
❗️خاص صدى الولاية❗️الكاتب فتحي الذاري
في أتون صراع دامٍ يعيد تشكيل خرائط المنطقة، تتقاطع جيوسياسة الطاقة بلا هوادة مع جروح الحروب العميقة التي نزفت في اليمن لسنوات طويلة.
إن التصريحات الأخيرة الصادرة عن وزارة الطاقة السعودية حول استهداف منشآتها النفطية الحيوية في جيزان وأبها، وما تبعها من صور أقمار صناعية توثق ألسنة النيران وهي تلتهم مرافق أرامكو، ليست مجرد تقارير تقنية عن أضرار مادية قابلة للترميم.
إنها، بكل وضوح، انعكاس لواقع استراتيجي جديد كسر وهم الحصانة، وأكد أن الاقتصاد السعودي لن يبقى في مأمن من ارتدادات النزاع العسكري ما دام الدمار يُزرع في أرض الجار.
مفارقة التعبير في وجه جحيم الواقع
لقد أثارت التعبيرات التي استخدمها المسؤولون في قطاع الطاقة السعودي، والتي لامست حدود التوصيف بالانكسارات أو أظهرت حالة من الإحباط، تساؤلات عميقة ومؤلمة لدى المراقبين وكل ذي ضمير.
فبينما قد يُنظر في أروقة الحكم بالرياض إلى المسألة على أنها تحدٍّ لتأمين إمدادات الطاقة العالمية ومصالح عليا، يرى الشعب اليمني، الذي يكابد منذ سنوات حصارًا خانقًا ودمارًا لا يبقي ولا يذر، أن هذا المشهد يحمل أبعادًا إنسانية وسيادية لا يمكن، بل لا يجوز، غض الطرف عنها.
إن الشعور بالانكسار الذي قد يعتري أي مسؤول أمام شعبه جراء توقف العمليات التشغيلية، هل هو ذاته الجحيم الذي يعيشه المواطن اليمني وهو يرى أطفاله يُقتلون، ومنشآته الحيوية تُدمر، ومدنه تتحول إلى ركام تحت قصف لا يرحم؟
الفارق هنا أن انكسار المسؤولية المادية لا يُقارن بانكسار الروح والحياة.
معادلة الحصار بالحصار… خيار فرضته الضرورة القصوى
لم تعد صنعاء، وفق رؤية قيادتها، تملك رفاهية الصمت أو قبول سياسة الطرف الواحد التي تفرض حصارًا شاملًا وتدميرًا ممنهجًا على اليمن.
وبعد سنوات من المعاناة، توصلت قيادة الثورة إلى قناعة استراتيجية مفادها أن استمرار العقاب الجماعي لليمن لن يمر دون رد فعل يوازي حجم ما يتعرض له البلد.
ومع تبدل موازين القوى على الأرض وفي السماء، فرضت اليمن معادلة «الحصار بالحصار»، مؤكدة أن أمن الطاقة الإقليمي وأمن المنطقة برمتها مرتبطان ارتباطًا وثيقًا بإنهاء معاناة الإنسان اليمني وفك الحصار.
إن الهجمات الأخيرة التي اخترقت عمق المنشآت الحيوية، وصولًا إلى ساحات القواعد الجوية التي تحتضن مقاتلات إف-15، ليست مجرد رسائل تحذيرية، بل رسالة ميدانية تؤكد أن الأهداف باتت تُختار بدقة لترسيخ معادلة واحدة: لا استقرار لمن يحرم الآخرين منه.
صرخة الضمير… متى يدرك الشعب السعودي تكلفة الحرب؟
يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا الذي يطرحه هذا الواقع المأساوي: إلى متى سيستمر هذا النزيف الذي يلتهم البشر والحجر؟
إن تكرار استهداف المدنيين والمنشآت المدنية يضع السلطات السعودية أمام استحقاقات أخلاقية وسياسية، أمام شعبها أولًا وأمام العالم أجمع.
فالمواطن السعودي، كما المواطن اليمني، يتطلع إلى العيش بأمان وسلام بعيدًا عن أهوال الحروب التي لا تجلب سوى الدمار والخسائر.
إن الضغط الشعبي من أجل ترك اليمن وفك الحصار لا ينبع من باب الضعف أو التنازل، بل من إدراك حقيقة أن الحروب التي لا تنتهي بتسوية سياسية تتحول إلى استنزاف شامل لا يرحم اقتصادًا ولا إنسانًا.
إن استمرار الربط بين العمليات العسكرية واستنزاف اليمن يثبت أن القضية لم تعد مجرد خلاف عابر، بل معركة سيادية بامتياز، معركة رفض الوصاية على القرار الوطني اليمني وثروات البلاد.
حريق لا تطفئه البيانات ولا الدبلوماسية المبتورة
إن الحرائق التي ترصدها الأقمار الصناعية في محطات الوقود ومصافي التكرير ليست مجرد نيران مشتعلة في منشآت اقتصادية فحسب، بل تعكس سنوات من التدخل العسكري الذي زاد الأزمة تعقيدًا.
لقد غيّرت المسيّرات والصواريخ قواعد المواجهة بشكل جذري، وكسرت احتكار القوة الجوية، وفرضت واقعًا جديدًا على من كان يظن نفسه بعيدًا عن تداعيات الحرب.
لقد حان الوقت ليدرك صناع القرار في المملكة العربية السعودية أن خيار السلام الحقيقي وفك الحصار الشامل هو السبيل لإنهاء هذا التدهور المدمر.
كل قطرة نفط تُستخرج من جوف الأرض لا يمكن أن تكون أثمن من قطرة دم إنسان بريء.
فالحرب التي تدمر الآخر قد ترتد على من يخوضها، إن لم يكن بنيران المعارك فبالكلفة الاقتصادية، والضغوط على الشعوب، وتآكل السمعة، وتداعيات الميدان.
فلتتوقف هذه المحرقة، ولتعلُ أصوات العقل والضمير قبل أن تبتلع النيران كل شيء.
اللهم انصر المجاهدين في سبيلك في مواقع العزة والكرامة.
اللهم إنا نتولاك ونتولى رسولك، ونتولى الإمام عليًا، ونتولى علم الهدى السيد القائد عبد الملك الحوثي، حفظه الله.
اللهم إنا نبرأ إليك من أعدائك وأعداء رسولك وأعداء الإمام علي وأعداء الأمة.
والعاقبة للمتقين.