يطلق موقع صدى الولاية الاخباري سلسلة إيران بعيون العالم من اعداد وتحرير ماجدة عباس الموسوي رئيس تحرير موقع صدى الولاية الاخباري
نفتح من خلال هذه السلسلة نافذة على ما يكتبه ويقوله كبار المفكرين والباحثين والاستراتيجيين والصحافيين الدوليين عن الحرب على إيران، وعن أبعادها التي تتجاوز حدود الميدان إلى الاقتصاد والطاقة والجغرافيا السياسية والتحالفات ومستقبل النفوذ الأميركي والغربي في العالم، فالحرب على إيران ليست مجرد مواجهة عسكرية تُقاس بعدد الصواريخ والغارات وحركة الأساطيل والقواعد العسكرية، وليست أحداثها منفصلة عن التحولات الكبرى التي يشهدها النظام الدولي ولنقرأ الحرب من خارج غرف الأخبار التقليدية؟
لماذا «إيران بعيون العالم»؟
لأن إيران اليوم لم تعد حاضرة في النقاش الدولي بوصفها ملفاً إقليمياً فحسب.
مضيق هرمز، أمن الطاقة، العقوبات والحصار، الوجود العسكري الأميركي، سياسات كيان العدو الإسرائيلي، الصين وروسيا، مجموعة بركس، منظمة شنغهاي، مستقبل الدولار، طرق التجارة بين الشرق والغرب، وحتى مستقبل النظام الدولي نفسه؛ جميعها أصبحت حاضرة بدرجات مختلفة في النقاش الدائر حول الحرب.
وهنا يبرز سؤال يستحق التوقف عنده:
كيف يرى كبار المفكرين والاستراتيجيين في العالم ما يجري فعلاً؟
هل ينظرون إلى الحرب باعتبارها محاولة لإخضاع إيران؟
أم صراعاً على توازن القوى في غرب آسيا؟
أم جزءاً من مواجهة أكبر بين الولايات المتحدة والصين وروسيا؟
وهل تؤدي الحرب إلى إعادة تثبيت النفوذ الأميركي، أم أنها تدفع دولاً أخرى إلى البحث بصورة أسرع عن بدائل اقتصادية ومالية وعسكرية وسياسية تقلل اعتمادها على المنظومة الغربية؟
هذه الأسئلة هي مساحة هذه السلسلة.
ليست سلسلة لتجميع المواقف
لن تكون «إيران بعيون العالم» نشرة اقتباسات، ولا تجميعاً لتصريحات متفرقة.
في كل حلقة نختار مفكراً أو باحثاً أو استراتيجياً أو صحافياً دولياً ذا حضور وتأثير، ونقرأ الحرب من خلال رؤيته هو.
نعرّف بالقارئ إليه، ونعود إلى كتاباته ومقابلاته ودراساته، ثم نفكك أطروحته بلغة صحافية واضحة:
ماذا يرى؟
وعلى أي وقائع يبني رؤيته؟
وأين تنتهي المعلومات الموثقة ويبدأ تحليله؟
وما الذي يبقى رأياً أو توقعاً قابلاً للنقاش؟
وما الذي تضيفه رؤيته إلى فهم الحرب؟
لا نقدّم آراء الباحثين بوصفها حقائق
هذه نقطة أساسية في منهج السلسلة.
قد نتفق مع الكاتب في بعض استنتاجاته ونختلف معه في أخرى، وقد يقدم معلومات تحتاج إلى تدقيق أو روايات مبنية على مصادر غير معلنة.
لذلك سنفصل بوضوح بين ثلاثة مستويات:
منها ما يمكن إثباته من مصادر ووثائق ومعلومات مستقلة.
ومنها تحليل بالطريقة التي يفسر بها الكاتب تلك الوقائع ويربط بينها يلي ذلك استنتاجاته الشخصية بشأن مسار الحرب وما يمكن أن يحدث لاحقاً.
وبذلك لا يصبح اسم الباحث، مهما بلغت شهرته، بديلاً عن التحقق.
