
سلسلة مقالات حزب الله بعد الحرب
❗خاص sadawilaya بقلم كتب: حسن علي طه❗️
غالبًا ما يحصل أن يُستهدف الزعيم، فتتعرض معه المنظومة السياسية أو التنظيمية التي يقودها لاهتزاز كبير، وقد شهد العالم نماذج عديدة لأنظمة وحركات ارتبط استقرارها بدرجة كبيرة بقياداتها.
لكن ما تعرض له حزب الله في لبنان أظهر مسارًا مختلفًا، رغم حجم الضربات التي تلقاها خلال الحرب.
فقد خسر الحزب أمينه العام وعددًا كبيرًا من قياداته العسكرية والتنظيمية البارزة، ومن بينهم إبراهيم عقيل وفؤاد شكر وعلي كركي، إلى جانب عشرات القادة والكوادر.
أتى وقف إطلاق النار في تشرين الثاني 2024، ثم شهدت المنطقة بعد ذلك تحولات سياسية وأمنية كبرى، كان أبرزها سقوط حكم بشار الأسد في سوريا، بما حمله ذلك من تداعيات مباشرة على البيئة الإقليمية المحيطة بالمقاومة وعلى خطوط إمدادها واتصالها بإيران.
وفي لبنان، جاءت لاحقًا مرحلة سياسية جديدة مع انتخاب جوزاف عون رئيسًا للجمهورية وتشكيل حكومة برئاسة نواف سلام.
وخلال الأشهر التالية، استمرت الاعتداءات الإسرائيلية على الأراضي اللبنانية تحت ذرائع أمنية مختلفة، بالتوازي مع تصاعد الخلاف الداخلي حول سلاح حزب الله ومستقبل المقاومة ودورها.
كما اتخذت السلطات اللبنانية مجموعة من الإجراءات والقرارات التي أثارت اعتراض حزب الله وبيئته السياسية والشعبية، ولا سيما في الملفات المرتبطة بإعادة الإعمار وبعض الرحلات الجوية والعلاقات مع إيران، إضافة إلى القرارات الحكومية المتعلقة بحصرية السلاح.
ويرى الكاتب أن هذه السياسات وضعت ملف سلاح المقاومة في مقدمة أولويات السلطة، على حساب ملفات سيادية واجتماعية واقتصادية أخرى لا تقل أهمية.
ورغم هذه الظروف، استطاع حزب الله بقيادة أمينه العام الشيخ نعيم قاسم إعادة تنظيم جزء مهم من بنيته وقدراته، وصولًا إلى التطورات العسكرية التي بدأت في الثاني من آذار، والتي شكلت تحولًا جديدًا في مسار المواجهة.
وأثارت تلك التطورات خلافًا سياسيًا حادًا في الداخل اللبناني، وصدرت عن مسؤولين رسميين مواقف اعتبرت تحرك المقاومة خارج إطار قرار الدولة.
وفي المقابل، أعلنت المقاومة أن لا عودة إلى المعادلات التي سبقت الثاني من آذار، فيما أكدت إيران في مواقفها السياسية أن الملف اللبناني حاضر ضمن أولويات أي تسوية إقليمية، وأن وقف الحرب والانسحاب الإسرائيلي يشكلان أساسًا لأي مسار سياسي مستدام.
ولكن ماذا عن اليوم التالي لوقف الحرب وانسحاب العدو؟
هنا يبدأ السؤال الأصعب.
ما الذي حصل؟
وكيف حصل؟
لن تكون الإجابة سهلة، ولا سيما في ظل غياب عدد كبير من القيادات التي كانت تمتلك المعلومات والتفاصيل المرتبطة بالقرارات التي اتُخذت خلال مراحل الحرب المختلفة.
لكن هل يمكن أن تستقيم الأمور وأن تسير وكأن شيئًا لم يكن؟
وماذا عن آلاف الشهداء؟
وماذا عن بلد دُمّرت أجزاء واسعة منه وقرى تعرضت لدمار هائل؟
وماذا عن تنظيم تلقى ضربات قاسية تستوجب طرح أسئلة جدية حول السياسة والأمن والإعلام والإدارة وآليات القيادة واتخاذ القرار؟
إن نجاح الحزب في البقاء لا يعني بالضرورة أن يبقى الحزب كما كان.
وإذا كان الحزب قد نجح في تجاوز واحدة من أصعب مراحل تاريخه، فإن التحدي الأكبر اليوم هو ألا تستمر معه الأخطاء والثغرات التي ساهمت، بصورة أو بأخرى، في تعريضه لهذه الخسائر.
لا يجوز أن تُدفن الأسئلة مع الشهداء.
ولا ينبغي أن تتحول التضحيات إلى سبب يمنع المراجعة والمحاسبة.
