوات عملية أخطر لتثبيت هذا التطبيع؛ إذ تعهّد عدوان بإرسال نحو 15 شاباً وشابة من أبناء وبنات عائلات لبنانية بارزة إلى إسرائيل لمدة أسبوع، وذلك بحلول نهاية الشهر ذاته. ولم يقف الأمر عند الزيارات، بل شمل الاتفاق أن يبدأ عدوان بنشر مواد تخدم الأهداف الإسرائيلية في الصحافة اللبنانية. حتى أن كيمحي زوّده شخصياً بمقال ليقوم بنشره، واتفق معه على ترتيب لقاءات مع عاملين في الصحافة اللبنانية خلال زيارته المقبلة. هذا النموذج الموثّق، الذي يمتد لأكثر من أربعة عقود، يجعلنا نتساءل بجدية حول استمرار هذا التأثير وتغلغله في الإعلام اللبناني اليوم، أو ما يتعداه نحو المنصات المأجورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. فهل يمكن أن يكون جزء من المضامين التي تُبث حالياً نابعاً، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من غرف إسرائيلية تُعيد تدوير رسائلها عبر وسطاء محليين؟ تساؤل تفرضه بواقعية مشاهد تماهي بعض الشخصيات اللبنانية مع رواية العدو وأهدافه.
من الأرشفة الورقية إلى الرصد المؤسساتي
لم يكن هذا الاختراق الموثّق في لبنان حالاً معزولة، بل كان جزءاً من منظومة عمل متوازية استهدفت المحيط العربي بأسره في الوقت ذاته. فمع اقتراب الألفية الجديدة، اتخذت آلة التأثير الإسرائيلية طابعاً مؤسساتياً أكثر شمولية. ففي مذكرة داخلية للخارجية الإسرائيلية مؤرخة في 5 آذار/مارس 1998، تم تحديد مهام جهاز «الهاسبارا» بشكل تفصيلي. وقد شملت المهام تجميع كل ما تنشره وسائل الإعلام العربية في «نظام محوسب» لتحليل المواقف والاتجاهات وتحديد كيفية التعامل معها. وبالتوازي، شملت الخطة إعداد مواد باللغة العربية وتوزيعها عبر المطبوعات، والصحافة، والفيديو، والإنترنت. والمثير في المذكرة هو التشديد على مرونة المحتوى؛ فما يصلح لجمهور عربي في بلدٍ ما، قد لا يصلح لجمهور في بلد آخر. وترافق ذلك مع توجيهات صريحة بإقامة علاقات مع صحافيين ومثقفين ومؤثرين عرب، وتنظيم زيارات ولقاءات معهم واستغلال المناسبات للتواصل الدائم.
خوارزميات الخوف: كيف تُستثمر هواجسنا اليوم؟
كان هذا الجهد الاستخباراتي المضني والبطيء نسبياً، قائماً في العام 1998، فكيف يبدو المشهد اليوم، مع فورة مواقع التواصل الاجتماعي؟
لقد أصبحت المهمة أسهل وأكثر فتكاً. والمنصات الرقمية تتيح جمع كميات هائلة من المنشورات والتعليقات بصورة يومية، بينما تتكفل أدوات الذكاء الاصطناعي بفرزها، وربطها، واستخراج الأنماط المتكررة منها. فلم يعد المنشور الفردي مجرد رأي عابر، بل تحول إلى نقطة في خريطة كبرى تكشف مخاوف الجمهور، واهتماماته، ونقاط حساسيته، وطريقة تفاعله مع الأحداث.