قد يقول البعض لماذا نقرأ أصواتاً غربية ودولية؟
لأن جزءاً مهماً من قيمة هذه السلسلة يكمن في قراءة الحرب أيضاً من داخل البيئات الفكرية والاستراتيجية التي تناقش القوة الأميركية والغربية نفسها.
عندما يتحدث باحث عسكري عن استنزاف مخزون الصواريخ، أو خبير اقتصادي عن أثر هرمز في الأسواق، أو متخصص في الصين عن استفادة بكين من انشغال واشنطن، أو دبلوماسي سابق عن حدود العقوبات والحصار، فإن قيمة كلامه لا تأتي من جنسيته أو موقعه السياسي، بل من الأدلة التي يقدمها والأسئلة التي يفتحها.
وسنقرأ كذلك أصواتاً من آسيا وروسيا وأميركا اللاتينية وأوروبا والولايات المتحدة وغيرها، لأن الهدف ليس صناعة إجماع مصطنع، وإنما معرفة كيف تُقرأ الحرب من مدارس استراتيجية مختلفة.
وصدى الولاية... أين تقف؟
لـ«صدى الولاية الإخباري» خطه التحريري المعروف في مقاربة قضايا المنطقة سنفرد للكاتب مساحة لنعرض أفكاره ورؤيته، ونضع الوقائع إلى جانبها، ونشير إلى مواضع الاختلاف أو المبالغة أو نقص الأدلة عندما تظهر.
فالقراءة التي تبحث فقط عمّا يؤكد موقفها لا تكشف العالم كاملاً.
أما القراءة التي تعرف موقفها، ثم تذهب إلى الوثيقة والمعلومة والحجة وتختبرها، فهي أقدر على بناء وعي حقيقي بما يجري.
من طهران إلى واشنطن... ومن هرمز إلى بكين وموسكو
لن تتوقف السلسلة عند العمليات العسكرية.
سنلاحق الأسئلة التي تقع خلفها:
هل تستطيع القوة العسكرية وحدها إخضاع دولة بحجم إيران وموقعها؟
ماذا يحدث إذا تحولت حرب قصيرة إلى استنزاف طويل؟
ماذا يعني ذلك للوجود الأميركي في المنطقة؟
كيف تنظر الصين إلى الحرب؟
وماذا تريد روسيا؟
هل تتغير حسابات كوريا الشمالية؟
ماذا يحدث للتحالفات الغربية عندما تختلف مصالح الحلفاء؟
هل يستطيع الاقتصاد العالمي تحمل اضطراب طويل في هرمز؟
وهل نشهد أزمة عابرة داخل النظام الدولي القائم، أم إحدى حلقات انتقاله نحو صيغة مختلفة؟
لن نفترض الإجابة مسبقاً.
سنبحث عنها في كل حلقة، من خلال عقل مختلف.
البداية... مع بيبي إسكوبار
نبدأ الحلقة الأولى مع الصحافي والمحلل الجيوسياسي البرازيلي بيبي إسكوبار.
اختيار إسكوبار ليس لأن «صدى الولاية» تتبنى كل استنتاجاته، بل لأن الرجل أمضى سنوات طويلة في متابعة أوراسيا والصين وروسيا وإيران وممرات الطاقة والتجارة، ولأن قراءته الحالية للحرب تخرج بها من حدود المواجهة العسكرية إلى سؤال أكبر بكثير:
هل أصبحت الحرب على إيران أيضاً معركة على طرق العالم الجديد؟
من مضيق هرمز إلى بحر قزوين، ومن السكك الحديدية الصينية إلى ممر الشمال–الجنوب، ومن بركس إلى منظمة شنغهاي، يأخذنا إسكوبار إلى خريطة مختلفة للحرب.
ومن هذه الخريطة تبدأ «إيران بعيون العالم».
♦الحلقة الأولى: بيبي إسكوبار
ليست كل الحروب معارك على الأرض، ولا تُقاس نتائجها دائماً بعدد الطائرات والصواريخ والقواعد العسكرية.
