
أكد رئيس مجلس النواب نبيه بري أن الجنوب جزء لا يتجزأ من لبنان، وأن الدفاع عنه وحمايته وإعادة إعمار ما دمره العدوان الإسرائيلي مسؤولية الدولة ومؤسساتها، مشدداً على أن السلم الأهلي والوحدة الوطنية والجيش اللبناني خطوط حمراء ممنوع تجاوزها أو المساس بها تحت أي عنوان.
وأكد بري رفض تحويل الجنوب إلى منطقة عازلة أو حزام أمني، والتمسك بحق لبنان في مقاضاة إسرائيل على جرائمها، ورفض أي مسار ينتقص من سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
وجاءت مواقف بري في كلمة ألقاها رئيس الهيئة التنفيذية في حركة أمل الدكتور مصطفى الفوعاني ممثلاً إياه، خلال المؤتمر التاسع لـ«منبر الإمام الصدر الثقافي» بعنوان «الإمام الصدر: السلم الداخلي مدخل لبناء الدولة»، الذي عقد في ثانوية الشهيد حسن قصير في بيروت، بحضور عضو كتلة «التنمية والتحرير» النائب محمد خواجة والوزير السابق كريم بقرادوني.
ونقل الفوعاني تحيات الرئيس بري ومواقفه، مؤكداً أن أمانة الإمام السيد موسى الصدر ليست مجرد عنوان سياسي، بل مسؤولية أخلاقية ووطنية، وأمانة لبنان الذي أراده وطناً نهائياً لجميع أبنائه.
وأشار إلى أن الإمام الصدر «ليس ذكرى من الماضي، بل معنى حي وسؤال مفتوح في حاضر لبنان ومستقبله»، لافتاً إلى أن تغييب الإمام ورفيقيه أبقى باب الحقيقة مفتوحاً، وأن قضيته «قضية حقيقة وعدالة لا يملك الزمن حق إغلاقها».
وأكد الفوعاني أن الدولة التي أرادها الإمام الصدر هي «دولة المواطن والعدالة والمؤسسات، دولة قوية تحتضن أبناءها جميعاً وترفع المواطنة فوق الانتماءات الضيقة».
ورأى أن السلم الأهلي ليس هدنة مؤقتة بين الطوائف، بل قرار استراتيجي ووعي وطني يحمي لبنان من الفتنة والتفكك، مشدداً على أن المقاومة والدولة والسلم الأهلي ليست مسارات متناقضة، وأن المقاومة تحمي الحدود والسيادة والكرامة من العدوان، فيما يحمي السلم الأهلي الداخل من الفتنة، وتجمع الدولة القوية والعادلة اللبنانيين ضمن مشروع وطني واحد.
وفي الشأن الجنوبي، أكد الفوعاني أن مواقف الرئيس بري تنطلق من قاعدة أساسية مفادها أن الجنوب لا يقبل التجزئة بين شمال النهر وجنوبه، ولا يمكن أن يكون منطقة تجريبية أو منطقة عازلة أو حزاماً أمنياً لأي كان.
وأشار إلى الاعتداءات الإسرائيلية التي تطال القرى والبلدات الجنوبية واستهداف المدنيين والمنازل والمؤسسات الصحية والتربوية، متوقفاً عند الاعتداء على مستشفى غندور في النبطية الفوقا، ومشدداً على أن استهداف المؤسسات الصحية والمدنية يمثل اعتداءً على حرمة الحياة نفسها.
وقال: «ما يجري في الجنوب ليس مجرد اعتداءات متفرقة، بل محاولة لإعادة صياغة المكان بالنار. الجنوب ليس هامشاً جغرافياً، وحين ينزف ينزف لبنان».
ونقل الفوعاني موقف الرئيس بري الرافض لأي تنازل عن حق لبنان، دولة ومؤسسات وأفراداً، في مقاضاة إسرائيل على جرائمها بحق المدنيين والحجر والبشر، مؤكداً أن التنازل عن هذا الحق تنازل عن السيادة، وأن هذا الحق لا يسقط بالتفاوض أو بالتقادم.
وجدد التأكيد على رفض بري تحويل الجنوب إلى ساحة اختبار أو مقايضة، وضرورة حماية السيادة اللبنانية والتمسك بالقرارات الدولية التي تحفظ حقوق لبنان، وفي مقدمها القرار 1701، ضمن مسؤولية الدولة ومؤسساتها.
