❗خاص ❗️sadawilaya❗
تفسير القرآن في القرآن[13]:
من التفسير إلى التدبّر والبيان
✒️بقلم: د.رعد هادي جبارة الأمين العام للمجمع القرآني الدولي
🔗خصوصية المفردة القرآنية(90)
❇️تمهيد:
[المقالة1من3مقالات]
عندما يتلو المؤمن القرآن الكريم، فيمرّ على قوله تعالى:
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾
[الفرقان: 33]
يمضي في تلاوته، من غير أن يتوقف طويلًا عند هذه المفردة: ﴿تَفْسِيرًا﴾.
لكن المتأمل في خصوصية الألفاظ القرآنية يجد أن هذه المفردة تستحق وقفة خاصة؛ فهي لم ترد في القرآن بهذا اللفظ إلا في هذا الموضع، وجاءت في سياق لافت: الخصوم يأتون بالمثل أو الشبهة، والوحي يواجه ذلك بـ الحق ثم بـ [أحسن تفسيراً].
🔻فما التفسير الذي يقصده القرآن هنا؟
🔻وهل دعا القرآن إلى تفسير القرآن؟
🔻وإذا كان قد دعا إلى فهمه وبيانه، فما الألفاظ التي اختارها لذلك؟
🔻وهل «التفسير» هو المصطلح الوحيد الذي يعبّر عن هذه العملية، أم أن القرآن أقام منظومة أوسع تضم البيان والتبيين والتفصيل والتدبر والتفكر والتذكر والتأويل؟
👈🏽هذه الأسئلة تقودنا إلى محاولة اكتشاف منهج القرآن في تفسير القرآن.
❇️أولًا: «تفسير» مفردة قرآنية فريدة
يقول الله تعالى:
﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
جاءت كلمة «تفسير» مصدرًا، وهي من مادة تدور في أصلها اللغوي حول الكشف والإبانة والإيضاح.
والسياق القرآني يؤكد هذا المعنى؛ فالمشركون كانوا يوردون أمثالًا و اعتراضات يريدون بها التشكيك والطعن، فيأتي الجواب الإلهي جامعًا بين الحق و أحسن البيان و التفصيل.
وقد فسّر الطبري قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾ بما يرجع إلى معنى البيان و التفصيل، ونُقل عن ابن عباس تفسيره بـ«أحسن تفصيلًا»، وعن مجاهد بـ«بيانًا».
وهذه الملاحظة الأولى التي تستحق التسجيل:
التفسير في الاستعمال القرآني ليس مجرد إبداء رأي في النص، وإنما هو كشف وبيان وتفصيل للحق.
ومن هنا لا يصح أن ننقل المصطلح التفسيري الذي استقر في علوم القرآن في القرون اللاحقة، ثم نفترض أن كل استعمال لكلمة «التفسير» في التراث يطابق بالضرورة دلالتها القرآنية.
❇️ثانيًا: لماذا لم يكثر القرآن من لفظ «التفسير»؟
هنا تبدأ خصوصية المفردة. فإذا كان القرآن يريد من الناس أن يفهموا كتاب الله، فلماذا لم يكرر لفظ «التفسير»؟
والجواب الذي يكشفه الاستقراء أن القرآن لم يهمل مفهوم التفسير، وإنما وزّع وظائفه ومقوماته على مجموعة من المفردات القرآنية الدقيقة.
ومن أبرزها:
#البيان — التبيين — التفصيل — التدبر — التفكر — التذكر — التأويل.
وكأن القرآن لا يحصر عملية التعامل مع كتاب الله في نشاط واحد اسمه «التفسير»، بل يبني للإنسان منهجًا متكاملًا لفهم الوحي والتفاعل معه.
وهنا تظهر روعة التعبير القرآني:
فـ «التفسير» مفردة واحدة، أما المنهج القرآني لفهم الكتاب فشبكة واسعة من المفاهيم.
❇️ثالثًا: البيان... وظيفة مرتبطة بالرسول ﷺوآله.
يقول الله تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾
[النحل: 44].
وهذه الآية من أهم مفاتيح بحثنا.
فالقرآن لم يقل:
«لتفسّر للناس»
وإنما قال:
﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ﴾.
فقد جعل البيان وظيفة للنبي ﷺ وآله.
وقد فهم القرطبي وابن كثير وغيرهما من الآية أن الرسول (ﷺ وآله) يبين للناس ما أنزل إليهم،ويفصل لهم ما أجمل، ويوضح ما أشكل من الوحي.
واللافت أن الآية لم تقف عند وظيفة الرسول، بل ختمت بقوله تعالى:
﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
وهنا يمكن أن نرسم تسلسلًا قرآنيًا بالغ الدلالة:
الوحي → البيان النبوي → التفكر البشري.
#فالرسول ﷺوآله يبيّن،
#والإنسان يتفكر.
وهذا يفتح بابًا مهمًا سيصبح موضوع الحلقة الثانية:
ما حدود البيان النبوي؟ وما الذي ورد عنه ﷺوآله في تفسير القرآن وبيانه؟
❇️رابعًا: القرآن يدعو إلى التدبر
قال تعالى:
﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
[ص: 29].
فالغاية المذكورة هنا من إنزال الكتاب هي:
﴿لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾.
