صدى الولاية | الباحث السياسي بلال اللقيس
يعتبر المعيار ضرورة حياة ولا توجد أمة او فئة او فاعل اجتماعي لا يأخذ بمعايير حتى لو ادعى غير ذلك . دونه لا يمكن معرفة التقدم او التراجع والصعود او الهبوط والاقتراب او الابتعاد . لذلك كثيرا ما كانت الصراعات تعود في جذورها إلى المعيار ، فسلطة المعيار تعتبر من اخطر السلطات . ومن نافلة القول ان المعيار يرتبط بالفاعل وطبيعته وهدفه ولا يمكن اعتماد نفس المعيار لظواهر مختلفة. فمعيار تقييم الشركة غير تقييم المجتمع غير الدولة غير تقييم حركة مقاومة ، وحركة مقاومة كحزب الله تتمايز في جوانب معينة عن غيرها من حركات المقاومة .
في البدء ، لا ننكر ان “موفقيه” حظيت بها حالة حزب الله رفعته لكنها بالان ذاته اثقلته بعض الشيء . اذ سمحت ان يسقط عليه افتراضات (عن حب محب وعن بُغض وتربص مبغض وعدو ) وانتظارات عند العقل الجمعي دونما فحص ان كانت في صلب دوره وصميم هويته كحركة مقاومة تحريرية ونموذج تحرري استنهاضي .
عند مراجعة خطاب حزب اللهً منذ تسعينيات القرن الماضي ، يستشف ان أهدافه تتراوح بين حدين . تحرير الارض كمقدمة لازمة لبناء دولة مستقلة سيدة والتخلص من الهيمنات لا سيما الأمريكية على قرار لبنان السياسي ، والحد الأعلى من أهدافه الذي يتحرك اليه هو مد يد العون وفق المستطاع لحفظ حقوق الامة وشعوبها وفي مقدمهم الشعب الفلسطيني وقضيته وبينهما تقديم نموذج امام القوى والشعوب في التحرر من الهيمنة . فاقتضى ذلك المساهمة في السلطة بحدود لا تضيع اولوية مقاومة المحتل وتحرير لبنان ، والترفع وتعاطي بفائض اخلاقي ازاء الداخل اللبناني (ولو على حساب بيئته احيانا ) واقتضى حد أهدافه الاعلى السعي لمشاركة المضطهدين والمعذبين اسئلتهم من خلال اعادة صياغتها لهم وعونهم لتقديم استجابة فعالة لها وفق خصوصية كل ودون اسقاط تجربته عليهم .
ووضح مسوغات فعله المقاوم على طول مسار المواجهة مع العدو الصهيوني فكانت اولا في منع نوال العدو لاي شرعية قد يُمنحها ان بفرض امر واقع او بتطبع الناس مع ذلك او بشعور استقرار قد يعيشه المحتل . ان حرفي “لا” التي قام عليها خطاب المقاومة لم تكن حقا بحسبه بل واجبا إنسانيا وأخلاقيا قبل اي اعتبار آخر . ان هذه ال “لا” حالت دون تبرير اتفاقيات إذعان من سلطة معينة او مرجعية عربية او اقليمية او داخلية حتى في احلك الظروف وأعقدها على المقاومة في تاريخها وما يعجز عن انجازه جيل بعينه قد ينجح به جيل آت لان الكرامة الوطنية لا تقايض ولا تمنح وليست ملك لاحد ليهبها او يتنازل عنها ، ومن هنا رأى في الاستمرار والتصميم وعدم التردد في ميدان التضحية ضرورة لازمة مهما قلت الإمكانات واتسعت هوة القوة مع العدو وثالثا لان تعزيز الفعل المقاوم ينعكس تحررا في الأنفس وهو الاهم طالت عملية التحرير ام قصرت ، بالنسبة اليه الاحتلال ما كان ليتحقق لوما هناك نقص في ثقافة التحرر ، ورابعا الإبداع كمنهج وليس كسمة فحسب فهو عقل يطور يستفيد ينتج ياخذ العبر ولا يعرف الدعة او التقليد شجاع لا يختان نفسه ولا يخادعها فلا يختبئ برداء الضعف لبناء وطن فالسيادة لا تدرك إلا بالجد وروح التضحية وتقديم الأوطان والإنسان على المصالح الخاصة مع حرصه الشديد ان يحقق التحرير باقل التكاليف والأضرار ما استطاع ذلك .
