صواريخ ومسيّرات دقيقة.. أضرار عميقة في قواعد أميركية واستهلاك غير مسبوق لذخائر الاعتراض
❗خاص ❗️sadawilaya❗
إعداد وتحرير: رئيس تحرير موقع صدى الولاية الإخباري – ماجدة عباس الموسوي
أظهرت الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران تحولاً لافتاً في طبيعة الحروب الحديثة وفي المعايير التقليدية لقياس التفوق العسكري. فامتلاك أكبر قوة جوية، وأحدث منظومات الدفاع، وشبكة واسعة من القواعد العسكرية، لم يعد يعني بالضرورة القدرة على منع الخصم من إلحاق أضرار مؤلمة أو الاستمرار في المواجهة من دون دفع كلفة مرتفعة.
وهنا تبرز الفكرة التي تناولها الكاتب الأميركي توماس فريدمان في قراءته للحرب، والتي يمكن اختصارها بما يشبه «الفيزياء الجديدة للحرب»: تستطيع القوى الكبرى تنفيذ ضربات هائلة ودقيقة وتدمير أهداف بعيدة، لكن القوى الأصغر التي تمتلك ترسانة كبيرة من الصواريخ والمسيّرات الدقيقة تستطيع بدورها فرض كلفة استراتيجية على خصم أكثر تفوقاً منها تكنولوجياً.
هذه المعادلة لا تلغي التفوق العسكري الأميركي، لكنها تعيد تعريف معنى «الميزة العسكرية» في الحروب الحديثة.
من يملك التفوق.. ومن يستطيع تحمّل الحرب؟
في الحروب التقليدية كان ميزان القوة يقاس أساساً بعدد الطائرات والدبابات والسفن والقواعد وحجم الإنفاق العسكري.
لكن الحرب مع إيران كشفت أن هناك عاملاً آخر لا يقل أهمية: القدرة على الاستمرار في إطلاق الذخائر، مقابل قدرة الطرف الآخر على الاستمرار في اعتراضها.
فالولايات المتحدة وكيان العدو يستطيعان تنفيذ ضربات بعيدة المدى بدقة عالية، لكن حماية عشرات القواعد والمنشآت العسكرية والمطارات والموانئ من موجات متواصلة من الصواريخ والمسيّرات تفرض كلفة هائلة.
وهنا يظهر الاختلال الأساسي في «فيزياء الحرب» الجديدة: قد تبلغ كلفة الصاروخ أو المسيّرة المهاجمة جزءاً صغيراً من كلفة الصاروخ المستخدم لاعتراضها.
ومع تكرار الهجمات، تتحول المسألة من سؤال: من يمتلك السلاح الأكثر تطوراً؟ إلى سؤال أكثر خطورة: من يستطيع الاستمرار مدة أطول؟
البحرين.. عندما وصلت الصواريخ إلى قلب الانتشار الأميركي
أحد أكثر الأمثلة دلالة ظهر في البحرين، حيث تتمركز قيادة الأسطول الخامس الأميركي.
فبحسب المعلومات والتقارير التي جمعناها في المادة، تمكنت صواريخ ومسيّرات إيرانية من الوصول إلى القاعدة وإلحاق أضرار بعدد من منشآتها، رغم منظومات الحماية الأميركية المنتشرة في المنطقة.
وتحدثت التقارير التي استند إليها التحقيق عن أضرار طالت مقر القيادة وما لا يقل عن 12 مبنى، إضافة إلى محطتين للاتصالات عبر الأقمار الاصطناعية.
والدلالة العسكرية هنا أكبر من حجم الضرر المادي نفسه.
فالولايات المتحدة لا تزال تتفوق على إيران بفارق ضخم في الطائرات والسفن والأقمار الاصطناعية وأنظمة الاستطلاع والقيادة والسيطرة، لكن وصول الصواريخ والمسيّرات إلى منشآت عسكرية محمية يثبت أن التفوق لا يعني الحصانة.
«ميزان الميزة العسكرية» يتغير
وهذه النقطة هي جوهر التحول الذي أثارته قراءة فريدمان.
الدولة الكبرى تستطيع أن تضرب دولة أضعف منها عسكرياً، لكن الطرف الأضعف لم يعد مضطراً إلى امتلاك قوة جوية مماثلة حتى يستطيع الرد.
يكفي أن يمتلك مزيجاً من:
الصواريخ الباليستية، والصواريخ الجوالة، والمسيّرات الهجومية، وقدرات الاستطلاع والتوجيه، وترسانة كبيرة تسمح بتكرار الهجمات.
وبذلك يصبح بإمكانه تهديد القواعد والمطارات ومراكز القيادة والموانئ ومنشآت الطاقة.
أي أن الفجوة في القوة التقليدية لا تختفي، لكن فائدتها العملية تتراجع عندما يصبح الطرف الأضعف قادراً على فرض كلفة متواصلة.
المشكلة الأميركية: الاعتراض أغلى من الهجوم
الحرب كشفت أيضاً مشكلة اقتصادية–عسكرية متزايدة.
فالتصدي للصواريخ الباليستية الإيرانية يتطلب استخدام منظومات متطورة مثل Patriot PAC-3 MSE وTHAAD، وهي ذخائر باهظة الثمن وتحتاج عملية تصنيعها إلى وقت طويل.
في المقابل، تستطيع إيران إنتاج واستخدام صواريخ ومسيّرات بكلفة أقل نسبياً.
وبالتالي قد يحقق المهاجم نتيجة استراتيجية حتى عندما يتم اعتراض معظم أسلحته، لأنه يجبر المدافع على استهلاك مخزون يصعب تعويضه بسرعة.