وبالعودة إلى الساحة اللبنانية التي لا تزال تمثل ميداناً متقدماً لهذه الحرب المعرفية؛ يمكن أن ترصد جهة إسرائيلية مئات المنشورات لمستخدمين لبنانيين من منطقة معينة، وتلاحظ أن الخوف الأكثر تكراراً بينهم هو احتمال خسارة المنازل أو التهجير في حال اندلاع مواجهة جديدة. هذه المعلومة تتحول فوراً إلى مادة قابلة للاستثمار الميداني. وبناءً عليها، تصمم رسائل إعلامية مسمومة تضرب على وتر هذا الخوف تحديداً، عبر تضخيم الحديث عن الدمار المتوقع، وربط أي تدمير بخيار المقاومة، إضافة إلى بث تقديرات وصور توحي بأن بقاء السكان يعني حتماً خسارة ممتلكاتهم، وإبراز أصوات لبنانية تردّد السردية ذاتها. هكذا، تصل الرسالة للجمهور وكأنها نقاش لبناني داخلي طبيعي، بينما هي في الواقع، عبارة عن قنبلة نفسية، صُمّمت مسبقاً بناءً على معرفة دقيقة بنقطة الضعف الأبرز. وهكذا تتحول يومياتنا على الشاشات من آراء متفرقة إلى خريطة تدل الطرف الآخر على المكان الدقيق الذي يجب أن يضغط عليه لتحقيق أقصى تأثير ممكن.
صناعة المعنى ومن يربح السردية يربح الميدان
لا تقتصر الحرب الإسرائيلية على إحداث دمار مادي فحسب، بل تمتد إلى ما هو أدهى وهو احتكار تفسير هذا الدمار. وفي دراسة منشورة في كانون الأول/ديسمبر 2006 ضمن مجلة تابعة للجيش الإسرائيلي، يفكك المقدم ساعر رافيه، الذي كان يشغل منصب رئيس فرع في مركز عمليات الوعي التابع لشعبة الاستخبارات العسكرية «أمان»، طريقة تفكير الجيش الإسرائيلي في هذا المجال. منطلقاً من فكرة جوهرية تعتبر أن هناك فرقاً بين ما يحدث في ساحة القتال وبين الطريقة التي يفهم بها الناس الحدث. فقد يحقق الجيش إنجازاً ميدانياً، لكنه يفشل في إقناع جمهوره أو جمهور خصمه بأن هذا الإنجاز يُعد نصراً. وفي المقابل، قد يتعرض طرف لخسائر عسكرية ثم ينجح في تقديم نفسه بوصفه منتصراً فتؤثر هذه الصورة في قرارات الجمهور لاحقاً.
بناء على ذلك، يصبح جوهر العمل في مجال الوعي هو تفسير المعنى الذي تدور حوله الأحداث. الحدث العسكري الواحد يمكن أن يُقدَّم بوصفه انتصاراً أو هزيمة، أو دليلاً على القوة أو العجز، أو سبباً للاستمرار أو للتراجع. ومن ينجح في فرض تفسيره لا يغير فهم الجمهور للحدث فحسب، بل يستطيع التأثير في قراراته وسلوكه. ولهذا السبب لا تعمل إسرائيل على الحدث وحده، بل تحاول التحكم في الاستنتاجات التي سيصل إليها الناس بعده بهدف تحديد معنى ما حدث، والجهة المسؤولة عنه، ومدى جدوى الاستمرار في المواجهة. ولتوضيح ذلك يمكن استحضار ما حدث في منشأة «علي الطاهر» مؤخراً، فالتفسير الإسرائيلي للحدث انطلق من ضرب جدوى المقاومة هناك، بينما انطلق تفسير المقاومة من إعادة تعريف دورها في رفع كلفة أي عمل إسرائيلي. والفائز في فرض تفسيره يمتلك القدرة الفعلية على تغيير السلوك.
تشريح العقل واختراق طبقات الوعي الأربع
تشير الدراسة إلى أن الناس لا يبنون مواقفهم من فراغ، ولذلك يقسّم المقال وعي الجمهور إلى أربع طبقات، تبدأ من الأكثر عمقاً وتصل إلى السلوك الظاهر. الطبقة الأولى هي المعتقدات والأنماط العميقة التي تشكل نظرة المجتمع إلى نفسه وإلى العالم، مثل معتقداته الدينية والوطنية وذاكرته الجماعية وشعوره بالتهديد. تتشكل هذه الطبقة عبر الأسرة والتعليم والثقافة والأدب، ولذلك يصعب تغييرها بسرعة، وإذا أراد طرف التأثير فيها فعليه أن يعمل لسنوات عبر نشاط متواصل يستهدف البيئة الحاضنة.