ولفت الفوعاني إلى أن بري يرى أن استهداف لبنان لا يقتصر على الأرض، بل يستهدف وحدته وسلمه الأهلي، وأن المطلوب إسرائيلياً هو الفتنة وضرب لبنان في وحدته الداخلية.
وشدد على أن قضية الجنوب هي قضية كل اللبنانيين، والدفاع عنه دفاع عن لبنان، معتبراً أن أخطر ما يمكن أن يحققه العدوان هو فصل اللبنانيين بعضهم عن بعض وتحويل الجنوب إلى قضية منفصلة عن الوجدان الوطني.
وقال: «الأرض لا تحمل بطاقة مذهبية، والسيادة لا تتجزأ، والدم لا يسأل الشهيد عن انتمائه»، داعياً إلى عدم السماح للعدوان بتحويل الخلافات الداخلية إلى أدوات تستثمر في الانقسام الوطني.
وفي الشأن الداخلي، شدد الفوعاني على أن الحوار الوطني ليس ترفاً سياسياً، وأن لبنان لا يمكن أن يُدار بمنطق الغالب والمغلوب، داعياً إلى الحوار لمعالجة الخلافات وإعادة انتظام المؤسسات وبناء الثقة وإنجاز الاستحقاقات الدستورية وترسيخ التوافق الوطني.
وأكد أن أي مقاربة لمستقبل لبنان يجب أن تنطلق من حماية السلم الأهلي والوحدة الوطنية، مشيراً إلى تمسك الرئيس بري باتفاق الطائف ورفض أي طروحات من شأنها تهديد وحدة لبنان أو صيغة عيشه المشترك.
ورأى أن العدالة الاجتماعية والإنماء المتوازن يشكلان جزءاً من حماية الأمن الوطني، لافتاً إلى أن الفقر والتهميش والبطالة والانهيار الاقتصادي عوامل تزيد هشاشة المجتمع، وأن بناء الدولة يقتضي إصلاح المؤسسات وحماية أموال الناس ومواجهة الفساد وإعادة بناء القطاعات الحيوية.
وأكد أن استحضار فكر الإمام الصدر اليوم لا يعني استعادة الماضي، بل قراءة الحاضر بعين المشروع الذي ربط بين الإنسان والوطن، وبين العدالة والسلم الأهلي، وبين المقاومة والدولة.
وأشار إلى أن لبنان يواجه مرحلة دقيقة تتقاطع فيها مخاطر العدوان والأزمة الاقتصادية والانسداد السياسي والضغط الاجتماعي، لكنه لا يملك ترف اليأس، داعياً إلى التمسك بالوحدة الوطنية، وبقاء الجنوب في قلب لبنان، وتعزيز الدولة والحوار والسلم الأهلي والعدالة الاجتماعية.
وشدد على أن يبقى لبنان ممكناً للحوار والدولة والمقاومة والعيش الواحد والعدالة، وأن يبقى الجنوب في قلب الوطن لا على هامشه، مؤكداً أن لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه، وأن الجنوب قلب من قلبه، وأن أمانة الإمام الصدر تبقى أمانة وحدة وعدالة ومقاومة وكرامة ودولة تحفظ الإنسان وتصون الوطن.
وعقب الكلمة، بدأت أعمال المؤتمر بجلسة حوارية أدارها حسن قبلان، وألقى الوزير السابق كريم بقرادوني المحاضرة الأولى، متحدثاً عن ذكرياته مع الإمام الصدر ودوره في ترسيخ مفهوم المقاومة كخيار وطني وتعزيز الوحدة بين مختلف مكونات المجتمع اللبناني.
وفي المحاضرة الثانية، تناول النائب محمد خواجة التحديات الراهنة في جنوب لبنان وسبل تعزيز التماسك الداخلي، متطرقاً إلى الواقع الميداني والسياسي والاجتماعي في الجنوب وسبل مواجهة التحديات عبر تعزيز التعاون الوطني.
وفي ختام المؤتمر، تلا الأب بشارة كتورة التوصيات، قبل تسليم دروع تذكارية للنائب محمد خواجة والوزير السابق كريم بقرادوني والتقاط الصور التذكارية.