
صدى الولاية الإخباري | خاص
بقلم الباحث في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية الدكتور حسين حمية
في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، حيث تتشابك الحروب مع الأزمات الاقتصادية، وتتراجع المنظومات الأخلاقية أمام منطق القوة، وتدخل البشرية مرحلة من الفوضى الدولية غير المستقرة، تبرز الثورة الحسينية بوصفها مشروعاً إلهياً يتجاوز حدود الزمان والمكان، ويقدم رؤية حضارية متكاملة لمواجهة الظلم والانحراف وبناء الإنسان والدولة.
فالثورة الحسينية، في جوهرها، ليست مجرد واقعة تاريخية جرت في كربلاء قبل أكثر من أربعة عشر قرناً، بل تمثل امتداداً لمسيرة الأنبياء والرسل منذ بداية الخليقة. إنها الحلقة التي تربط بين رسالة التوحيد الأولى وبين المشروع الإلهي المستمر في إقامة العدل ومواجهة الطغيان، وهي المدرسة التي اختزلت الصراع الدائم بين الحق والباطل، وبين المستضعفين والمستكبرين.
ومن هذا المنطلق، فإن الإمام الحسين عليه السلام لم يكن قائداً لثورة عسكرية محدودة، بل أصبح رمزاً عالمياً للحرية والكرامة الإنسانية، وتحولت كربلاء إلى عنوان دائم لكل مواجهة يخوضها الإنسان دفاعاً عن المبادئ والقيم.
إن عاشوراء ليست ذكرى للبكاء فقط، وإنما مشروع وعي وبناء وإصلاح. وهي دعوة مفتوحة إلى إعادة قراءة التاريخ بمنظار الرسالة، لا بمنظار الحدث، لأن القضية التي خرج الإمام الحسين من أجلها لم تنته باستشهاده، بل بدأت مع شهادته، واستمرت عبر الأجيال حتى يومنا هذا.
وفي هذا السياق، تكتسب زيارة الأربعين بعداً استثنائياً، إذ تمثل أكبر تجمع بشري سنوي في العالم، يجتمع فيه ملايين المؤمنين من عشرات الدول والقوميات واللغات، في مشهد يعكس وحدة العقيدة والهدف، ويؤكد أن مدرسة الإمام الحسين لا تزال قادرة على جمع الشعوب حول قيم العدالة والوفاء والتضحية.
إن هذا الحضور العالمي المتزايد لا يمكن قراءته بوصفه مجرد ظاهرة دينية، بل يمثل، في عمقه، حالة حضارية متكاملة تؤكد استمرار تأثير النهضة الحسينية في تشكيل الوعي الجمعي للأمة، وفي إنتاج ثقافة المقاومة والصمود أمام مشاريع الهيمنة والاستكبار.
وتبرز السيدة زينب عليها السلام باعتبارها الركن الأساسي في استمرار الرسالة الحسينية، فهي التي نقلت كربلاء من ساحة المعركة إلى فضاء التاريخ، وحولت الدم إلى مشروع وعي، والكلمة إلى سلاح لا يقل أثراً عن السيف، لتثبت أن الانتصار الحقيقي يبدأ عندما تبقى المبادئ حية في وجدان الشعوب.
واليوم، ومع تعاظم التحديات الدولية، يصبح الانتقال من البعد العاطفي إلى البعد الحضاري للثورة الحسينية ضرورة فكرية وثقافية. فالوفاء للإمام الحسين عليه السلام لا يقتصر على إحياء الذكرى، بل يتمثل في بناء الإنسان، وترسيخ العلم، وتعزيز المعرفة، وإقامة مجتمع يقوم على العدالة والكفاءة والكرامة الإنسانية.
إن مشروع الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام في الحكم، كما مشروع الإمام الحسين عليه السلام في الإصلاح، يشكلان نموذجاً متكاملاً للدولة التي يكون فيها الإنسان محور التنمية، والعدل أساس السلطة، والأخلاق معيار القرار السياسي، وهو ما يجعل هذه المدرسة قادرة على تقديم إجابات فكرية وسياسية وأخلاقية أمام الأزمات العالمية المعاصرة.
ومن هنا، فإن المرحلة المقبلة تفرض على الأمة تعزيز حضورها العلمي والمعرفي، وبناء مؤسسات قوية، والانفتاح على التكنولوجيا الحديثة، مع الحفاظ على الهوية الرسالية، والعمل على ترسيخ ثقافة الحوار والوحدة، ونبذ الانقسام، لأن قوة المجتمعات لا تقاس بحجم إمكاناتها المادية فقط، بل بقدرتها على إنتاج الإنسان الواعي والقادر على حمل الرسالة.
إن الثورة الحسينية، وفق هذه الرؤية، ليست مشروعاً خاصاً بطائفة أو شعب، وإنما مشروع إنساني عالمي، يخاطب كل من يبحث عن العدالة والحرية والكرامة، ويؤكد أن بناء الدولة العادلة يبدأ من بناء الإنسان المؤمن بقيم الحق، وأن مستقبل الإنسانية يبقى مرهوناً بانتصار المبادئ التي استشهد الإمام الحسين عليه السلام من أجلها.
ولهذا، فإن كربلاء ستبقى مدرسة مفتوحة للأحرار، وستبقى عاشوراء معياراً أخلاقياً يقاس به موقف الإنسان من الظلم، فيما تواصل الأربعين تقديم نموذج عالمي لوحدة الشعوب حول المبادئ، لتبقى راية الإمام الحسين عليه السلام عنواناً خالداً للحق والعدل، ومصباحاً يهدي الأجيال نحو مستقبل أكثر إنسانية وعدالة.
قراءة صدى الولاية
يطرح الدكتور حسين حمية في هذا المقال رؤية فكرية تعتبر أن الثورة الحسينية ليست مجرد مناسبة دينية، بل مشروع حضاري عالمي قادر على تقديم نموذج في العدالة وإدارة الدولة وبناء الإنسان، انطلاقاً من القيم التي أرساها الإمام الحسين عليه السلام، وربطها بالتحديات السياسية والفكرية التي يعيشها العالم اليوم