تأتي بعد ذلك طبقة المصالح، أي ما يراه الجمهور أو التنظيم ضرورياً لحماية وجوده وحاجاته. وهنا يقترح ساعر رافيه توجيه معظم عمليات التأثير، لأن المصالح هي المحرك الفعلي لاتخاذ القرارات. فيتم وضع الجمهور المستهدف أمام مصالح متعارضة، وبدل محاولة إقناعه مباشرة بالتخلي عن معتقداته، يُدفع إلى الاختيار بين الاستمرار في موقفه، وبين تحمل خسارة مصلحة أخرى يحتاج إليها. ويذكر الكاتب على سبيل المثال، التناقض الذي واجهته حركة «حماس» بين أيديولوجيتها القتالية، ومسؤوليتها عن تلبية الاحتياجات اليومية للسكان بعد توليها السلطة. وهدف هذا التصور ليس بالضرورة تغيير أيديولوجية التنظيم، بل زيادة الكلفة التي تترتب على سلوكه إلى درجة تدفعه لإعادة حساباته.
تكشف وثائق رسمية اسرائيلية عن برنامج تعاون بين ديفيد كيمحي وجورج عدوان لنشر مواد اعلامية في بيروت وتدريب اعلاميين في تل أبيب
أما الطبقة الثالثة فهي المواقف المعلنة، ويحذر المقال من التعامل مع هذه التصريحات باعتبارها تعبيراً دقيقاً عن النيات الحقيقية، فقد تكون مجرد «ستار دخان» يخفي مصالح مختلفة. ثم تأتي الطبقة الرابعة والحاسمة وهي السلوك على الأرض، حيث تقاس نتيجة التأثير، فالنجاح لا يُقاس بعدد المنشورات أو التصريحات بل بالتغير الملاحظ في سلوك الجمهور أو قيادته.
من الكيّ الظرفي إلى التغيير الجذري
يجمع المقال هذه الطبقات ضمن مستويين عامّين، هما الوعي الأساسي المرتبط بالمعتقدات العميقة والمصالح الثابتة، والوعي الظرفي المرتبط بالمواقف والسلوك تجاه حدث محدد. ولا يعني هذا الفصل أنهما منفصلان، فالعمل على الوعي الظرفي يبدأ بالتأثير في تفسير الناس لحادثة محددة، ثم ينتقل مع التكرار إلى التأثير في معتقداتهم الأكثر ثباتاً. إقناع الجمهور في ظرف واحد بأن حدثاً عسكرياً يدل على العجز أو يعرض مصالحه للخطر قد يغير سلوكه بصورة مؤقتة، لكن تكرار هذا التفسير في أزمات متلاحقة يحوله تدريجياً إلى قناعة أعمق كالاعتقاد بأن المواجهة غير مجدية، وهكذا يصبح التأثير في الموقف الآني مدخلاً تراكمياً لإعادة تشكيل الوعي الأساسي.
يتضح هذا المسار التراكمي بشدة عبر ما فعلته إسرائيل في حربي لبنان عامي 2024 و2026. خلال حرب 2024، لم تكتفِ إسرائيل باغتيال قادة المقاومة وقصف الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع، بل عملت على تقديم هذه الضربات بوصفها دليلاً على قدرتها للوصول إلى أي مكان وعلى عجز المقاومة عن حماية قيادتها وبيئتها. كان التأثير الظرفي المطلوب هو نشر الخوف ودفع الناس إلى النزوح والضغط لوقف القتال، بينما سعى الأثر الأبعد إلى تحويل هذه المشاعر المؤقتة إلى قناعة أساسية مفادها أن المقاومة تجلب الدمار وتعجز عن توفير الحماية وأن كلفة المواجهة تفوق فائدتها.
