
صدى الولاية | الباحث في العلاقات الدولية الدكتور محمد حسن سويدان
قطعًا لا. هناك فارق واضح في مستوى القوّة العسكرية بين الطرفين. تمتلك إيران ما يُخوّلها أذيّة أعدائها، وهي تعمل عبر مجموعة مسارات، عسكرية واقتصادية وسياسية وإعلامية، لرفع كلفة الحرب عليهم بما يُجبرهم على وقف اعتداءاتهم.
لو كانت صواريخ إيران تستطيع ردع الأميركيين بالكامل، لكانت استخدمتها لوقف الضربات الأميركية المستمرّة على السواحل الإيرانية. ولكانت استخدمت صواريخها لرفع الحصار الأميركي عن شعبها. ولكانت منعت المجازر عن أبنائها، والتي كانت آخرها بداية أيلول الجاري. هناك فرق بين أن تستطيع منع كل ضربة، وبين أن تستطيع تقييد عدوك ورفع كلفة عملياته ومنعه من القيام بكل ما يريده.
أما في لبنان، فبشهادة العدو قبل الصديق، إيران حتى الآن استطاعت تقييد الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وقد تم تحييد جزء من الجغرافيا اللبنانية بفضل إيران. ولو كانت صواريخها تستطيع وقف الإجرام الإسرائيلي في الجنوب لكانت استخدمتها. لكنها في المقابل تضغط لمنع توسّع الحرب، ورفع كلفة استمرارها، وربط وقف الحرب في لبنان بالضغط الذي تمارسه على الأميركيين في المنطقة.
وهنا يأتي مضيق هرمز. حاليًا، الاقتصاد العالمي يدفع كلفة إغلاق إيران لمضيق هرمز، وأحد أسباب إغلاقه استمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الجنوب. وهي أيضًا ما تزال ترفض أي عملية تفاوضية لا تشمل وقف الحرب على لبنان. وما تزال ملتزمة بتأمين مظلة ردع للعاصمة بيروت.
ولكن ماذا عن الجنوب؟ هل تستطيع إيران أن ترفع كلفة الحرب على الأميركيين والإسرائيليين إلى درجة تجبرهم على تغيير حساباتهم؟
أولًا، مسؤولية تدمير الجنوب وقتل اللبنانيين تقع على عاتق “إسرائيل”، والأميركيين الذين يعطونها السلاح وكل ما تحتاجه لاستكمال إجرامها. وبالدرجة الثانية، المسؤولية تقع على عاتق السلطة اللبنانية التي شكرها نتنياهو بنفسه. نتنياهو المجرم الذي أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكّرة اعتقال بحقّه.
هؤلاء من يتحمّلون مسؤولية ما يجري في جنوب لبنان.
وإيران هنا لا تجلس متفرّجة. فهي مستمرّة برفع كلفة الحرب على الأميركيين، عسكريًا واقتصاديًا، حتى تصل هذه الكلفة إلى مستوى يُجبرهم على وقف الحرب في كامل المنطقة، وضمنًا لبنان. ومع الأخذ بعين الاعتبار الفارق في موازين القوى، يمكن القول إن هذا ما تستطيع إيران القيام به. وحتى ينكسر الأميركيون، لا بديل لنا غير الصمود والتشبّث بالمقاومة. فالطرح المُقابل الذي تقدّمه لنا “إسرائيل” هو تسليم السلاح لكي تعود أيام مجزرة حولا 1948، حين دخلت القوات الإسرائيلية إلى قرية لا يوجد فيها إلا مدنيون، وقامت بقتل العشرات رميًا بالرصاص، دون أي سبب.
فلننظر إلى الأمور بواقعية تامة.
هناك اختلال كبير في موازين القوى لمصلحة الأميركيين والإسرائيليين. لذلك الصواريخ وحدها لن توقف الحرب، لا على إيران ولا على لبنان.
وقف الحرب يحتاج إلى تراكم الضغوط، عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا. وإيران تحاول استخدام ما لديها لرفع الكلفة على الأميركيين، لأن الضغط على واشنطن هو أحد أهم الطرق للضغط على “إسرائيل”.
هذا هو ما تستطيع إيران فعله ضمن ميزان القوى الحالي، وهذا هو المعيار الواقعي الذي يجب أن نقيس على أساسه نجاح استراتيجيتها أو فشلها.