
بين الثورة والتقاليد.. دراسة بريطانية ترصد أربعة عقود من تطور خطاب السيد نصر الله
إعداد وتحرير: محمد الباقر ترشيشي – مدير موقع صدى الولاية الإخباري
صدى الولاية | في الحلقة السادسة من سلسلة «السيد حسن نصر الله بعيون المفكرين والمثقفين»، نتوقف أمام دراسة أكاديمية حديثة نشرتها المجلة البريطانية لدراسات الشرق الأوسط للباحث عبد كنعانة، بعنوان «بين الثورة والتقاليد: تطور حسن نصر الله الخطابي والتحالفات العابرة للحدود الوطنية، 1982–2024».
الدراسة لا تتناول السيد نصر الله من زاوية حدث أو خطاب واحد، بل تلاحق تطور خطابه السياسي على امتداد 42 عامًا، من خلال تحليل أكثر من 300 نص شملت خطابات ومقابلات وتصريحات ومؤتمرات صحافية.
ويقسم الباحث هذا المسار إلى سبع مراحل تاريخية، باحثًا في كيفية انتقال خطاب السيد نصر الله وتطوره مع التحولات اللبنانية والإقليمية والدولية.
ويخلص كنعانة إلى أن «المقاومة» شكّلت النقطة المركزية الثابتة في خطاب نصر الله، فيما تغيرت طريقة تقديمها وتوسعت دوائرها مع الزمن.
ففي المرحلة الأولى برزت المقاومة بوصفها واجبًا إسلاميًا متصلًا بكربلاء والإمام الحسين، قبل أن يتطور الخطاب خلال التسعينيات باتجاه مساحة لبنانية أوسع وانفتاح على القوى السياسية والطوائف المختلفة.
وبعد عام 2000، يرصد الباحث تحولًا إضافيًا، إذ باتت المقاومة في خطاب نصر الله تُقدَّم بوصفها تجربة تتجاوز الإطار الحزبي والطائفي، وترتبط بقضايا التحرر ومواجهة الهيمنة على المستوى الإقليمي والدولي.
وتولي الدراسة أهمية خاصة للطريقة التي استحضر بها السيد نصر الله الإمام الحسين والإمام موسى الصدر، معتبرة أنه أعاد توظيف الرموز والمفاهيم الشيعية في قراءة الصراعات السياسية المعاصرة، وربط بين مفاهيم الشهادة والعدالة ومقاومة الظلم وبين خطاب أوسع قادر على التواصل مع قوى قومية ويسارية وعلمانية.
ويرى الباحث أن إحدى أبرز سمات تجربة نصر الله الخطابية تمثلت في الجمع بين مرجعية إسلامية واضحة وبناء علاقات وتحالفات مع حركات تختلف فكريًا وعقائديًا عن حزب الله.
وبحسب الدراسة، لم يكن هذا التطور مجرد استعارة لمفردات سياسية علمانية، بل عملية إعادة صياغة وإدماج جعلت مفهوم «المقاومة» يتحول تدريجيًا من مفهوم سياسي وعسكري إلى رؤية سياسية وفكرية أوسع.
وتصف الدراسة المرحلة الممتدة بين 2015 و2021 بأنها من أكثر مراحل خطاب نصر الله تطورًا من الناحية الفكرية، إذ توسع خلالها الحديث عن النظام الدولي والهيمنة الأميركية والاقتصاد والعقوبات والتحالفات الدولية، بالتوازي مع استمرار المرجعية الدينية في خطابه.
وتصل الدراسة إلى خلاصة أساسية مفادها أن خطاب السيد حسن نصر الله حافظ طوال أربعة عقود على مركزية «المقاومة»، لكنه امتلك في الوقت نفسه قدرة كبيرة على إعادة صياغة مفرداته وأطره بما يتناسب مع التحولات السياسية والتاريخية.
ومن هنا يقدم الباحث تجربة نصر الله بوصفها نموذجًا لدراسة كيفية تفاعل القيادة الدينية مع المفاهيم السياسية الحديثة، وكيف يمكن للخطاب الديني أن يتحرك من بيئته المحلية إلى فضاء سياسي عابر للحدود، من دون التخلي عن مرجعيته الأصلية.
إنها قراءة أكاديمية تأتي بعد رحيل السيد نصر الله لتضع تجربته الخطابية أمام البحث العلمي، وتفتح بابًا أوسع لدراسة الرجل لا من خلال موقعه في الأحداث فقط، بل من خلال اللغة والمفاهيم والأفكار التي صاغ بها رؤيته للمقاومة والسياسة والعالم على مدى أكثر من أربعة عقود.