مجرم ومتآمر من يحاول، لأن في ذلك مصالح شخصية لا مصالح الناس.
كتب: حسن علي طه
في كل مرة أكتب فيها عن مواقف جوزاف عون التي نعتبرها خروجًا على مقتضيات الدستور اللبناني وخيانة له، أو أحذّر من الذهاب إلى قصر بعبدا ومصافحته، يخرج من يوجّه اللوم تحت عناوين الحوار والتعايش والوحدة الوطنية.
والمفارقة أن بعض من نسمع عن لقاءاتهم بمساعدي عون هم أصحاب تاريخ غامق معروف للقاصي والداني، ويعرفون جيدًا حجم الاعتراض الشعبي عليهم.
لكن ما كان بالأمس موقفًا سياسيًا نعبّر عنه، مدعومًا بما نلمسه من نبض الشارع، بات اليوم مدعومًا بالأرقام.
فقد نشر المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق، أمس، خلاصة استطلاع رأي أجراه في أوساط الشيعة اللبنانيين، وجاءت أبرز نتائجه المعلنة على الشكل الآتي:
- 85% لا يثقون بجوزاف عون.
- 88% لا يثقون بالحكومة.
- 85% يؤيدون سلاح المقاومة للحماية والردع.
- 86% يعارضون الإطار الذي سُمّي اتفاقًا.
- 97% يرفضون التطبيع.
هذه الأرقام، إذا كانت العينة ممثلة للجمهور المستهدف، لا يجوز المرور عليها وكأنها مجرد تفاصيل في استطلاع عابر.
وهنا لا بد من التوقف عند ثلاث ملاحظات.
أولًا: في دلالات الاستطلاع
المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق من المراكز القريبة من المقاومة، ويحظى بسمعة جيدة في الأوساط اللبنانية، ما يمنح نتائج استطلاعه أهمية سياسية خاصة.
لكن الأهم هو ما تكشفه النتائج المعلنة من فجوة واسعة بين خيارات السلطة ومواقف الجمهور المستطلع.
ثانيًا: لا فرق بين الأخضر والأصفر إلا اللون
الاستطلاع شمل جمهور الثنائي الشيعي، أي حركة أمل وحزب الله، وتشير نتائجه، إذا كانت ممثلة لهذا الجمهور، إلى تقارب واسع حول عناوين وطنية وسياسية أساسية تتجاوز الاختلافات الحزبية والتنظيمية.
فهؤلاء ليسوا جمهورًا يتعامل مع السياسة بوصفها ترفًا فكريًا، ولا يتخذ مواقفه من خلف المكاتب المكيّفة.
إنهم أهل الشهداء والجرحى والمهجّرين، وأصحاب البيوت المدمّرة والأرزاق المفقودة.
ومن دفع هذا الثمن لا يجوز التعامل مع موقفه وكأنه تفصيل يمكن تجاوزه بمصافحة أو صورة تذكارية.
فهؤلاء هم القادة الحقيقيون.
ثالثًا: من فوّضكم؟
هنا نصل إلى جوهر المسألة.
حين تعلن نسبة 85% من المستطلعين عدم ثقتها بجوزاف عون، يصبح من حق هؤلاء أن يسألوا كل من يذهب إلى قصر بعبدا أو يسعى إلى لقائه ومصافحته:
باسم من تذهبون؟ ومن فوّضكم؟
هل تمثلون أنفسكم ومصالحكم الخاصة، أم تدّعون تمثيل جمهور أعلن انعدام ثقته بعون؟
ومن يريد الذهاب فليتحمل مسؤولية خياره، لكن ليس من حقه الادعاء بتفويض شعبي لم يحصل عليه، أو التحدث باسم دماء الشهداء وتضحيات الناس.
وبذلك يضع نفسه خارج الإجماع الذي تعكسه النتائج المعلنة لدى الجمهور المستطلع، هذا إذا ما حصرنا قضية المقاومة وجغرافيا التضحية بالشيعة، وهم الذين يدفعون أثمانًا.
أما الحديث عن التعايش فقد أصبح ممجوجًا.
أي تعايش هذا الذي يُطلب فيه من الضحية تجاوز جراحها، بينما نسمع كل يوم جوزاف عون ورموزًا من طائفته يمنّون النفس بقتل الشيعة وذبحهم؟
وأي وحدة وطنية يمكن بناؤها إذا تحولت إلى شعار يُرفع عند الحاجة، ويُترك جانبًا حين يتعلق الأمر بحقوق الشيعة وأمنهم وكرامتهم؟
الوحدة الوطنية موقف ومسؤولية وشراكة حقيقية، وليست غطاءً لتبرير خيارات سياسية نرى أنها ألحقت الأذى بلبنان وأهله.
وعون وأمثاله أصبحوا، في نظرنا، خارج هذه الشراكة، والأولى محاسبتهم على ما نعتبره خيانة، ورفض كل من يفكر بلقائهم.
ومن يعتقد أن لقاءاته ستبقيه تحت الضوء أو تمنحه موقعًا سياسيًا، فليبحث عن ذلك بعيدًا عن دماء الشهداء وتضحيات الناس.
خلاصة القول
بالأمس، كان رفضنا الذهاب إلى قصر بعبدا ومصافحة جوزاف عون موقفًا سياسيًا انطلاقًا من قراءتنا لممارسات السلطة وإخلالها بمسؤولياتها الوطنية والدستورية.
واليوم، جاءت نتائج الاستطلاع المعلنة لتؤكد وجود أزمة ثقة واسعة داخل الجمهور المستطلع، لا يجوز تجاهلها.
فمن أراد مصافحة جوزاف عون، فليصافحه باسمه، لا باسم الناس.
ومن أراد الذهاب إلى قصر بعبدا، فليذهب حاملًا مصالحه الخاصة، لا مدّعيًا تفويضًا من جمهور لم يمنحه إياه.
أما دماء الشهداء وأرزاق الناس وتضحياتهم، فليست أوراق اعتماد يقدّمها الطامحون إلى السلطة على أبواب القصور.
وقد أنذر من أنذر وأعذر.
والسلام ختام.