❗️sadawilaya❗
حمزة العطار
لم يعد مقبولاً أن نستمر في إدارة معركة الوجود بمنطق التجارب. فلبنان الذي ينزف منذ عقود على جبهة الجنوب، لا يحتمل مزيداً من "خلينا نجرب" التي لا تعود عليه إلا بمزيد من الذل والخسارة والتنازل بلا مقابل.
إن اللحظة اليوم تفرض علينا قولاً فصلاً: لا خلاص للبنان إلا بربط ملفه التفاوضي بالملف الإقليمي، وبإلزامية التمسك بعوامل القوة، وعلى رأسها المقاومة. وما دون ذلك هو انتحار سياسي موصوف.
أولاً: فشل الرهان على التفاوض المنفرد
لقد جربت الدولة اللبنانية، أو بعض من ينتحل صفتها، طريق التفاوض المنفصل عن محيطه. فكانت النتيجة صفراً كبيراً.
تفاوضنا غير المباشر لسنوات عبر الوسطاء، فماذا كانت الحصيلة؟ استمرار الاحتلال في مزارع شبعا وتلال كفرشوبا، واعتداءات يومية، ورفض إسرائيلي قاطع لأي انسحاب أو تعويض.
بل وصل الأمر بالجانب الإسرائيلي إلى التصريح أكثر من مرة أن "المفاوضات مع لبنان فشلت" لأننا لا نملك أوراق ضغط حقيقية على الطاولة.
إن الذهاب إلى طاولة المفاوضات منزوع السلاح، في ظل حرب إقليمية مشتعلة، هو ذهاب لتوقيع صك استسلام. فالسياسة الدولية لا تعترف بالضعفاء، بل بموازين القوى.
ثانياً: الربط الإقليمي حقيقة وليس خياراً
إن الإصرار الإيراني على ربط ملفات المنطقة ببعضها ليس عناداً، بل هو إدراك لطبيعة الصراع. فالولايات المتحدة وإسرائيل لا تنظران إلى لبنان كدولة قائمة بذاتها في هذه المرحلة، بل كبند ضمن سلة واحدة تشمل غزة واليمن والعراق والملف النووي.
لذلك، فإن أي تفاوض لبناني خارج هذه السلة هو هدر للوقت والدم.
الحكمة تقتضي أن نقول بوضوح: مصير الجنوب مرتبط بمصير غزة، ومصير بيروت مرتبط بمصير طهران وواشنطن. ومن يريد حلا للبنان فليأت إلى الطاولة الكبرى.
ثالثاً: كفى قتلاً لعوامل القوة
العجيب في الأمر أن البعض يطالبنا، تحت عنوان "الدولة"، بتفكيك عامل القوة الوحيد الذي منع إسرائيل من اجتياح لبنان مرة أخرى منذ العام 2006.
إن المقاومة لم تكن يوماً عائقاً أمام الدولة، بل كانت الضامن الوحيد لقيام دولة. هي التي حررت الأرض عام 2000، وهي التي صنعت معادلة الردع التي تحمي اليوم البقاع والجنوب والضاحية.
أن تطالب بنزع سلاح المقاومة قبل التفاوض، هو كمن يطلب من المحارب أن يلقي بندقيته قبل أن يجلس مع عدوه. فأي منطق هذا؟
رابعاً: شواهد الذل... لمن ارتضاه
لننظر حولنا لنتعظ.
- في فلسطين: من ارتضى أوسلو ومسار التسوية المنفرد، ماذا نال؟ مزيداً من الاستيطان والتهويد والحصار.
- في سوريا: من راهن على التسويات والتطبيع المبكر مع الغرب على حساب ثوابته، دفع ثمناً باهظاً من سيادته وأرضه.
- في الأردن: رغم معاهدة السلام، لم يتوقف العدوان على المقدسات، ولم تحل القضية، وبقيت السيادة منقوصة.
هؤلاء جميعاً جربوا "السلام الاقتصادي" و "التفاوض من موقع الضعف"، فماذا كانت النتيجة؟ ذل ومهانة وخسارة مضاعفة.
في الختام : العودة إلى الحضن
أيها الساسة المراهقون، ارحموا عذابات الجنوبيين. ارحموا جراحات البقاع. ارحموا دماء الشهداء.
كفاكم تجارب. فقد اكتفينا.
العودة اليوم ليست عيباً. العودة إلى الحضن الذي لم يتخل عنكم يوماً هي الحكمة بعينها. العودة إلى خيار المقاومة، لأنه الخيار الوحيد الذي أثبت نجاعته.
وليتذكر الجميع أن هذا لبنان لم ينحنِ يوماً.
هذا لبنان السيد عبد الحسين شرف الدين الذي قال كلمته بوجه الظالم.
وهذا لبنان السيد موسى الصدر الذي ربط مصير المحرومين بكرامتهم.
وهذا لبنان السيد حسن نصرالله الذي قال للعالم: "إننا لا نركع إلا لله".
لبنان الذي لا ينحني، لن ينحني.
ولن يكون له خلاص إلا بمعادلة واحدة: قوة تحمي، وتفاوض ضمن سلة إقليمية يفرض شروطه.
وما دون ذلك... سراب.