
قراءة في النص المنسوب إلى المفكر اليهودي موشي مائير من منظور هندسة الخطاب الصراعي وهندسة السيادة
د. عاطف الموسوي
انتشر في بعض المنصات نص منسوب إلى المفكر اليهودي الإسرائيلي د. موشي مائير، قيل إنه نُشر في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ويتضمن موقفاً واضحاً من المقاومة اللبنانية ومن طريقة إدارة لبنان لمفاوضاته مع إسرائيل.
يقول النص، في خلاصته، إن ورقة القوة الوحيدة التي تمتلكها الدولة اللبنانية في مواجهة إسرائيل هي «المقاومة»، وإن إشراك حزب الله في الوفد المفاوض كان سيجعل الموقف اللبناني أقوى. كما يصف حزب الله بأنه «جوكر» في يد الحكومة اللبنانية، وينتقد الوفد اللبناني باعتباره أقرب إلى إسرائيل والولايات المتحدة من لبنان، ويصل إلى اتهام بعض السياسيين اللبنانيين بأنهم، عن قصد أو عن غير قصد، يساهمون في إضعاف بلدهم. ويُختتم النص بمقولة منسوبة إلى ديفيد بن غوريون حول تفوق إسرائيل الناتج عن «غباء» عدوها العرب.
من حيث المضمون، تبدو الرسالة واضحة: المقاومة تمثل ورقة قوة لبنانية، واستبعادها من التفاوض يُضعف الموقف اللبناني، فيما يساهم بعض السياسيين اللبنانيين في إهدار عناصر القوة الوطنية. لكن الإشكال لا يكمن في مضمون هذه الأفكار وحده، بل في سؤال أكثر جوهرية: هل صدر هذا الكلام فعلاً عن موشي مائير؟
ماذا يقول التحقق؟
الشخصية المذكورة حقيقية وليست مختلقة. فمعهد شالوم هارتمان يعرّف د. موشي مائير بأنه باحث سابق فيه، وسبق له تدريس الفكر اليهودي في الجامعة العبرية، وله إنتاج أكاديمي وفكري واسع في مجالات الفلسفة والتربية والدراسات اليهودية. كما أن له كتابات منشورة في منصات فكرية إسرائيلية، وتظهر له مساهمات في «يديعوت أحرونوت» في فترات سابقة.
هذا الوجود الفعلي يجعل نسبة مقال إليه أمراً يبدو، من حيث الشكل، معقولاً للوهلة الأولى. غير أن البحث في العبارات المميزة للنص المتداول، بالعبرية وبصيغها الأصلية، لم يُظهر أي نص مطابق في أرشيف «يديعوت أحرونوت» أو منصة Ynet، كما لم يُعثر على مقال موثق يتضمن هذه المواقف المنسوبة إليه بشأن حزب الله أو الوفد اللبناني.
وعليه، فإن النتيجة المهنية الدقيقة هي: النص المتداول غير موثق، ونسبته إلى د. موشي مائير وإلى «يديعوت أحرونوت» غير مثبتة. وفي غياب رابط للنص العبري الأصلي، أو تاريخ نشر واضح، أو نسخة موثقة من المصدر، أو نص قابل للتحقق، لا يمكن التعامل معه بوصفه مادة صحفية أو شهادة فكرية موثوقة.
وهنا يجب التوقف عند خطأ منهجي شائع: وجود الشخصية لا يعني صحة كل ما يُنسب إليها. بل إن الهوية الحقيقية أحياناً تُستخدم كأداة لإضفاء مصداقية زائفة على نص مفبرك.
ماذا يريد مفبرك النص أن يفعل؟
إذا قرأنا النص بوصفه منتجاً خطابياً لا خبراً، تتضح وظيفته الأساسية.
المفبرك لا يكتفي بالقول: «المقاومة قوية». بل يسعى إلى قول شيء أكثر تأثيراً: «حتى العدو يعترف بأن المقاومة قوية».
وهنا ينتقل الخطاب من كونه رأياً داخلياً إلى كونه، ظاهرياً، شهادة صادرة عن العدو. وهذه تقنية ذات أثر نفسي وإدراكي بالغ، إذ تتحول الحجة من: «نحن نرى أن المقاومة قوة» إلى: «هم يعترفون بأن المقاومة قوة». وبدل أن يكون النقد موجهاً من طرف إلى آخر، يصبح: حتى مفكر إسرائيلي ينتقد الوفد اللبناني.
إذن، وظيفة الفبركة لا تقتصر على نشر معلومة غير صحيحة، بل تمتد إلى إعادة هندسة موقع الحجة داخل الوعي العام عبر إلباسها صفة «الاعتراف الخارجي».
«هندسة الاعتراف» بدل بناء البرهان
يدخل النص هنا في إطار ما يمكن تسميته هندسة الخطاب الصراعي.
في سياقات الصراع، يسعى الخطاب عادة إلى التأثير في أربعة مستويات: صورة الذات، وصورة العدو، وتعريف القوة، وتحديد الشرعية. النص يعيد تشكيل هذه المستويات على النحو التالي:
– المقاومة تصبح قوة تفاوضية.
– العدو الإسرائيلي يتحول إلى شاهد على هذه القوة.
– الوفد اللبناني يُقدَّم كطرف يُضعف عناصر القوة الوطنية.
وبذلك تتشكل معادلة إدراكية مكثفة:
المقاومة = قوة
استبعادها = إضعاف
الإضعاف = خدمة للعدو
هذه ليست مجرد أفكار متفرقة، بل بنية خطابية متكاملة لإنتاج الإدراك السياسي. غير أن هذه البنية تعتمد على عنصر هش: إذا ثبت غياب «شهادة العدو»، تتعرض المنظومة بأكملها للاهتزاز.
