❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
في تطور لم يكن متوقعا قبل أشهر، كشفت وكالة رويترز عن أول لقاء مباشر وسري جمع ممثلين عن الحكومة السورية الجديدة وحزب الله اللبناني في تركيا. لقاء يبدو في ظاهره محاولة لخفض التوتر الحدودي، لكنه في عمقه يكشف عن تحولات جيوسياسية عميقة، عنوانها الأبرز تراجع الدور الإيراني المباشر وصعود الدور التركي كوسيط، وبروز إسرائيل كعامل قد يعيد خلط كل الأوراق.
وفقاً لستة مصادر مطلعة تحدثت لرويترز بينهم مسؤولان سوريان ومسؤول أمريكي ومصدر أمني لبناني رفيع مقرب من حزب الله، عقد لقاء سري واحد على الأقل خلال شهر أيلول الماضي. اللقاء ضم من الجانب السوري مسؤولين من جهازي الاستخبارات ووزارة الخارجية، ومن جانب حزب الله ممثلين عن الحزب، وذلك بدعوة وتنظيم كامل من أجهزة الأمن والاستخبارات التركية.
وتركز النقاش حول ثلاث نقاط. اتفق الطرفان على أنه لا عداوة مباشرة بينهما، وطمأنت دمشق حزب الله بأنها لن تتدخل عسكرياً في لبنان بهدف نزع سلاحه، وفي المقابل طلبت دمشق من حزب الله وقف عمليات التهريب عبر الحدود وتفكيك ما تبقى من خلاياه في الجنوب السوري وخاصة في القنيطرة ودرعا. ممثلو الحزب لم يقدموا رداً مباشراً، لكنهم تعهدوا بعدم التدخل في الشأن السوري الداخلي. وحتى اللحظة لم يصدر أي تأكيد رسمي، حيث رفض المكتب الإعلامي لحزب الله التعليق، ولم ترد وزارات الخارجية السورية والتركية والأمريكية على استفسارات الوكالة.
اللافت أن اللقاء لم يضم أمريكيين ولا إيرانيين على الطاولة. المسؤول الأمريكي الذي نقل الخبر كان مصدراً للمعلومة فقط وليس مشاركاً. والغياب الإيراني هو الأهم دلالة. فغياب إيران عن الطاولة لا يعني غيابها عن القرار. من الثابت أن حزب الله لا يمكنه اتخاذ قرار استراتيجي بالانفتاح على خصم تاريخي لإيران كالحكومة السورية الجديدة دون ضوء أخضر من طهران. إيران التي خسرت سوريا كدولة حليفة بعد سقوط نظام الأسد في أواخر 2024، تحاول اليوم الحفاظ عليها كساحة نفوذ وتجميد أي جبهة جديدة قد تستنزف ما تبقى من أوراقها. أما تركيا فقد لعبت دور الوسيط البراغماتي. هي تدرك أن أي انفجار على الحدود السورية اللبنانية سيعني موجات نزوح جديدة وتهديداً أمنياً مباشراً لها، كما تدرك أن مفتاح التهدئة ليس بيد حزب الله وحده بل بيد طهران.
ما يجري اليوم ليس تحالفاً بل صفقة تهدئة هشة قائمة على تبادل مصالح البقاء. حزب الله لم يعد يحلم بالجسر البري المفتوح أيام الأسد. ما يريده اليوم هو الحفاظ على الحد الأدنى من خطوط الإمداد عبر التهريب المحدود في منطقة القصير والهرمل مقابل اختفاء أي مظهر عسكري أو خلايا نائمة تستفز دمشق. أما الحكومة الجديدة التي لم تثبت أركانها بعد، فتخشى أكثر ما تخشى ثورة مضادة في الساحل أو في حمص وجرود القصير بدعم من حزب الله وإيران. ما تريده هو ضمان عدم دعم الحزب لفلول النظام السابق ووقف تهريب السلاح والكبتاغون. المعادلة إذن باختصار: أنا لا أتدخل في شؤونك الداخلية وأنت لا تغلق علي الطريق بالكامل.
