
❗️خاص صدى الولاية | بقلم: الإعلامي خضر رسلان❗️
ليس تفصيلاً عابراً أن تعود «مذكرة تفاهم إسلام آباد» إلى الواجهة، بعد أشهر من التصعيد الذي أعاد طرح أسئلة أساسية حول أمن المنطقة وحدود الاعتماد على الحماية الخارجية. والأكثر دلالة أن تأتي هذه العودة في بيان جمع السعودية ومصر وتركيا وباكستان على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، في لحظة إقليمية شديدة الحساسية.
البيان الرباعي الصادر بعد اجتماع وزراء الخارجية في 21 أيلول/سبتمبر لم يكتفِ بالدعوة إلى الحوار والدبلوماسية، بل شدد تحديداً على ضرورة الالتزام بمذكرة تفاهم إسلام آباد لتحقيق السلام والاستقرار. وهذا يعني أن المسار الذي ارتبط بالتفاهمات الأميركية–الإيرانية لم يُسحب من التداول، رغم ما طرأ على المنطقة من تطورات وتصعيد.
الأهمية هنا ليست في العبارة وحدها، بل في توقيتها. فما جرى في باب المندب والبحر الأحمر أظهر مرة أخرى أن أمن المنطقة لا يمكن تجزئته، وأن أي اضطراب في ممر بحري يمكن أن يتحول سريعاً إلى قضية تتصل بالطاقة والتجارة والأمن الإقليمي. ومن الطبيعي، في مثل هذه الظروف، أن تبحث الدول عن قنوات سياسية قادرة على احتواء تداعيات التصعيد، لا عن ترتيبات تزيد من احتمالات اتساعه.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم الموقف السعودي بعيداً عن اختزاله في رد فعل على تطور أمني محدد. السعودية دولة ذات مؤسسات ومصالح ومسؤوليات إقليمية، ومن الطبيعي أن تعمل على حماية أمنها ومصالحها عبر أكثر من قناة، وأن تجمع بين علاقاتها الدولية وبين المسارات التي تتيح خفض التوتر وفتح قنوات التواصل. والبيان نفسه أكد دعم سيادة المملكة وأمنها وسلامة أراضيها، بالتوازي مع التشديد على الحوار والدبلوماسية.
وهنا تبرز إيران كحقيقة إقليمية لا يمكن تجاوزها في أي محاولة لإعادة ضبط الإيقاع. فليس المطلوب أن تكون طرفاً في التفاهم الرباعي، لكن تجاهل قدرتها على التأثير في ملفات المنطقة، ولا سيما ما يتصل بأمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب، يجعل أي تسوية شاملة ناقصة منذ بدايتها.
ومن اللافت أيضاً أن عودة إسلام آباد جاءت عبر إطار يضم السعودية ومصر وتركيا وباكستان، بما يمنح المسار مساحة أوسع من مجرد تفاهم ثنائي. وإذا كان الهدف هو منع انتقال الأزمات من جبهة إلى أخرى، فإن توسيع التشاور بين القوى الإقليمية قد يصبح جزءاً من محاولة إعادة ترتيب المشهد على أساس المصالح المتبادلة، لا على قاعدة الاصطفاف وحده.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه على لبنان أيضاً: هل تعني العودة إلى مسار إسلام آباد، بما يحمله من تأكيد للحوار والتفاهمات الإقليمية، إعادة النظر في الغطاء السياسي الذي أُعطي لمسار ما يسمى «اتفاق الإطار» بين السلطة اللبنانية والكيان الإسرائيلي؟
لا يقدم البيان الرباعي جواباً مباشراً عن هذا السؤال، ولا يتضمن موقفاً معلناً من «اتفاق الإطار» اللبناني–الإسرائيلي. لكن طرح السؤال يصبح مشروعاً إذا كانت المرحلة المقبلة تتجه فعلاً نحو تفاهمات إقليمية أوسع، تقوم على احترام سيادة الدول ومؤسساتها، لا على فرض ترتيبات أمنية منفصلة لكل ساحة. ولا سيما أن رئيس الحكومة اللبنانية وصف الإطار الثلاثي بأنه إطار سياسي للمفاوضات وليس اتفاقاً أو معاهدة بالمعنى القانوني، فيما يستمر التفاوض حول آلية تنفيذه.
وهنا تكمن أهمية المسألة اللبنانية: فإذا كانت المنطقة تتجه نحو إعادة فتح قنوات التفاهم، فمن الطبيعي أن يُطرح أيضاً السؤال عن موقع لبنان في هذه الترتيبات، وعن مدى قدرة أي مسار ثنائي مع الكيان الإسرائيلي على تجاوز السياق الإقليمي الأوسع أو أن يتحول إلى أمر واقع خارج التوافق الوطني ومؤسسات الدولة.
بعد باب المندب، قد لا تكون العودة إلى إسلام آباد مجرد استعادة لمسار تفاوضي سابق، بل إشارة إلى أن دول المنطقة بدأت تبحث عن صيغة مختلفة لإدارة أمنها. صيغة لا تلغي العلاقات الدولية ولا تنفي الدور الأميركي، لكنها تضع أمن المنطقة ومصالح دولها في قلب أي ترتيب مقبل.
ولهذا فإن السؤال الأهم ربما ليس: هل تعود إسلام آباد؟ بل: ماذا ستعني هذه العودة إذا تحولت من عنوان دبلوماسي إلى مسار فعلي لإعادة ترتيب أمن المنطقة؟ عندها لن يكون لبنان بعيداً عن تداعياتها، ولا عن السؤال المتعلق بمصير المسارات التي فُتحت باسمه خلال المرحلة السابقة.