
❗️خاص صدى الولاية | بقلم: العميد مالك أيوب – خبير في الشؤون الأمنية والسياسية❗️
تستحضر التطورات الميدانية والسياسية الجارية في المنطقة شريطاً طويلاً من الأحداث التاريخية التي رسمت ملامح الشرق الأوسط خلال العقود الأخيرة، لتكشف عن نهج دائم في إدارة الصراعات عبر أدوات الوكالة. فمنذ الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، مروراً باندلاع الأزمة السورية عام 2011، وصولاً إلى الليبية واليمنية، شهدت كل أزمات المنطقة تورطاً عربياً دولياً مباشراً أدارته الولايات المتحدة لضمان إبقاء ألسنة النار مستعرة، في استراتيجية صُبّت مخرجاتها في نهاية المطاف لصالح الكيان الصهيوني، المستفيد الأول والوحيد من تفكيك الكيانات المركزية لدول المنطقة وتحويلها إلى كيانات متناحرة، تقويضاً لمقومات استقرارها.
في هذا السياق، لعبت دول الخليج دور الممول الرئيسي والغطاء اللوجستي والمادي لمشاريع الاستقطاب والتجنيد، حيث تم الترتيب لتصدير واستقدام آلاف العناصر التي تعتنق الأفكار السلفية المتطرفة من مختلف دول العالم ونقلهم إلى “البقع الساخنة” في العراق، ليبيا، سوريا واليوم جاء دور اليمن. جرت هذه العمليات برعاية وتنسيق وإشراف أمريكي مباشر تحت عناوين وضغوط سياسية متعددة، بهدف واحد لا يتغير: تفتيت الجغرافيا العربية، وإعادة ترسيم الموازنات الإقليمية، وإبقاء المنطقة برمتها في حالة دائمية من اللااستقرار والضعف الهيكلي.
غير أن ما غاب عن حسابات دول الخليج والسعودية حينها، هو أن الاستثمار في الإرهاب العابر للحدود وتوظيف الجماعات التكفيرية لا يمكن ضبطه إلى الأبد ضمن حدود الآخرين؛ فسرعان ما انقلب السحر على الساحر، ووصلت شرارات النار التي أشعلوها في العواصم المجاورة إلى عقر دارهم، مهددة أمنهم الداخلي واستقرارهم الذي ظنوا أنه بمعزل عن النيران.
اليوم، وتأكيداً لهذا النهج، تظهر المؤشرات الميدانية والاستخبارية أن الساحة اليمنية تشهد محاولات متقدمة لاستعادة السيناريو ذاته عبر إعادة تدوير الأدوات التكفيرية للقتال بالوكالة نيابة عن التحالف الذي تقوده الرياض، لا سيما بعد العجز الميداني عن تحقيق حسم عسكري مباشر أو تغيير في معادلات الردع التي فرضتها حركة “أنصار الله”.
ولم تعد هذه التطورات مجرد قراءات تحليلية، بل بدأت تترجمها وقائع وثوابت على الأرض؛ فقد برزت بوادر هذا التوجه في العاصمة صنعاء من خلال محاولات بعض الخلايا المرتبطة بالتنظيمات المتطرفة تنفيذ عمليات انتحارية واعتداءات استهدفت أسواقاً شعبية ومناطق مدنية لزعزعة الجبهة الداخلية. بالتوازي مع ذلك، كشفت المواجهات والاشتباكات على المحاور الحدودية بين اليمن والسعودية عن أسر مقاتلين ومرتزقة يحملون جنسيات عربية وأجنبية، من بينها جنسيات سودانية وسورية، جرى تنظيمهم وإمدادهم بالمال والتسهيلات والدفع بهم إلى خطوط المواجهة الأولى.
إن قراءة هذه التطورات في ظلها الإقليمي والدولي تؤكد أن ظاهرة “تسيير المرتزقة وتسهيل عبورهم” أضحت استراتيجية عابرة للحدود؛ إذ جرى استخدام واستنساخ هذا النموذج سابقاً عبر رفد الجبهات بمقاتلين سوريين وأجانب في ناغورني كراباخ، وليبيا، والساحة الأوكرانية بتسهيلات وغطاء دولي واضح. ومع كون المواجهات الراهنة على الساحة اليمنية لا تزال في بداياتها وتسير ضمن إيقاع متصاعد، فإن المعطيات والوقائع ترجح إمكانية توسع هذا التدفق للجماعات المتطرفة وعناصر الترانزيت نحو الجبهات اليمنية خلال المرحلة المقبلة، في محاولة جديدة لتخفيف الخسائر المباشرة وإدارة الصراع عبر الحروب بالوكالة.