وهذا أمر مهم جدًا؛ لأن التدبر ليس نشاطًا محظورًا على عامة الناس، بل هو غاية صريحة من غايات إنزال القرآن.
وقد ذهب القرطبي إلى أن الآية تتضمن دليلًا على وجوب معرفة معاني القرآن والتدبر فيه.
أما الطبري ففسر التدبر بالنظر في حجج القرآن و شرائعه، بما يؤدي إلى الاتعاظ والعمل.
إذن:
القرآن لا يطلب منا أن نتلو ألفاظه فحسب، بل أن نتدبر آياته.
❇️خامسًا: «أفلا يتدبّرون القرآن؟»
ثم يأتي الاستفهام الإنكاري الصريح:
﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾
[محمد: 24].
فالتدبر هنا ليس فضيلة هامشية، بل تركه موضع إنكار.
لكن ينبغي أن نفرق بدقة بين التدبر والتفسير.
فالتدبر أوسع من التفسير الاصطلاحي؛ لأنه يتضمن النظر في الآية، وربطها بسياقها، وتأمل هداياتها، واستخراج العبرة منها، والنظر في آثارها على الإنسان والحياة.
ولهذا يمكن القول: كل تفسير صحيح ينبغي أن يثمر تدبرًا، وليس كل تدبر تفسيرًا اصطلاحيًا.
وهذا التفريق سنحتاج إليه كثيرًا عندما نصل إلى مسألة التفسير بالرأي.
❇️سادسًا:القرآن «مُفصَّل»
يقول تعالى:
﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾
[فصلت: 3].
ويقول:
﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُم بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَىٰ عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾
[الأعراف: 52].
وهنا نعود إلى آيتنا الأولى:
﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾.
فالتفسير، في هذا السياق، يقترب من البيان والتفصيل، بينما القرآن يصف آياته بأنها مفصلة.
وهذه العلاقة بين:
التفسير ← البيان ← التفصيل
جديرة بالتأمل، لأنها تؤكد أن القرآن نفسه يصف بنيته الداخلية بطريقة تجعل بعضه معينًا على فهم بعضه الآخر.
❇️سابعًا: ومن هنا... «تفسير القرآن بالقرآن»
إذا جمعنا هذه الآيات، تظهر أمامنا قاعدة مهمة:
إن القرآن:
#يبيّن.
#يفصّل.
#يدعو إلى التدبر.
#يدعو إلى التفكر.
ويجعل للنبي ﷺوآله وظيفة البيان.
🔻ومن هنا نشأت قيمة المنهج الذي عُرف في علوم التفسير بـ:
`تفسيرالقرآن بالقرآن`
فقد تكون آية مجملة، ثم تأتي آية أخرى فتفصلها.
وقد يكون اللفظ عامًا، فتأتي آية أخرى فتحدد المراد.
وقد يذكر القرآن قضية في موضع مختصرًا، ثم يعود إليها في موضع آخر بشيء من التفصيل.
👈🏽ولهذا فإن القرآن هو المصدر الأول لفهم القرآن.
وهذه ليست دعوة إلى الاستغناء عن الروايات الواردةعن النبي ﷺوآله وأهل البيت ع والعلماء؛ وإنما هي ترتيب منهجي للمصادر:
🔹القرآن أولًا في تفسير القرآن،
🔹ثم البيان النبوي،
🔹 ثم المأثور الصحيح،
🔹ثم الاجتهاد العلمي المنضبط.
❇️ثامنًا: هل دعا القرآن إلى «تفسير القرآن»؟
بعد هذا الاستقراء يمكن أن تكون إجابتنا أكثر دقة من مجرد «نعم» أو «لا».
نعم، دعا القرآن إلى فهم آياته وتدبرها وبيانها، لكنه لم يجعل لفظ «التفسير» عنوانًا وحيدًا لهذه العملية.بل بنى منظومة متكاملة من:
التفسير — البيان — التبيين — التفصيل — التدبر — التفكر — التذكر — التأويل.
🔻ولهذا فإن السؤال الأصح ليس:
هل ورد الأمر القرآني بلفظ «فسّروا القرآن»؟
بل:
كيف أراد القرآن أن نتعامل مع القرآن؟
🔹والجواب:
بالتدبر والتفكر، والاستعانة بالبيان النبوي، وردّ الآيات إلى بعضها، والوقوف عند حدود ما نعلم، واجتناب القول على الله بغير علم.
❇️تاسعًا:الخلاصة
يمكن أن نلخص ما وصلنا إليه في هذه الحلقة بالقول:
ورد لفظ «التفسير» في القرآن مرة واحدة، في قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا﴾، لكنه لم يترك مفهوم التفسير معلقًا حول هذه المفردة، بل أقام لفهم كتابه منظومة قرآنية واسعة قوامها البيان والتبيين والتفصيل والتدبر والتفكر والتذكر. وجعل للرسول ﷺ وآله وظيفة البيان، ودعا الإنسان إلى التدبر والتفكر، وفتح آفاقًا واسعة لفهم القرآن من خلال القرآن نفسه.
🔹ومن هنا فإن تفسير القرآن في القرآن ليس مجرد مدرسة تفسيرية من بين مدارس التفسير، بل يمكن النظر إليه بوصفه منهجًا تؤسسه بنية القرآن الداخلية نفسها.
♻️يتبع لاحقاً