في قراءة الصحافي والمحلل الجيوسياسي البرازيلي بيبي إسكوبار للحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران، ثمة حرب أخرى تجري خلف مشاهد النار: حرب على الممرات البحرية والسكك الحديدية والطاقة والعملات والعقوبات، وعلى السؤال الأكبر: من يرسم طرق التجارة والقوة في العالم المقبل؟
إسكوبار، المعروف بتركيزه على أوراسيا وصعود الصين وروسيا ومشروعات الربط القاري، لا ينظر إلى إيران باعتبارها ساحة معزولة في غرب آسيا. في أحدث قراءاته، وخصوصاً مقال «History on a Roll: BRICS, Yemen, Hormuz, China»
التاريخ في حالة حراك: بريكس، اليمن، هرمز، الصين»
المنشور في 14 أيلول/سبتمبر 2026، يضع إيران في قلب مواجهة جيوسياسية أوسع بين منظومة الهيمنة الغربية ومشروع دولي آخذ في التشكل عبر البركس ومنظمة شنغهاي للتعاون وممرات أوراسيا الجديدة.
لكن أين تنتهي الوقائع في هذه القراءة وأين يبدأ استنتاج إسكوبار؟
من هو بيبي إسكوبار؟
إسكوبار صحافي ومحلل جيوسياسي برازيلي عمل مراسلاً دولياً منذ ثمانينيات القرن الماضي في عدد من العواصم والمدن العالمية، وهو كاتب في The Cradle ومحرر متجول في آسيا تايمز ويركز جانب كبير من عمله على أوراسيا والصين وروسيا وإيران ومشروعات الربط التجاري العابرة للقارات.
قراءاته ذات موقف واضح ومناهض للهيمنة الأميركية، ولذلك لا نتعامل معها في هذه السلسلة بوصفها حقائق نهائية، بل بوصفها رؤية استراتيجية نضعها أمام الوقائع ونختبر عناصرها الأساسية.
أطروحة إسكوبار: إيران ليست الهدف وحدها
بيبي اسكوبار يقول ان الحرب على إيران ليست، حرباً على إيران وحدها، فموقع إيران الجغرافي يجعلها عقدة بين الصين وآسيا الوسطى وروسيا والقوقاز والخليج والمحيط الهندي. ولذلك فإن إخضاعها أو عزلها لا يؤثر في طهران فقط، وإنما في شبكات الربط التي تحاول قوى أوراسية بناءها بعيداً عن السيطرة الغربية.
إسكوبار يذهب أبعد من ذلك، فهو يرى أن واشنطن تستطيع فرض حصار بحري وضغوط مالية هائلة على إيران، لكنها تواجه مشكلة يصعب حلها بالقوة البحرية:
لا تستطيع حصار الجغرافيا الإيرانية نفسها.
إيران دولة متصلة بآسيا الوسطى وتركيا والعراق وباكستان والقوقاز وبحر قزوين، وترتبط عبر شبكات برية وبحرية بمشروعات صينية وروسية واسعة.
هذه هي نقطة البداية في قراءته للحرب.
ماذا تقول الوقائع؟
هنا تصبح أطروحة إسكوبار مثيرة للاهتمام، لأن جزءاً مهماً من أساسها الجغرافي يمكن التحقق منه بعيداً عن رأيه السياسي.
من أبرز المشروعات ممر النقل الدولي بين الشمال والجنوب (INSTC)، الذي يربط روسيا بإيران وصولاً إلى الخليج والهند، وهو مشروع قائم منذ سنوات وتسارعت أهميته بعد العقوبات الغربية على روسيا.
وهناك أيضاً ممر الصين–آسيا الوسطى–إيران.
وفي أيلول الجاري انطلق بالفعل قطار حاويات مكوّن من 55 عربة من الصين باتجاه إيران، عبر كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، في رحلة يزيد طولها على ستة آلاف كيلومتر.
إذن، وجود البدائل البرية ليس فرضية لإسكوبار.
لكن ذلك لا يعني أنها تستطيع ببساطة تعويض البحر.
