
خاص صدى الولاية الإخباري | كتب حمزة العطار:
تتجه الأنظار مجددًا إلى طاولة المفاوضات المرتقبة في أيلول المقبل، لكن الأجواء المحيطة بها تبدو مختلفة عن الجولات السابقة.
فبدل الرهان على تحقيق اختراق سياسي، يتصاعد الاعتقاد بأن لقاء أيلول قد يكون المحطة الأخيرة في مسار لم يمنح لبنان حتى الآن انسحابًا أو استقرارًا أو ضمانات فعلية لوقف الاعتداءات.
التعنت الإسرائيلي يفرغ التفاوض من مضمونه
لم يقدم العدو الإسرائيلي منذ انطلاق المسار التفاوضي أي خطوة جدية يمكن البناء عليها.
واصل احتلال النقاط الخمس، واستمر في اعتداءاته وخروقاته وعملياته داخل الأراضي اللبنانية، ما وضع الحكومة ورئاسة الجمهورية أمام اختبار سياسي صعب، وأعاد طرح السؤال الأساسي:
ما جدوى التفاوض إذا كان يُجرى تحت النار ومن دون تنفيذ الطرف الآخر التزاماته؟
بهذا المعنى، لم تعد الطاولة مساحة لإنتاج الحلول، بل تحولت إلى شاهد على فشل المسار وعجز الضمانات الدولية عن إلزام الاحتلال.
من إسقاط اتفاق 17 أيار إلى مواجهة مشروع جديد
يستعيد المشهد الراهن، في جانب منه، تجربة اتفاق 17 أيار عام 1983، الذي فُرض على لبنان تحت وطأة الاحتلال والضغط الخارجي، قبل أن يسقط نتيجة الرفض الوطني وصمود المقاومة.
واليوم، تعود المخاوف من مشروع سياسي جديد يمنح العدو مكاسب لم يستطع تثبيتها بالقوة.
لكن الظروف الحالية مختلفة، كما أن إسقاط أي مشروع لا يراعي السيادة اللبنانية لا يحتاج بالضرورة إلى مواجهة واسعة. فقد يكفي تثبيت معادلة ردع واضحة، وإظهار أن لبنان لا يزال يمتلك عناصر قوة تمنع فرض الشروط عليه.
لقد أثبتت تجربة ترسيم الحدود البحرية عام 2022 أن حضور القوة في خلفية التفاوض يستطيع تعديل الحسابات ورفع كلفة المماطلة.
إيران وإعادة ترتيب القرار الأمني
يشكل التحول داخل منظومة القرار الإيرانية عاملًا مؤثرًا في قراءة المرحلة المقبلة.
فتولي أحمد وحيدي قيادة الحرس الثوري، وتعيين محسن رضائي أمينًا للمجلس الأعلى للأمن القومي وممثلًا للمرشد فيه، إلى جانب إعادة ترتيب مواقع أمنية وعسكرية أخرى، يعكس اتجاهًا نحو تعزيز حضور أصحاب الخبرة الميدانية في صناعة القرار.
ولا تعني هذه التحولات بالضرورة أن طهران اختارت الحرب، لكنها توحي بأنها تريد خوض التفاوض من موقع أكثر تماسكًا، مع الاحتفاظ بالقدرة على مواجهة الضغوط.
ومن الطبيعي أن تنعكس إعادة ترتيب القرار الإيراني على ملفات المنطقة، ومنها لبنان، حيث تترابط حسابات التفاوض مع موازين الردع والتحولات الإقليمية.
الداخل اللبناني واستعادة المقاومة لدورها
الأهم من المتغيرات الخارجية هو التحول الذي يطرأ على النقاش الداخلي اللبناني.
لا يمكن الحديث عن إجماع لبناني كامل حول المقاومة، لكن استمرار الاحتلال وفشل الضمانات الدولية واتساع الاعتداءات دفع شرائح لبنانية إلى إعادة النظر في جدوى الرهان الحصري على المسار الدبلوماسي.
كلما عجزت الدولة والمجتمع الدولي عن وقف الاعتداءات وانتزاع الانسحاب، عاد السؤال عن البديل القادر على حماية السيادة ومنع العدو من فرض شروطه.
ومن هنا، قد يتحول أيلول إلى محطة تعيد للمقاومة حضورها السياسي والشعبي، وتفتح الباب أمام صياغة معادلة وطنية جديدة تجمع بين دور الدولة وحق لبنان في امتلاك عناصر القوة.
أما السلطة الرسمية، فستجد نفسها أمام مساءلة جدية إذا انتهت الجولة المقبلة من دون نتائج. فنجاح التفاوض يُقاس بالانسحاب ووقف الاعتداءات واستعادة الأرض، لا بعدد الاجتماعات أو البيانات الصادرة عنها.
من الطاولة إلى استعادة معادلة الردع
قد لا يكون أيلول شهر الاتفاق الذي يراهن عليه البعض، بل الشهر الذي تُعلن فيه نهاية مرحلة كاملة من التفاوض غير المنتج.
لقد فتح التعنت الإسرائيلي الباب أمام عودة النقاش حول المقاومة بوصفها عنصرًا أساسيًا في حماية لبنان، بعدما أثبت المسار السياسي وحده محدوديته.
فإذا كان العدو لا يستجيب إلا لموازين القوة، فإن السيادة اللبنانية لا يمكن أن تُصان بالتنازلات أو بالانتظار المفتوح.
وكما أسهمت المقاومة في إسقاط اتفاق 17 أيار، فإنها ستبقى معنية بمواجهة أي مشروع جديد لا يبدأ بالانسحاب الكامل، ولا ينتهي باستعادة الأرض والسيادة والكرامة الوطنية.