عند هذا المنطق الطبيعي نشأت اشكالية مقابلة . ان انتصار اي مقاومة عندما يتحقق كما حصل مع مقاومة لبنان يفترض ان يعطيها تلقائيا اهلية قيادة المجتمع والدولة لان نجاح هو دليل اهلية تفوق اهلية السلطة ما يفرض على المقاومة ان تتقدم لتدير البلاد على اسس قيم وفكر التحرير الذي اعتمدته كما حصل مع كل تجارب المقاومة التي نجحت في عملية التحرير ومنها المقاومة الفرنسية . إلا ان حزب الله لفرط حرصه وتواضعه وزهده لم يعتمد ذلك في لبنان فبالغ في هواجسه حيال طبيعة لبنان مخاوفه وهواجس مكوناته وخصوصيته وربما اراد ان يقدم نموذجا تكون المكانة فيه مركزها القلوب والنفوس ولا يزاحمها شيء من نفوذ مادي او سلطة مهما كانت مغرية . فقدم ما افترضه سلطان النفوس واجتذاب العقول والقلوب على سلطان السلطة ( لا باس ان تكون هذه المسالة اي نصر المقاومة محل تقييم عند حزب الله لاحقا) .
واستمرت نجاحات حزب الله العسكرية بعد انتصار عام ٢٠٠٠ حتى صار ينظر اليه قوة ردع بما لم تتحمله اي حركة مقاومة في التاريخ، فالردع كما نعلم هو من نسيج نظرية الدولة ومنظومتها الامنية وليس من متن نظرية المقاومة !! فكان من تبعات ذلك ان أمعنت السلطة اللبنانية في خيار الاستقالة عن مسؤولياتها فتخلت ليس عن الحماية فحسب ولا ردع عدوها بل استقالت عن مسؤولياتها تجاه مجتمع المقاومة حتى في صغير امور الناس ومعاشهم .
وعندما رضّ فيها حزب اللهً في حرب ال ٢٠٢٤ سرعان ما خرجت السلطة من سباتها مشهرة سيف الانتقام ومعلنة دون تردد انحيازها لجبهة اميركا وبدأت تضرب بالمقاومة ومجتمعها بكل اتجاه ونبذت حتى في أدبياتها اتفاقيات دولية وأممية تشكل نقاط قوة للبنان . تنكرت للمقاومة والمقاومين وتعاطت معهم باعتبارهم آخر ، ليسوا شعبها الذي قام لعقود بدورها فهم ليسوا شعبها ولا مسؤوليتها بل هم والاحتلال الصهيوني في خانة واحدة هم والاحتلال مشكلة لبنان بالسواء ( تعبير السلطة ) وذهبت لتجاهر بعدائها لمجتمع المقاومة وتمارس صنوف الضغوط عليه لتأليبه على مقاومته في ما شبهه البعض بخيانة الدولة نفسها .
