صدى الولاية | خاص بقلم: العميد مالك أيوب
النظام الإسرائيلي كفيل وحده بإعادة إنتاج أزماته. فمع انجلاء غبار صندوق الاقتراع وانكشاف الحسابات البرلمانية الدقيقة، تجد تل أبيب نفسها مجدداً أمام حائط مسدود: 53 مقعداً لكتلة بنيامين نتنياهو، مقابل 48 مقعداً لمعسكر المعارضة بقيادة غادي آيزنكوت، وبينهما 19 مقعداً للأحزاب العربية تقف ككتلة وازنة، لكنها محاصرة بـ«خطوط حمراء» يرتسم خلفها فيتو صريح من صقور يمين الوسط. الحقيقة السياسية الصارخة التي يفرزها هذا التوزيع هي أنه لا أحد يملك مفاتيح الـ61 مقعداً بمفرده، وفي قاموس السياسة الإسرائيلية يعني هذا الانسداد أمراً واحداً: مرحلة طويلة من اللاتوازن وتصريف الأعمال والانتظار المعلّق على حافة الهاوية.
وفي هذه الرقعة الشطرنجية المعقدة، يعرف بنيامين نتنياهو، الثعلب السياسي العتيق، كيف يحوّل الأزمات إلى دروع حماية. وبعدما أصبح رئيساً لحكومة تصريف الأعمال، فإن الوقت ليس عدوه، بل حليفه الأول. وفشل خيارات التشكيل الدستورية لن يقتاده إلى المنزل، بل إلى انتخابات مكررة تمنحه شهوراً إضافية في السلطة، محاطاً بحصانته ومجدداً فرصه في المناورة. في المقابل، يجد غادي آيزنكوت وقادة المعارضة أنفسهم في مصيدة الخصوم؛ فالطريق الوحيد لحرمان نتنياهو من الحكم يمر عبر شبكة أمان توفرها الأحزاب العربية، غير أن هذا الخيار الاصطدامي يتحطم فوراً على صخرة الفيتو المتبادل الذي يرفعه أفيغدور ليبرمان وأطراف أخرى ترفض منح أي شرعية ائتلافية للكتل العربية.
وسط هذا الفراغ السياسي الممتد، تتجه الأنظار نحو الحسابات الاستراتيجية خارج الحدود. ومع انتهاء الاستحقاق الانتخابي الأميركي وتحرر البيت الأبيض من الضغوط المباشرة، يرتفع في الكواليس صوت السيناريو العسكري الأكثر خطورة، والمتمثل في توجيه ضربة استباقية ومكثفة لمنشآت إيران الاستراتيجية والنووية، بالتنسيق بين واشنطن وتل أبيب. ويدرك بنيامين نتنياهو تماماً، بعد فشله في تأمين أغلبية «النصف زائد واحد» لتشكيل حكومة، أن التوجه نحو خيار المواجهة العسكرية مع إيران قد يشكل «خشبة الخلاص» الأخيرة لإنقاذه من مقصلة الفراغ والمأزق السياسي؛ فالمواجهة الكبرى تمثل الفرصة المثالية لخلط الأوراق وإجبار المعارضة على الالتفاف حوله أو المشاركة في حكومة طوارئ تعيد له الشعبية التي فقدها وتؤجل ملاحقاته.
لكن هذه المعادلة لا تتحرك في اتجاه واحد، إذ يتوقف موقف حزب الله في لبنان أمام حسابات استراتيجية بالغة الدقة والتعقيد؛ إذ يدرك الحزب أن أي انخراط فعلي له في أي مواجهة مرتقبة لن يكون استجابة عاطفية أو مجرد إسناد موضعي، بل يرتبط كلياً بأن تكون المعركة شاملة ومحتدمة على مستوى الإقليم ككل، وأن تترافق مع ضوء أخضر صريح من طهران وإسناد إيراني ومحوري مباشر ومستدام، وذلك لقطع الطريق أمام أي محاولة أميركية-إسرائيلية لعزل الساحة اللبنانية والاستفراد بالمقاومة وحدها في مواجهة غير متكافئة.
في ظل هذا العجز الهيكلي المحتوم عن تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة واستمرار حالة الانسداد الداخلي، تتهيأ المنطقة لمرحلة شديدة الخطورة ومفتوحة على كافة الاحتمالات. فاللاحكومة في تل أبيب تحوّل خيار التصعيد الإقليمي إلى المهرب الوحيد المتوفر، ليصبح المشهد أمام مسارين لا ثالث لهما: إما أن تنجح مغامرة الضربة العسكرية في خلط الأوراق وفرض واقع أمني جديد يعيد تعويم نتنياهو ويصهر المعارضة في كابينيت طوارئ على حساب استقرار المنطقة، وإما أن تتسع رقعة المواجهة لتتحول إلى حرب استنزاف شاملة تُعرّي حدود القدرة الإسرائيلية، وترتد كابوساً شعبياً وسياسياً ينهي مستقبل نتنياهو السياسي وسط فوضى إقليمية غير مسبوقة.