تقارير اقتصادية مستقلة تظهر أن تحويل التجارة الإيرانية من البحر إلى البر يرفع الكلفة بصورة كبيرة ويخلق اختناقات لوجستية، فيما تبقى قدرة موانئ بحر قزوين والسكك الحديدية محدودة مقارنة بحجم التجارة التي كانت تمر عبر السواحل الجنوبية.
وهنا يظهر فارق أساسي بين الواقع والتحليل:
الواقعة هي أن إيران تملك منافذ وممرات بديلة.
أما القول إن هذه الشبكات تجعل الحصار الأميركي غير قادر على تحقيق أهدافه فهو استنتاج استراتيجي يحتاج إلى اختبار مع استمرار الحرب.
هرمز ليس مجرد مضيق
في قراءة إسكوبار، لا يمكن فهم الحرب من دون مضيق هرمز.
فالمضيق ليس فقط طريقاً للنفط؛ إنه نقطة تماس بين القوة البحرية الأميركية والجغرافيا الإيرانية وبين احتياجات الاقتصادات الآسيوية الكبرى.
ولهذا يربط إسكوبار بين هرمز وباب المندب والبحر الأحمر وممرات أوراسيا.
الفكرة هنا بسيطة رغم تعقيد الجغرافيا:
إذا كانت واشنطن تملك قوة بحرية قادرة على التحكم بالممرات، فإن خصومها يحاولون بناء طرق تجعل الاقتصادات أقل اعتماداً على تلك الممرات.
ومن هنا ينتقل إسكوبار من الحرب العسكرية إلى ما يسميه عملياً حرب ممرات الاتصال.
بركس تدخل الصورة
المحطة الثانية في قراءة إسكوبار هي قمة بركس في نيودلهي.
وهنا توجد واقعة مهمة لا تعتمد على تفسيره.
ففي إعلان نيودلهي الصادر في 12 أيلول/سبتمبر 2026، أدانت دول بركس الإجراءات القسرية الأحادية المخالفة للقانون الدولي، بما فيها العقوبات الاقتصادية الأحادية والعقوبات الثانوية، ودعت إلى إزالتها، معتبرة أن لها آثاراً واسعة على التنمية والصحة والأمن الغذائي للسكان في الدول المستهدفة.
كما أعربت المجموعة عن القلق العميق من التصعيد في غرب آسيا ودعت إلى ضبط النفس.
هذا لا يعني أن بركس أعلنت تحالفاً عسكرياً مع إيران، ولا أن أعضاءها متفقون على كل تفاصيل الحرب.
لكن الوثيقة تثبت شيئاً أكثر تحديداً: هناك اعتراض جماعي متزايد داخل تجمع دولي كبير على استخدام العقوبات الأحادية والعقوبات الثانوية كأداة لفرض السياسة الدولية.
وهذه النقطة تحديداً هي التي يبني عليها إسكوبار جزءاً كبيراً من أطروحته.
ومنظمة شنغهاي ذهبت أبعد
في قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بيشكيك مطلع أيلول، كان الموقف أكثر وضوحاً.
أدان أعضاء المنظمة الضربات العسكرية على الأراضي الإيرانية، وأكدوا دعم سيادة إيران ووحدة أراضيها، ودعوا إلى تسوية النزاع بالوسائل السياسية والدبلوماسية.
كما أكدوا حق الدول الأطراف في معاهدة عدم الانتشار النووي في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وعارضوا الإجراءات القسرية الأحادية المخالفة للقواعد الدولية.
وهنا يرى إسكوبار أن إيران لم تعد تواجه واشنطن من موقع دولة معزولة كما حدث مع دول أخرى تعرضت للحصار أو الحرب، بل من داخل منظومات دولية تضم قوى كبرى مثل الصين وروسيا والهند.
هذه واقعة من حيث عضوية إيران ومواقف المنظمات؛ أما اعتبارها ولادة جبهة أوراسية متماسكة في مواجهة الغرب فهو تحليل إسكوبار، وليس حقيقة مكتملة بعد الى الآن على الأقل.