نعود إلى حزب الله كحركة لبنانية تنتمي إلى رؤية إيمانية إسلامية محددة ترى احد مؤشرات نجاحها هو في مدى عطف القوة على القيم والاخلاق والمبادئ وليس العكس . فالمقاومة الاسلامية هنا هي فعل اخلاقي وقيمي قبل ان تكون قوة مادية وبعدها ، وإبداعها يبدأ بالمنهج اولا قبل ان يصل إلى الأساليب حيث تتمايز ارادتها عن التيار الذي سكن إلى التبعية والانصياع وفتش في تبرير ذلك . المقاومة تبث ثقافة نزع الخوف وتضخيم الظالم في الأنفس كما هو حاصل اليوم في المواجهة التاريخية ؛ وكونها حركة إيمانية فان هدفها وغايتها ومنهجها هو الدعوة إلى تقديم واعلاء الكرامة الإنسانية . فجوهر فعلها يتعلق في مقدار نجاحها في توسعة دائرة الجذب والاقتراب من قيم العدل والحرية باعتبارهما ركيزتا الكرامة الإنسانية . وتعزيز إسهام الامة والبشرية بمنظومة الحق وتمييزها عن الباطل ،. على ضوء ذلك يمكن ان نتحدث عن معايير إضافية لتقييم حركة مقاومة كحزب الله تتصل بتعميق وتوسعة دائرة ارادة ووعي اهل الايمان للعدل والتحرر .
وفق هذه المعايير لا يعود الانتصار المادي هو اساس التقييم ولا معياره الاساس بل اصل الفعل المقاوم كجرس انذار للشعب والامة بالنهوض والتضحية من اجل الكرامة الوطنية والانسانية واعلاء قيمة الوطن بعيون بنيه ، وكلمة “لا” التي تحرم العدو من اي شرعية “تلفيقية” او شرعية فاعلية فتمنت تبرير العمالة باسم الواقعية وضيق الخيارات ( بالأمس كان اولائك ألد اعداء المقاومة واليوم صاروا بقولون ان المقاومة امنت حماية ماضيا وانتفى مبرر وجودها الان مع تراجع ردعها !!! ) . والتحرر بجنب التحرير بل قبله ومعه وبعده بتوسعة دائرة المنادين بالعدل والحق وارادة الاستقلال ورفض الاستعباد وإسقاط هالة المستكبر والمهيمن وتعزيز ثقافة مواجهته وتحديه .
اما الذي يريد لغاية في نفسه ان يدخل الردع كمعيار تقييم اول وحاسم ويصر عليه كما نحاول السلطة في لبنان اليوم ، فهو من حيث يدري او لا يدري يفتح الباب عريضا على ضرورة اعادة النظر ببنية النظام السياسي وقيمه وثقافته بما يتلاءم مع نداء المقاومة وانتصاراتها كما حصل ذات يوم مع المقاومة الفرنسية حين انتصرت فغيرت والا نكون امام مفارقة “مشروعية لمقاومة ، وسلطة باسناد خارجي أمريكي” على ارض واحدة وتحت سقف واحد ، وهذا واقعا متعذر ويجعل اي بلد في ادارة ازمات وترحيل ولا ينتقل به إلى دولة فعلية .
وانتفى مبرر وجودها الان مع تراجع ردعها !!! ) . والتحرر بجنب التحرير بل قبله ومعه وبعده بتوسعة دائرة المنادين بالعدل والحق وارادة الاستقلال ورفض الاستعباد وإسقاط هالة المستكبر والمهيمن وتعزيز ثقافة مواجهته وتحديه .
اما الذي يريد لغاية في نفسه ان يدخل الردع كمعيار تقييم اول وحاسم ويصر عليه كما نحاول السلطة في لبنان اليوم ، فهو من حيث يدري او لا يدري يفتح الباب عريضا على ضرورة اعادة النظر ببنية النظام السياسي وقيمه وثقافته بما يتلاءم مع نداء المقاومة وانتصاراتها كما حصل ذات يوم مع المقاومة الفرنسية حين انتصرت فغيرت والا نكون امام مفارقة “مشروعية لمقاومة ، وسلطة باسناد خارجي أمريكي” على ارض واحدة وتحت سقف واحد ، وهذا واقعا متعذر ويجعل اي بلد في ادارة ازمات وترحيل ولا ينتقل به إلى دولة فعلية.
كاتب لبناني