وهذا ما يجعل اقتصاد الحرب جزءاً أساسياً من ميزان القوة.
استنزاف مخزونات الاعتراض الأميركية
وتتقاطع هذه القراءة مع التقارير الأميركية التي تناولت مستوى استهلاك الذخائر خلال الحرب.
فقد تحدثت تقديرات نشرتها Bloomberg Economics عن استهلاك كبير لمخزونات بعض أهم الصواريخ الاعتراضية الأميركية، ولا سيما PAC-3 MSE وTHAAD.
كما حذرت دراسات أميركية، بينها تحليلات لـمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية CSIS، من أن قدرة الصناعة الدفاعية الأميركية على تعويض بعض أنواع الذخائر المتطورة لا تواكب بالضرورة معدلات الاستهلاك في حرب صاروخية طويلة.
وهذا يعني أن السؤال لا يتعلق فقط بعدد الصواريخ التي تمتلكها الولايات المتحدة اليوم، وإنما بعدد الصواريخ التي تستطيع إنتاجها شهرياً مقارنة بما يمكن أن تستهلكه خلال أيام من الحرب.
القاعدة العسكرية لم تعد ملاذاً آمناً
ومن أهم النتائج الاستراتيجية لهذه الحرب أن القواعد العسكرية الثابتة أصبحت أكثر عرضة للخطر.
فالقاعدة الجوية التي تضم طائرات بمليارات الدولارات، أو مركز القيادة الذي يحتوي أنظمة اتصالات واستطلاع متطورة، يمكن أن يتحول إلى هدف لعشرات الصواريخ والمسيّرات.
ويجبر ذلك القوات الأميركية على توزيع طائراتها ومعداتها، وتعزيز الدفاعات الجوية، وإقامة منشآت محصنة، وتحريك بعض الأصول باستمرار.
وكل إجراء من هذه الإجراءات يرفع كلفة الوجود العسكري.
وهنا تظهر مفارقة أخرى في «الفيزياء الجديدة للحرب»: كلما ازدادت قيمة المنشأة العسكرية التي تريد حمايتها، ازدادت الكلفة المطلوبة للدفاع عنها.
القوة الكبرى تستطيع الضرب.. لكنها لا تستطيع منع كل ضربة
لا تعني هذه المعادلة أن التفوق العسكري الأميركي انتهى.
فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك قدرة هائلة على توجيه ضربات بعيدة المدى وعلى جمع المعلومات والاستطلاع والقيادة والسيطرة.
لكن الحرب أظهرت الفرق بين مفهومين:
القدرة على ضرب الخصم، والقدرة على منع الخصم من ضربك.
الأولى لا تزال الولايات المتحدة متفوقة فيها بدرجة كبيرة.
أما الثانية، فقد أصبحت أكثر صعوبة في عصر الصواريخ الدقيقة والمسيّرات الرخيصة والهجمات المتزامنة.
من «التفوق العسكري» إلى «القدرة على الاحتمال»
وهنا نصل إلى الخلاصة الأهم في قراءة الحرب.
لم يعد السؤال العسكري المركزي:
من يملك الجيش الأقوى؟
بل أصبح أيضاً:
من يستطيع تحمّل الكلفة لمدة أطول؟
الدولة التي تمتلك ترسانة ضخمة لكنها تستهلك ذخائر شديدة التعقيد أسرع مما تستطيع مصانعها إنتاجها قد تجد نفسها أمام مشكلة استراتيجية، حتى لو بقيت متفوقة عسكرياً.
وفي المقابل، يستطيع الطرف الأضعف أن يبني استراتيجيته على الاستنزاف وإغراق الدفاعات وتوزيع منصات الإطلاق وخفض كلفة الهجوم.
«الفيزياء الجديدة للحرب»
الخلاصة التي تفرضها الحرب الأميركية–الإسرائيلية على إيران هي أن القوة العسكرية لم تعد تقاس فقط بحجم الجيش أو عدد حاملات الطائرات أو القواعد العسكرية.
بل باتت تقاس أيضاً بـ:
القدرة على الاستمرار، وتحمل الكلفة، وحماية الأصول الحيوية، والمحافظة على مخزون الذخائر، والقدرة الصناعية على تعويض ما يُستهلك في الميدان.
ومن هنا يمكن فهم معنى «الفيزياء الجديدة للحرب».
قد تستطيع قوة عظمى أن تضرب أي مكان تقريباً، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها تستطيع حماية كل قاعدة أو اعتراض كل صاروخ أو خوض حرب استنزاف مفتوحة من دون أثمان باهظة.
وهذا تحديداً ما جعل الحرب مع إيران اختباراً يتجاوز نتائج المعارك اليومية إلى سؤال أكبر بكثير:
هل ما زالت معايير التفوق العسكري التي حكمت الحروب خلال العقود الماضية صالحة لعصر الصواريخ الدقيقة والمسيّرات وحروب الاستنزاف منخفضة الكلفة؟
المصادر المعتمدة لتحليل مقالة توماس فريدمان والتحقق من المعلومات ودقتها حسب مصادر موثوقة اخرى
The Wall Street Journal – 25 حزيران/يونيو 2026
The Washington Post – 7 أيار/مايو 2026
Associated Press – 31 آذار/مارس 2026
Reuters – 22 نيسان/أبريل و29 تموز/يوليو 2026
CSIS – تقارير تموز/يوليو 2026
Bloomberg Economics – آب/أغسطس 2026