كما أن الوفاء لمن رحلوا لا يتعارض مع مساءلة الأحياء عن القرارات والسياسات التي كانوا مسؤولين عنها.
المسؤولية السياسية والتنظيمية تقتضي مراجعة أداء كل من تولى موقعًا قياديًا خلال المرحلة السابقة، وتحديد المسؤوليات وفق الوقائع والنتائج، بعيدًا عن الاتهامات المسبقة أو الأحكام الشخصية.
فالانتقادات التي كانت تُقال همسًا أصبحت اليوم أكثر حضورًا داخل جمهور المقاومة وبيئتها، وهناك اعتراضات واضحة على أداء بعض الشخصيات السياسية والإعلامية المحسوبة عليها، وعلى طريقة إدارة بعض الملفات والمواقف.
كما أن استمرار التنافس على المواقع داخل أي تنظيم بعد حرب بهذا الحجم يطرح سؤالًا مشروعًا حول الأولويات وحول الحاجة إلى تجديد حقيقي في الأشخاص والأفكار وآليات العمل.
فهل يكون الحل بحلّ الحزب؟
ليس المقصود حل حزب الله وإنهاءه، ولا شطب تاريخه أو التخلي عن قضيته.
المقصود هو طرح السؤال حول إمكانية إنهاء صيغة تنظيمية وسياسية ربما استهلكت جانبًا من قدرتها على الاستجابة للمتغيرات، وإعادة تأسيس الحزب بما يتناسب مع المرحلة المقبلة.
أن تنتهي تركيبة قديمة ليولد من داخلها حزب أكثر قدرة على التعامل مع الواقع الجديد.
وأن تتطور التجربة السياسية للحزب بما يسمح لها بالاستفادة من تجربتها الطويلة، مع الحفاظ على الثوابت التي يقرر الحزب وجمهوره التمسك بها.
وقد يكون الشيخ نعيم قاسم أمام واحدة من أكثر المهمات تعقيدًا في تاريخ الحزب.
فقد تسلم قيادة حزب تعرض لخسائر بشرية وقيادية وتنظيمية كبيرة، واستطاع خلال فترة صعبة المحافظة على تماسكه وإعادة تنظيم عدد من مؤسساته وقدراته.
ومن استطاع إدارة مرحلة الترميم تحت النار يستطيع أن يقود مراجعة شاملة بعد توقف النار.
وقد تكون البداية من هيئة تأسيسية أو مؤتمر تنظيمي موسع يعيد قراءة التجربة، ويحدد مكامن الخلل، ويضع تصورًا للمرحلة المقبلة، ويفتح المجال أمام دم جديد.
أما المعادلة التي أراها ضرورية فهي واضحة:
لا مواقع أبدية.
لا مسؤوليات أبدية.
ولا أسماء فوق المحاسبة.
بعد سنوات طويلة قضاها بعض المسؤولين السياسيين والإعلاميين والتنظيميين في المواقع نفسها، أصبح من المشروع مناقشة انتقالهم إلى أدوار أخرى وإفساح المجال أمام جيل جديد يمتلك رؤية مختلفة وأدوات تتناسب مع المرحلة.
ومن كان مخلصًا للمشروع يستطيع أن يواصل دوره وخدمته من خارج الموقع الرسمي أيضًا.
أما من تثبت المراجعة الداخلية تقصيره أو مسؤوليته عن إخفاقات جسيمة، فمن الطبيعي أن يتحمل المسؤولية التنظيمية والسياسية المناسبة.
ولا بد من الإشارة إلى أن حزب الله يمتلك قاعدة بشرية واسعة وكفاءات كثيرة، ويمكن للمؤسسات الشبابية والكشفية والتعبوية والاجتماعية أن تشكل روافد أساسية لجيل المرحلة المقبلة.
كما تستحق تجربة الشخصيات التي شاركت في الحكومات من خارج البنية الحزبية التنظيمية المباشرة الدراسة والتقييم، ومن بينها شخصيات مثل طراد حمادة وحمد حسن ومصطفى بيرم وعلي حمية وركان ناصر الدين، بالنظر إلى التجارب التي قدموها خلال توليهم المسؤوليات العامة.
والمعيار في النهاية يجب ألا يكون الانتماء أو القرب التنظيمي، بل الكفاءة والنزاهة والقدرة على الإنجاز وتحمل المسؤولية.
الحزب الذي استطاع أن يخرج من تحت الركام قادر على أن يخرج من عباءة الماضي.
المطلوب ليس دفن حزب الله، بل دفن أخطائه.
وليس حلّ المقاومة، بل معالجة كل ما استهلك نفسه داخل تجربتها.
وليس البحث عن حزب آخر، بل عن حزب الله آخر يولد من حزب الله نفسه.