النمط «المخترق»
يمثل النص نموذجاً واضحاً لما يمكن وصفه بنمط الخطاب المخترق. فهو لا يكتفي بإنتاج خطاب داخلي، بل يستعير صوت العدو لإضفاء شرعية على الموقف. إنها عملية إعادة توظيف صوت العدو داخل خطاب الذات.
وهي تقنية فعالة من حيث المبدأ، لكنها تصبح إشكالية عندما تكون الشهادة غير حقيقية، إذ يتحول العدو من مصدر محتمل للاعتراف إلى أداة بلاغية مصطنعة.
النمط «المناور»
وصف حزب الله بأنه «جوكر» يعكس إعادة تأطير دلالي لوظيفته. فبدلاً من أن يُقدَّم بوصفه قوة سياسية/عسكرية مستقلة، يُعاد تقديمه كورقة تفاوضية ضمن يد الدولة اللبنانية.
وهذا التحول ينقل الفاعل من موقعه السيادي إلى موقع وظيفي داخل لعبة سياسية، وهو تغيير دلالي عميق في طبيعة التمثيل السياسي.
النمط «التعبوي الشعبوي»
ينتقل النص لاحقاً إلى توصيف النخبة السياسية اللبنانية بلغة حادة، تتضمن اتهامات بالانحياز للخارج أو سوء التقدير. هنا يتحول الخطاب من تحليل سياسي إلى تصنيف أخلاقي حاد بين أطراف داخلية:
– طرف يُقدَّم كحامل للمصلحة الوطنية.
– وطرف يُقدَّم كمعرقل أو مضعف لها.
وهذا النمط، رغم فعاليته التعبوية، يؤدي إلى اختزال المجال السياسي إلى ثنائيات حادة: مقاومة / خيانة، بدلاً من تعدد في الرؤى والاستراتيجيات الوطنية.
النمط «الأسير»
تكمن المفارقة في أن الخطاب، وهو يسعى إلى التحرر من تعريف العدو، يعتمد في الوقت نفسه على اعتراف العدو لإثبات القوة. أي أنه يقول ضمنياً: القوة لا تكتمل إلا إذا اعترف بها العدو.
وهذا يخلق نوعاً من التبعية الإدراكية لمعيار خارجي، في حين أن هندسة السيادة تفترض أن القوة تُقاس بقدرتها الذاتية على الفعل، لا باعتراف العدو بها.
إشكالية «الجوكر» والموقع التفاوضي
تتجلى إشكالية إضافية في طرح فكرة إشراك حزب الله في الوفد المفاوض. فإذا كانت المقاومة ترفض مبدأ التفاوض المباشر مع إسرائيل، فإن إدراجها في هذا السياق يخلق التباساً بين:
– موقف مبدئي من طبيعة العلاقة مع إسرائيل.
– وموقع تفاوضي داخل آلية سياسية محددة.
وهذا التداخل قد يؤدي إلى إعادة تعريف غير مقصودة لدور المقاومة، من كونها خارج إطار التفاوض المباشر إلى كونها طرفاً داخله.
مخاطر الفبركة على المدى الطويل
رغم أن هذا النوع من النصوص قد يحقق أثراً إعلامياً سريعاً، إلا أنه يحمل مخاطر تراكمية. فهو يخلق دورة متكررة: معلومة مثيرة >>>انتشار واسع >>> انكشاف محتمل >>>تراجع في المصداقية >>> تآكل الثقة.
ومع الوقت، قد يؤدي ذلك إلى إضعاف الثقة العامة بالمصادر الإعلامية، حتى تلك الموثوقة منها.
نحو هندسة سيادة معرفية
البديل لا يكمن في رفض الخطاب الصراعي، بل في تطويره نحو مستوى أكثر صلابة معرفية. ويقوم ذلك على مبادئ أساسية:
– الاعتماد على مصادر موثقة وقابلة للتحقق.
– تقديم الحجة بناءً على القدرة لا على الشهادة الخارجية.
– الفصل بين التحليل السياسي والتوظيف التعبوي.
– الاعتراف بالحدود الواقعية للقوة.
– بناء وعي تراكمي لا يعتمد على الانطباعات اللحظية.
الخلاصة
الإشكال في النص المنسوب إلى موشي مائير لا يقتصر على غياب التوثيق، بل يمتد إلى بنيته الخطابية التي تقوم على توظيف «شهادة العدو» كأداة لإنتاج الشرعية. وهذا النموذج، رغم فعاليته الظاهرية، يظل هشاً لأنه يعتمد على عنصر قابل للانهيار عند التحقق.
في المقابل، تقوم هندسة السيادة على مبدأ مختلف: القوة لا تحتاج إلى اعتراف خارجي كي تكون قابلة للفهم أو التبرير.
وبين الخطاب الذي يستند إلى «اعتراف مفترض من العدو»، والخطاب الذي يبني شرعيته على القدرة والتحليل والوقائع، تتحدد المسافة بين نشوة إعلامية مؤقتة ووعي سياسي مستقر وقابل للاستمرار.
د.عاطف الموسوي
المدير السابق لمعهد العلوم الاجتماعية – الفرع الأول في الجامعة اللبنانية. حاصل على دكتوراه في العلوم الاجتماعية ودبلوم دراسات عليا في علم الاجتماع السياسي. في رصيده مجموعة من الأبحاث والدراسات. شارك في عدد من المؤتمرات العلمية في الداخل والخارج منها مؤتمر أبو ظبي للإعلام عام 2012.