طلال نحلة
مساء الخميس 4 حزيران/يونيو 2026 (اليوم 97 للحرب)
هندسة الانفجار تحت سحب التضليل
ندخل الساعات المتأخرة من اليوم السابع والتسعين للمواجهة وسط مؤشرات عملياتية واستخباراتية قاطعة تفيد بأن المنطقة لا تسير نحو الانفراج الشامل، بل نحو تصعيد في جغرافيته وقوته التدميرية، يتجاوز خطوط شباط الماضي. التقدير العسكري المجرد يؤكد أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منح شريكه بنيامين نتنياهو فرصة أخيرة وموقوتة لمحاولة تغيير المعادلات الميدانية في لبنان وتصفية مفاعيل قوة حزب الله البرية والجوية.
هناك فجوة هائلة بين التهدئة الإعلامية والتحشيد الفعلي؛ فالتجهيزات العسكرية الأمريكية والبريطانية والفرنسية في شرق المتوسط وجنوب الخليج تم وضعها في حالة "الإنذار الأحمر"، تزامناً مع انقلاب الكابينت الإسرائيلي على قيود ترامب وتحذيرات السفر الدبلوماسية العاجلة. هذا المناخ يؤكد أن أي وقف لإطلاق النار لن يصمد ما لم يتلق الكيان الصهيوني ضربة ساحقة ومباشرة تُجبره وتجبر مشغليه على الرضوخ لشروط المحور الكاملة.
أولاً: الاستنفار الجوي والبحري فوق الخليج.. أرمادا كاسحات الألغام والتمهيد الناري
خلف كواليس الدبلوماسية، تحرك الشريان العسكري والأمني للحلف الغربي بشكل غير روتيني يؤكد الاستعداد لحدث عسكري ضخم:
أسراب الرصد والتعمية الإلكترونية: رصدت أنظمة التتبع الملاحي (OSINT) تحليقاً مكثفاً لـ 3 طائرات دورية بحرية مقاتلة من طراز P-8A Poseidon تابعة للبحرية الأمريكية فوق مياه الخليج العربي وبحر العرب، تعمل بالتنسيق الكامل مع 3 طائرات تزويد بالوقود جواً تابعة لسلاح الجو الأمريكي (KC-135R). وانضمت إليها الليلة طائرة الإنذار المبكر والتحكم الاستراتيجي E-3B Sentry AWACS منطلقة من قاعدة الأمير سلطان الجوية صوب الخليج، بالتزامن مع تحليق طائرة الاستطلاع والإنذار المبكر السعودية Saab 2000 GlobalEye في الاتجاه الشمالي الشرقي، لتأمين مسح إشاري للرادارات الإيرانية.
التحشيد اللوجستي ومناورة الـ B-1B: رصدت الرادارات تحليقاً مكثفاً لـ 6 طائرات شحن عملاقة من طراز C-17A Globemaster تنقل عتاداً بين القواعد الأمريكية في الشرق الأوسط وأوروبا. وتوج هذا الاستنفار بمناورة قتالية قصيرة وخاطفة نُفذت برمز النداء FLOW 44/45 بواسطة قاذفتين استراتيجيتين من طراز B-1B Lancer عادتا إلى قاعدة Fairford البريطانية. المناورة علّقت وهو على ما يبدو استدعاء طارئ للتذخير أو لإعلان جهوزية عملياتية لاقتراب شن ضربات ثقيلة.
معركة الألغام البحرية في هرمز: أعلنت بريطانيا وفرنسا رسمياً مشاركتهما العسكرية في كنس وتفجير الألغام البحرية في مضيق هرمز لكسر التدبير الناري للحرس الثوري، وسط تحذيرات قطاع النفط لإدارة ترامب من أن استمرار فقدان الإمدادات عبر هرمز يستنزف المخزونات البترولية لمستويات خطيرة ويهدد برفع التضخم وأسعار الوقود لمستويات قياسية خلال أسابيع.
ثانياً: التمرد داخل الكابينت.. دماء الجنود تسقط "صداقة ترامب"
انفجر الخلاف الاستراتيجي والسياسي داخل مجلس الوزراء المصغر للاحتلال (الكابينت) الليلة، كاشفاً عمق المأزق العسكري الإسرائيلي:
الانتفاضة ضد قيود بيروت: واجه عدد من الوزراء بنيامين نتنياهو برفضهم المطلق للمعادلة التي فرضها ترامب (تحييد بيروت والضاحية)، وقالوا له صراحة: “لا يمكن أن يستمر الأمر على هذا النحو، لقد واجهت في مسيرتك رؤساء أمريكيين كانوا أكثر عدائية من هذا وتجاوزت إملاءاتهم”.