فالخلافات بين الصين وروسيا والهند وغيرها لم تختفِ، ومصالح هذه الدول ليست متطابقة.
الصين وروسيا: هل أصبحت إيران خطاً أمامياً؟
هنا تصبح قراءة إسكوبار أكثر جرأة ووضوحا.
فهو ينظر إلى مثلث روسيا–إيران–الصين باعتباره أحد مراكز التحول في أوراسيا.
بالنسبة إليه، المسألة ليست أن موسكو وبكين ستخوضان حرب إيران بدلاً عنها، وإنما أن سقوط إيران تحت الهيمنة الأميركية سيؤثر مباشرة في المجال الاستراتيجي لكلتيهما.
بالنسبة إلى روسيا، إيران بوابة جنوبية نحو الخليج والهند.
وبالنسبة إلى الصين، تقع إيران على تقاطع طرق الطاقة ومبادرة الحزام والطريق والاتصال بآسيا الوسطى وغرب آسيا.
وهنا يطرح إسكوبار سؤالاً ضمنياً بالغ الأهمية:
إذا كانت إيران عقدة في شبكة أوراسية جديدة، فهل يصبح الدفاع عن قدرتها على البقاء مستقلة مصلحة روسية وصينية أيضاً؟
إجابته تميل بوضوح إلى نعم.
لكن هذه الرؤية لإسكوباروان كان هناك من يدعمها فإنه لا توجد معاهدة دفاع جماعي تجعل الصين أو روسيا ملزمتين بخوض حرب دفاعاً عن إيران، ولا ينبغي الخلط بين الشراكة الاستراتيجية وبين التحالف العسكري الملزم.
المعركة الثالثة: الدولار والعقوبات
في كتابات إسكوبار، الصاروخ ليس السلاح الوحيد.
هناك الدولار.
وهناك نظام المدفوعات.
وهناك العقوبات الثانوية.
وهناك قدرة وزارة الخزانة الأميركية على جعل المصارف والشركات في دول أخرى تخشى التعامل مع دولة تستهدفها واشنطن.
ومن هذه الزاوية، يعتبر أن الصراع الحقيقي لا يدور فقط حول قدرة إيران على مقاومة القوة العسكرية، بل حول قدرة منظومة بركس وأوراسيا على بناء تجارة وتمويل وممرات لا تستطيع واشنطن تعطيلها بقرار واحد.
إعلان نيودلهي يعطي هذه القراءة أساساً سياسياً، لكنه لا يثبت أن البديل المالي قد اكتمل.
الدولار لا يزال يتمتع بدور مركزي في النظام المالي العالمي، والأسواق الغربية ما زالت ذات وزن هائل، ومشروعات التسوية بالعملات المحلية لم تتحول بعد إلى نظام مالي عالمي موحد بديل.
وهنا ربما يقع الاختبار الحقيقي لأطروحة إسكوبار.
ليس السؤال ما إذا كانت دول كثيرة تريد تقليل تعرضها للعقوبات الأميركية؛ فهذا بات واضحاً.
السؤال هو: هل تستطيع بناء البنية التحتية المالية والتجارية التي تجعل تلك الرغبة قابلة للتطبيق على نطاق عالمي؟
اهمية رؤية إسكوبار؟
إسكوبار يميل إلى رؤية التحولات المختلفة — بركس، منظمة شنغهاي، روسيا، الصين، إيران، الممرات البرية والعملات المحلية — بوصفها أجزاء متقدمة من انتقال واحد نحو عالم متعدد الأقطاب.
لكن الواقع أكثر تعقيداً.
الهند، على سبيل المثال، شريك في بركس ومنظمة شنغهاي وفي الوقت نفسه لديها علاقات استراتيجية واقتصادية عميقة مع الولايات المتحدة والغرب.
والصين تريد الحد من الهيمنة الأميركية، لكنها تحتاج أيضاً إلى استقرار التجارة العالمية.