بينما تنشغل دمشق وحزب الله بترتيب تهدئة حدودية، تتصرف إسرائيل على الأرض كأن الجنوب السوري أرض بلا صاحب. ووفقاً لما أعلنه الرئيس السوري في الأمم المتحدة، نفذت إسرائيل منذ سقوط النظام أكثر من 500 غارة جوية وأكثر من 1200 عملية توغل بري واعتقلت نحو 300 شخص وسيطرت على ما يقارب 500 كيلومتر مربع بما يشمل 95% من محافظة القنيطرة وقمة جبل الشيخ. وخلال الـ48 ساعة الماضية فقط سجلت توغلات في بلدات الرفيد وزبيدة والحرية وخان أرنبة بريف القنيطرة ونصب حواجز عسكرية على طريق جملة صيصون في وادي الرقاد غرب درعا مع تحليق مكثف للطائرات المسيرة وقصف مدفعي على الصمدانية الشرقية.
هذا الاستباحة اليومية تضع دمشق في مأزق وجودي. هي تلتزم حتى الآن الصبر الاستراتيجي وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لأنها تدرك أن أي رد عسكري الآن سيتخذ ذريعة لتدمير جيشها الناشئ. لكن هذا الصبر له حدود. فالأهالي في درعا والقنيطرة بدأوا يرفضون عمليات التفتيش والإذلال وبدأت تتشكل بوادر مقاومة شعبية محلية عفوية مسلحة بخبرة سنوات الثورة ودون قرار مركزي من دمشق.
وهنا يكمن السؤال الأخطر: لو شنت إسرائيل حرباً واسعة على حزب الله في لبنان أين ستقف سوريا الجديدة؟ التحليل يشير إلى أن موقف دمشق سيتحدد بحجم الضربة. في حال ضربة محدودة على مخازن في البقاع ستميل سوريا للتشدد ضد حزب الله وإغلاق الحدود ومنع مرور السلاح إرضاء لواشنطن وأنقرة. أما في حال حرب شاملة واجتياح بري لجنوب لبنان فإن دمشق لن تستطيع البقاء محايدة. ستجد نفسها أمام خيارين أحلاهما مر، إما التنسيق غير المباشر ضد الحزب لكسب شرعية دولية وخسارة الشارع العربي، أو غض الطرف عن مرور مقاتلي وجرحى الحزب عبر أراضيها مما يرضي الشارع لكنه يعرضها لخسارة الدعم التركي الأمريكي.
السيناريو الأرجح هو موقف هجين: سياسياً ستدين إسرائيل وتتضامن مع لبنان، وأمنياً ستحاول منع تحول أراضيها إلى منصة انطلاق للحزب. إلا أن هناك استثناء واحداً سيجعلها تقف مع الحزب بشكل غير مباشر، وهو إذا استغلت إسرائيل حربها على لبنان لتوسيع احتلالها في الجنوب السوري. عندها يصبح العدو مشتركاً وتصبح الحدود مصلحة أمن قومي سوري وقد تفتح دمشق الطريق أمام الحزب كخط دفاع متقدم لها.
لقاء تركيا ليس بداية تحالف بل هو إدارة لأزمة سقوط نظام. إيران حاضرة بغيابها وتركيا حاضرة بوساطتها وأمريكا حاضرة بمصادرها. لكن اللاعب الذي قد يحول هذه التهدئة الهشة إلى تقارب اضطراري هو إسرائيل نفسها. فكل توغل جديد في القنيطرة ودرعا وكل حاجز إسرائيلي على طريق سوري يصنع بذور انتفاضة سورية قد تجد نفسها موضوعياً في خندق واحد مع حزب الله ليس حباً به بل دفاعاً عن سيادة مهدورة.