تحدي بن غفير لترامب: وجّه وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير صفعة لرؤية ترامب الإعلامية، مخاطباً نتنياهو داخل الجلسة بعبارة قطعية: “ترامب صديق وشريك، لكن دماء جنودنا أهم بالنسبة لي من ترامب”، في إشارة إلى ضرورة العودة للتدمير الشامل وإطلاق يد سلاح الجو في كل لبنان دون أسقف أمنية لإنقاذ القوات التي تُسحق تحت أقدام المقاومين في الجنوب.
ثالثاً: لغم "واشنطن" السياسي.. مشروع 17 أيار الجديد والإنذار الباليستي الإيراني
على المقلب السياسي والدبلوماسي، تتكشف أبعاد التواطؤ والمواجهة المضادة:
الفخ السيادي ومخطط التفكيك: تصريحات رئيس الوفد اللبناني جوزيف عون ونواف سلام تشير إلى مسار أمني بالغ الخطورة؛ يهدف إلى جعل "المنطقة النموذجية" المقترحة أداة لمحاصرة ونزع سلاح المقاومة بإشراف أمريكي. الغاية الاستراتيجية البعيدة للاحتلال والإدارة الأمريكية هي دفع الحكومة اللبنانية مستقبلاً لطلب تدخل دولي رسمي ومباشر بموجب المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة لإنهاء حالة حزب الله، وهو إعادة إنتاج مشؤومة لاتفاق 17 أيار ومحاولة لتحويل الجيش اللبناني إلى قوة أمنية تحمي الكيان، وهو ما جوبه برفض قاطع.
تعديلات طهران والصلابة النووية: أعلن نائب وزير الخارجية الإيراني ومستشار المرشد محسن رضائي أن إيران تلقت المسودة الأمريكية لكنها تحتوي على أمور غامضة تستدعي التوضيح، مؤكداً: "لا نعتبر أي ورقة نهائية ما لم تأخذ مصالحنا ومصالح حلفائنا بالكامل، ونصرّ على وضع 50% من أصولنا المجمدة تحت تصرفنا فوراً عند التوقيع".
الإنذار الناري النهائي لرضائي: وجّه محسن رضائي تحذيراً شديد اللهجة لقادة الكيان وواشنطن: "كان يكفي أن يتقدم العدو خطوة نحو الضاحية، فجميع صواريخنا الباليستية كانت جاهزة وموجهة لتحويل شمال الأراضي المحتلة إلى جحيم بأضعاف ما حدث في حرب الأربعين يوماً.. نحذركم الآن بضرورة الانسحاب السريع والكامل من لبنان دون أي شروط مسبقة".
الخلاصة والتوقع الاستراتيجي:
المنطقة تقف بكامل قطاعاتها العسكرية والنفوذية على جمر ساعة الصفر الحقيقية. الخداع الترامبي عبر تجميد الضاحية سقط أمام تمرد الكنيست والكابينت والمطالبة الإسرائيلية بحرية الحركة، وقرار الإدارة الأمريكية حشد طائرات الوقود والـ B-1B يؤكد نيتها الغدر ومحاولة فرض الاستسلام الميكانيكي.
المسار الحتمي القادم: لن يمر بيان واشنطن التآمري، والمقاومة لن تسلم الجنوب أو السلاح. قد نتجه نحو أيام قتالية ستشهد ضربات ساحقة ومدمرة في عمق الكيان وفي مياه الخليج. التحذير القنصلي الأمريكي العاجل لرعاياها بضرورة مغادرة إسرائيل ودول المنطقة والنزول للملاجئ، هو المؤشر الميداني الأبرز على أن المحور يُهيئ اللمسات الأخيرة لـ "الصاعقة الباليستية المشتركة"؛ حيث ستنهمر الصواريخ الاستراتيجية والمحلقات الانقضاضية الليلية على مقرات القيادة الإسرائيلية وتدك الأساطيل والقواعد الأمريكية العائمة في بحر العرب والخليج.