في حرب 2026، برز المنطق نفسه عبر ربط الضربات وأوامر الإخلاء بخطاب يدعو إلى جعل مناطق مثل صور والنبطية والقرى الجنوبية خالية من السلاح، وتقديم المعركة بصيغة تضع أمن السكان في مواجهة استمرار وجود المقاومة. الرسالة الظرفية المباشرة تدعو السكان للمغادرة لتجنب الضربة، لكن تكرارها مع القصف والدمار يسعى إلى إنتاج معنى أعمق يعتبر أن مصدر الخطر الفعلي ليس الاعتداء الإسرائيلي نفسه بل وجود المقاومة، وأن الأمن لا يتحقق بمواجهة إسرائيل وإنما بالابتعاد عن القوى التي تقاومها. هكذا يتحول العمل المرتبط بالنزوح والضغط الآني إلى محاولة خبيثة لتغيير الوعي الأساسي المتعلق بجدوى المقاومة وموقعها داخل المجتمع.
لتفكيك هذه الآلية الإدراكية على أرض الواقع، يكفي تتبع مسار السردية المرافقة لأي تصعيد عسكري واسع. تبدأ الأحداث عادة بغارات إسرائيلية وتدمير ممنهج، مما يفرض في المنطق السليم البحث في دوافع الاحتلال لتدمير قرى لبنانية أو اجتياحها. غير أن آلة الوعي الإسرائيلية تتدخل ببراعة لحرف مسار هذا الاستنتاج، فتنقل النقاش تدريجياً نحو البحث في أسباب امتناع المقاومة عن إخلاء الساحة وتسليم سلاحها. وهكذا تنتقل المسؤولية من المُعتدي إلى المُعتدى عليه.
خطر تحويل الألم إلى انقسام
تكمن خطورة هذا العمل الإسرائيلي في سعيه إلى جعل اللبنانيين يفهمون الاعتداء عليهم بالمعنى الذي يخدم المعتدي. المعركة تدور حول توثيق القصف والتهجير ثم تقديمها للجمهور باعتبارها دليلاً على عبثية المقاومة أو تحميل المسؤولية عنها لمن يتعرض للاعتداء، وتصوير الخضوع للشروط الإسرائيلية بوصفه الطريق الوحيد للأمان. بهذه الطريقة يصبح العنف وسيلة للضغط على الناس ويصبح تفسيره وسيلة لتوجيه قراراتهم.
الخطر الفعلي على المجتمع اللبناني هو أن يتحول الألم والخوف عبر تكرار هذا التفسير إلى قناعات تعمق الانقسام وتعيد تشكيل فهم الناس لحقوقهم ومصدر التهديد الذي يواجهونه. هذا جهد راكمت إسرائيل أدواته ومؤسساته على مدى عقود مستعينة بوسطاء لبنانيين لنشر مواد وبناء شبكات تتيح تمرير رسائلها من داخل المجتمعات المستهدفة. وهو ما يجعل افتراض وجود تعاون لبناني إسرائيلي في مجال الرواية أمراً منطقياً خاصة مع رؤية تماهي السرديات بين بعض وسائل الإعلام اللبناني والأهداف الإسرائيلية.
تقتضي مواجهة هذا الخطر الاستثنائي عملاً بحثياً وإعلامياً مستمراً يكشف مصادر الرسائل وكيفية ربط الوقائع باستنتاجات تخدم الاحتلال، إلى جانب ضرورة انتباه الجمهور إلى أصل المواد والتمييز بين الحدث وتفسيره وتجنب إعادة نشر التهديدات والمضامين المضللة تلقائياً. وأمام هذا الجهد الذي يقوم به عدو يعتبر حرب الوعي جبهته الثامنة، لم يعد ممكناً للمقاومة التغافل عن هذا الواقع الخطير. وغياب الرواية الواضحة والسبّاقة من المقاومة يترك الساحة مستباحة ويسهّل على آلة الاحتلال تحقيق أهداف جبهتها الثامنة بلا مقاومة تذكر.
المصدر: جريدة الأخبار اللبنانية
الكاتب: محمد حسن سويدان
الآراء والتحليلات الواردة في المقال تعبّر عن وجهة نظر الكاتب.