وروسيا وإيران لديهما شراكة استراتيجية متنامية، لكن مصالحهما ليست متطابقة في كل الملفات.
لذلك فإن وجود اتجاه نحو تعدد مراكز القوة أكثر قابلية للإثبات من القول إن هناك «نظاماً عالمياً جديداً» قد اكتمل بالفعل.
ما الذي يجعل قراءة إسكوبار مهمة؟
لأنها تطلب من القارئ أن يرفع نظره عن خريطة الضربات العسكرية للحظة.
بدلاً من السؤال فقط:
من قصف أكثر؟
ومن يمتلك صواريخ أكثر؟
تطرح رؤيته أسئلة مختلفة:
من يسيطر على طرق التجارة؟
من يستطيع إبقاء الطاقة متدفقة؟
من يملك أنظمة الدفع؟
من يستطيع الالتفاف على العقوبات؟
ومن يستطيع بناء طريق تجاري لا تستطيع القوة البحرية الأميركية إغلاقه؟
عندها تصبح إيران أكبر من ساحة حرب.
تصبح موقعاً جغرافياً تتقاطع عنده مشاريع عالمية متنافسة.
في الخلاصة لصدى الولاية
قراءة بيبي إسكوبار لا تثبت أن الهيمنة الأميركية انتهت، ولا أن الصين وروسيا وإيران أسست نظاماً بديلاً مكتملاً.
لكن الوقائع التي يستند إلى جزء منها تكشف تحولاً مهما لم يكن من قبل ويصعب تجاهله.
العقوبات والحصار والقوة العسكرية التي استخدمتها الولايات المتحدة وحلفاؤها طوال عقود دفعت دولاً مستهدفة ودولاً تخشى التعرض للأداة نفسها إلى البحث عن ممرات وأسواق وعملات وشراكات تقلل قدرتها على إخضاعها وهذا ما فعلته الصين .
وهنا تكمن المفارقة التي تضيء عليها قراءة إسكوبار:
قد تكون الحرب التي تريدها واشنطن وحلفاؤها إعادة تثبيت قدرتها على فرض شروطها قد أصبحت، في الوقت نفسه، عاملاً يدفع خصومها إلى تسريع بناء الأدوات التي يريدون بها تقليل قدرتها على فرض تلك الشروط مستقبلاً وبالتالي فإن نتيجة الحرب على إيران لن تُقرأ فقط على خريطة إيران أو في مضيق هرمز.
قد تُقرأ أيضاً على خطوط السكك الحديدية الممتدة من الصين إلى آسيا الوسطى، وفي ممر الشمال–الجنوب بين روسيا وإيران والهند، وفي اجتماعات بركس وشنغهاي، وفي الصراع الهادئ على العملات وأنظمة الدفع وطرق التجارة.
وهذا تحديداً ما يجعل رؤية بيبي إسكوبار تستحق أن تكون الحلقة الأولى من «إيران بعيون العالم».
المصدر الأساسي للقراءة:
Pepe Escobar — History on a Roll: BRICS, Yemen, Hormuz, China — 14 أيلول/سبتمبر 2026.
مصادر التحقق: إعلان نيودلهي الرسمي لقمة BRICS، إعلان قمة منظمة شنغهاي في بيشكيك، وتقارير مستقلة عن ممر الشمال–الجنوب وممر الصين–آسيا الوسطى–إيران وحركة التجارة البرية الإيرانية.
المقال الأساسي لإسكوبار متاح هنا: Pepe Escobar — History on a Roll: BRICS, Yemen, Hormuz, China. ويمكن مراجعة صفحة إسكوبار في The Cradle وكتاباته السابقة عن إيران وأوراسيا وإعلان نيودلهي الرسمي لـBRICS. أما واقعة القطار الصيني–الإيراني الجديد فموثقة أيضاً لدى Interfax، فيما توثق Financial Times انتقال جزء متزايد من التجارة الإيرانية إلى الطرق البرية تحت ضغط الحصار البحري.
إعداد وتحرير: ماجدة عباس الموسوي
رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري